الجمعة, أكتوبر 30, 2026
الرئيسيةتقاريرمدير المركز السوداني للديمقراطية والتنمية لـ«المجد نيوز »: وقف الحرب أولوية.. والأحزاب...

مدير المركز السوداني للديمقراطية والتنمية لـ«المجد نيوز »: وقف الحرب أولوية.. والأحزاب مطالبة بتجديد شرعيتها قبل قيادة الانتقال -د.عمر الخير: أزمة السودان أزمة دولة.. ولا ديمقراطية في ظل تعدد الجيوش وغياب شرعية الأحزاب

–

-هناك أحزاب سودانية لم تجرِ انتخابات داخلية منذ 15 عاماً

-لا يمكن ضمان انتخابات نزيهة في ظل تعدد الجيوش.. والسلاح يهدد إرادة الناخبين

حوار : انتصار

قال مدير المركز السوداني للديمقراطية والتنمية، الدكتور عمر الخير، إن الأزمة السودانية الراهنة تتجاوز الخلاف على السلطة إلى أزمة دولة، تتجلى في الخلاف حول الهوية وشكل الحكم، وغياب الأسس الدستورية المتوافق عليها، إلى جانب تعدد القوى المسلحة وضعف مؤسسية الأحزاب السياسية. واعتبر أن الحرب كشفت إخفاقات القوى السياسية والمدنية في إدارة الخلافات، وجعلت الديمقراطية ضرورة ملحة لمعالجة جذور الأزمة ومنع تكرارها.
وفي حوار مع “المجد نيوز “، شدد الخير على أن وقف الحرب يمثل المدخل لمعالجة بقية القضايا الوطنية، وأن بناء انتقال ديمقراطي مستدام يتطلب احتكار الدولة للسلاح، وتجديد شرعية الأحزاب عبر مؤسساتها وقواعدها، وإخضاعها للمساءلة المجتمعية والإعلامية. كما دعا إلى وضع أسس دستورية واضحة لتداول السلطة، وإصلاح الحياة الحزبية، وسن تشريعات لمكافحة العنصرية والجهوية، مؤكداً أن المصالحة الوطنية لا ينبغي أن تأتي على حساب العدالة.

وفي ما يلي نص الحوار:

*بعد مرور سنوات على الحرب ما الذي تغير في مفهوم الديمقراطية داخل السودان ؟

-في تقديري، الحرب واحدة من نتائج فشل السياسيين في إدارة الشأن الوطني. وكان يفترض أن نستوعب من هذه التجربة أن الإخفاق في الجانب السياسي والمدني، وعدم القدرة على معالجة الخلافات بالوسائل السلمية، من العوامل التي قادت البلاد إلى هذا الوضع.
السودانيون اليوم أكثر احتياجاً إلى الديمقراطية، التي لم تعد مجرد خيار سياسي، وإنما أصبحت ضرورة لمعالجة أزمات البلاد. وما حدث يجب أن يدفعنا إلى إعادة النظر في طريقة ممارسة السياسة، وإدراك أن غياب الديمقراطية داخل المؤسسات والكيانات السياسية نفسها ينعكس على الدولة والمجتمع.

*هل أزمة السودان اليوم أزمة سلطة أم أزمة دولة؟

-نحن نواجه أزمة دولة، وهناك خلاف كبير حول الهوية الوطنية وشكل الحكم. ولذلك فإن المطلوب ليس مجرد تغيير في السلطة، وإنما إصلاح أعمق يعالج جذور الأزمة.
صحيح أن هناك أزمة حكم، لكن اختزال المشكلة في هذا الجانب وحده لا يفسر ما وصلنا إليه. نحن أمام مؤسسات منهارة، وغياب لحكومة فاعلة بالمعنى المؤسسي، وتعدد للقوى المسلحة، فضلاً عن خلافات سياسية لم تنجح القوى المدنية في إدارتها. ومن هنا تأتي أولوية وقف الحرب، لأنه لا يمكن معالجة بقية المشكلات الوطنية بصورة فعالة في ظل استمرارها.

*هل يمكن أن ينتج حوار سوداني ـ سوداني حقيقي في ظل استمرار الحرب والاستقطاب السياسي والعسكري؟

-يجب التمييز بين لجنة تهيئة الحوار والحوار السياسي نفسه. اللجنة الحالية معنية بتهيئة المناخ وفتح الطريق أمام مسار سياسي، لكن السؤال هو: هل يستطيع هذا المسار مخاطبة قضايا الحرب والوصول إلى أطرافها؟ وهل تتوافر الإرادة اللازمة لإقناع الأطراف المعنية بالجلوس إلى طاولة الحوار؟ فالواقع يشير إلى أن المسألة تحتاج إلى جهود وإرادة مختلفتين، ولا يمكن التعويل على الحوار وحده إذا لم تتوافر الشروط التي تسمح له بالتأثير في مسار الأزمة.
لكنني أرى أن هناك مساحة واسعة للتوافق بين غالبية السودانيين، ويمكن للحوار أن يخاطب نحو 90 في المائة من الشعب، بدلاً من حصر الرهان في القوى المسلحة. وإذا توحدت كلمة هذه الغالبية حول مشروع وطني، فإن ذلك يمكن أن يسهم في إضعاف شرعية المليشيا وعزلها سياسياً ومجتمعياً. فالحوار ليس مجرد اجتماع للقوى السياسية، بل وسيلة لبناء موقف وطني يستند إلى إرادة المجتمع.

*من يملك حق تمثيل السودانيين في ظل تعدد المكونات السياسية والمجتمعية؟

-لا يحق لأي طرف أن يدعي، بصورة مطلقة، أنه يمثل السودانيين جميعاً. فالمجتمع السوداني يتكون من كيانات ومجموعات متعددة، تشمل الأحزاب والقوى المجتمعية والإدارات الأهلية وغيرها، ولكل منها قضاياها ومصالحها.
والقول إن جهة بعينها تمثل الشعب السوداني كله ادعاء غير سليم. المطلوب أن تعبر كل جهة عن نفسها وعن القواعد التي تستند إليها، وأن تكون هناك آليات واضحة للتحقق من شرعيتها وقدرتها على التعبير عن تلك القواعد.
المشكلة أن النخب السياسية نفسها تواجه أزمة شرعية، والأحزاب تعاني انقسامات داخلية وضعفاً في المؤسسية وعدم استقرار في هياكلها. ولذلك لا بد من مراجعة هذه الأحزاب وتجديد شرعيتها، حتى لا تظل تتحدث باسم المجتمع من دون أن تكون لديها قاعدة حقيقية تمنحها هذا الحق.

*كيف يمكن للأحزاب تجديد شرعيتها، وما دور لجنة تهيئة الحوار في ذلك؟

-الأحزاب مطالبة بالعودة إلى مؤسساتها وقواعدها، وإجراء مراجعات حقيقية تضمن أن قياداتها تعبر عن عضويتها، لا عن مصالحها الخاصة. هناك أحزاب لم تجر انتخابات داخلية منذ اكثر من 15 عاماً، وهذا وضع لا يمكن أن يستمر إذا كنا نتحدث عن بناء نظام ديمقراطي.
ومن شروط تهيئة الحوار أن تخضع الأحزاب للمراجعة، وأن تكون عضويتها ومؤسساتها معروفة، وأن تمارس الديمقراطية داخل هياكلها. كما ينبغي أن تخضع هذه العملية لرقابة المجتمع والإعلام والجهات المختصة، بما يضمن الشفافية والمساءلة.
وهنا تبرز أهمية دور الجهة المختصة بتسجيل الأحزاب ومراجعة أوضاعها، وفق القانون، للتحقق من التزامها بمتطلبات العمل المؤسسي. فلا يمكن أن نطالب ببناء دولة ديمقراطية بينما تفتقر الأحزاب التي يفترض أن تقود هذا التحول إلى الممارسة الديمقراطية داخلها.

*إلى أي مدى يشكل تعدد الجيوش والقوى المسلحة تهديداً للتحول الديمقراطي؟

-وجود قوى مسلحة متعددة من أكبر التحديات أمام الديمقراطية. فالديمقراطية تقوم على المساواة بين المواطنين، وعلى حرية الاختيار، لكن وجود السلاح خارج سلطة الدولة يهدد هذه المبادئ.
المواطن الذي يتوجه إلى صندوق الانتخابات يجب أن يكون مطمئناً إلى أنه يستطيع اختيار من يريد من دون خوف أو ضغط. أما في ظل وجود قوى مسلحة قادرة على التأثير في إرادة الناس، فلا يمكن ضمان انتخابات حرة ونزيهة.
لذلك لا بد من احتكار الدولة للسلاح، ودمج الحركات والقوى المسلحة وفق ترتيبات قانونية ومؤسسية داخل القوات المسلحة أو المؤسسات النظامية المختصة. ويجب أن تكون هناك دولة واحدة وسلطة قانون واحدة، بحيث لا يصبح السلاح وسيلة لفرض الإرادة السياسية أو التأثير في نتائج الانتخابات.

*كيف ترى شكل المرحلة الانتقالية المطلوبة بعد توقف الحرب؟

-سواء انتهت الحرب عبر التفاوض أو الحسم العسكري، فإن الانتقال إلى الديمقراطية يحتاج إلى ترتيبات واضحة تضمن عدم تكرار التجارب السابقة. ومن أهم هذه الترتيبات صياغة قواعد دستورية تحدد طبيعة الحكم، وعلاقة المؤسسات بعضها ببعض، وآليات تداول السلطة.
كما ينبغي أن يكون دور القوات المسلحة واضحاً، وأن تبتعد عن الممارسة السياسية، وتدعم عملية الانتقال الديمقراطي، وتؤدي دورها في حماية الدستور والدولة. وعندما تأتي حكومة منتخبة، يجب أن تخضع جميع المؤسسات لسلطة الدولة المدنية والقانون، وفق الدستور.
وفي تقديري، فإن الحكومة المدنية المتوافق عليها وطنياً هي الوضع الطبيعي الذي ينبغي العمل من أجله. لكن التوافق لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن الشرعية الشعبية، بل يجب أن يقود إلى انتقال منظم ينتهي إلى انتخابات حرة يختار فيها المواطنون من يحكمهم.

*هل القوى المدنية الحالية مؤهلة لقيادة المرحلة الانتقالية؟

-لدينا مشكلة حقيقية في نضج القوى المدنية وقدرتها على تقديم مشروع وطني متكامل. فبعض هذه القوى تفتقر إلى الشرعية المؤسسية، ولا تمتلك برامج واضحة أو رؤية متفقاً عليها لإدارة الدولة والانتقال إلى الحكم الديمقراطي.
لا يكفي أن ترفع جهة شعار الديمقراطية أو أن تعلن نفسها مؤهلة لقيادة المرحلة الانتقالية؛ بل يجب أن تثبت قدرتها على إدارة الخلافات، وتقديم البرامج، واحترام المؤسسات، والالتزام بقواعد العمل السياسي.

نحن بحاجة إلى مراجعة نوعية للكيانات السياسية، وليس مجرد إعادة ترتيب الأسماء والقيادات. كما أن كثرة الأحزاب لا تعني بالضرورة تعدد الخيارات الديمقراطية أو جودتها؛ فالمهم هو وجود أحزاب مؤسسية ذات برامج واضحة وقواعد حقيقية، وقادرة على المنافسة وتقديم البدائل للناخبين.

*ما المطلوب لضمان مشاركة حقيقية للشباب والمرأة في صنع القرار؟

-المشكلة في بنية الأحزاب نفسها، وفي غياب المعايير التي تسمح بتطوير المؤسسات وتوسيع المشاركة داخلها. فإذا لم تكن هناك قواعد واضحة للترقي والمنافسة، فستظل المشاركة مجرد شعارات.
لا ينبغي أن تكون مشاركة الشباب والمرأة شكلية أو قائمة على التعيين من أجل إكمال الصورة، وإنما يجب أن تنبع من قدرتهم على المنافسة والتأثير داخل مؤسساتهم. فالشباب والنساء يحتاجون إلى فرص حقيقية لإثبات قدراتهم والوصول إلى مواقع اتخاذ القرار عبر آليات ديمقراطية واضحة.
والحقوق السياسية لا ينبغي أن تظل رهينة المبادرات أو الوعود؛ بل يجب أن تدعمها نظم مؤسسية تتيح المشاركة العادلة، وتمنع احتكار القيادة داخل الكيانات السياسية.

*كيف يمكن معالجة العلاقة المعقدة بين السلام والعدالة في السودان؟

-لا ينبغي التعامل مع السلام والعدالة باعتبارهما خيارين متعارضين بصورة مطلقة. فالعدالة مرتبطة بالقانون وبناء المؤسسات القادرة على إنصاف المتضررين، أما العدالة الانتقالية فتتعامل مع قضايا قد لا تستطيع المنظومة القضائية وحدها معالجتها بالآليات التقليدية، ولذلك تحتاج إلى آليات مناسبة لطبيعة المرحلة.
نحن بحاجة إلى تأسيس قواعد قانونية واضحة، ومعالجة الانتهاكات وفق آليات عادلة، وبناء مؤسسات تمنع تكرارها. كما أن السودان يحتاج إلى تشريعات واضحة لمكافحة العنصرية والجهوية وخطاب الكراهية، مع الالتزام بتطبيقها على الجميع.
يمكن الاستفادة من تجارب دول مثل المغرب ورواندا في دراسة آليات معالجة النزاعات وبناء المصالحة، لكن ينبغي مراعاة خصوصية الحالة السودانية. والمصالحة الوطنية مهمة، إلا أنها لا ينبغي أن تكون بديلاً عن العدالة أو أن تسبق معالجة القضايا التي تتطلب إنصافاً قانونياً. فالمصالحة المستدامة تحتاج إلى أسس عادلة وإلى ضمانات تمنع تكرار الانتهاكات.

*ما العلاقة بين الديمقراطية والتنمية، وهل يمكن تحقيق التنمية في ظل الأوضاع الحالية؟

-التنمية تعني إعادة الإعمار والبناء وتحسين حياة المواطنين وزيادة الإنتاج، وكل ذلك يحتاج إلى الاستقرار ووجود مؤسسات قادرة على التخطيط والتنفيذ والمساءلة.
الديمقراطية ليست مجرد عملية انتخابية، وإنما وسيلة لمعالجة المشكلات وتنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتحديد كيفية إدارة الموارد وتوزيع المسؤوليات. وعندما تكون هناك قواعد واضحة للحكم والمحاسبة، تصبح فرص التنمية أكثر استدامة.
أما في ظل الحرب وغياب الاستقرار الدستوري والمؤسسي، فإن تحقيق التنمية يواجه عقبات كبيرة. فغياب القواعد التي تنظم تداول السلطة وتحدد صلاحيات المؤسسات يترك الدولة عرضة للأزمات المتكررة، ويضعف قدرتها على تنفيذ سياسات تنموية مستقرة.

*ما المدخل الدستوري لإعادة بناء الدولة ومنع تكرار الحرب؟

-السودان يحتاج إلى دستور متوافق عليه، يحدد شكل الدولة ونظام الحكم، وينظم تداول السلطة، ويوضح اختصاصات المؤسسات والعلاقة بينها. فغياب الدستور المتوافق عليه يترك قضايا جوهرية معلقة، ويجعل الخلافات السياسية قابلة للتحول إلى صراعات على السلطة.
لقد سقط نظام الإنقاذ، لكن البلاد لم تنجح في إكمال انتقال مدني سلس ومستقر، وكانت هناك إخفاقات في إدارة الانتقال وتحقيق التوافق الوطني. ومن المهم أن نتعلم من هذه التجربة، وألا نكرر الأخطاء نفسها.

المطلوب هو التوافق على أسس دستورية واضحة لإدارة المرحلة الانتقالية وإعادة بناء الدولة، مع الاتفاق على قواعد تحكم العلاقة بين المدنيين والعسكريين، وتضمن خضوع الجميع للقانون. كما يجب أن يكون الشعب هو الفيصل في تحديد من يحكمه، من خلال انتخابات حرة ونزيهة تستند إلى مؤسسات قوية وبيئة سياسية آمنة.

إعادة بناء الدولة لا تتحقق بمجرد الاتفاق على أسماء أو تشكيل حكومة، وإنما بإقامة مؤسسات شرعية، وتأسيس نظام دستوري مستقر، وبناء حياة حزبية ديمقراطية، وإنهاء تعدد مراكز القوة المسلحة. هذه هي الشروط التي يمكن أن تفتح الطريق أمام انتقال ديمقراطي حقيقي وتنمية مستدا

#المركز_السوداني_للديمقراطية

#الاحزاب_السودانية

#بناءالدوله #النظام_الدستوري

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات