الأحد, أكتوبر 25, 2026
الرئيسيةمقالاتالمرقاب..سيوف على رقاب الكلمة.. قراءة عميقة في تعديلات النشر الإلكتروني السودانية. ...

المرقاب..سيوف على رقاب الكلمة.. قراءة عميقة في تعديلات النشر الإلكتروني السودانية. كتب/د. إسماعيل الحكيم


معلوم أن الدول لا تسقط بضربات الجيوش الغازية وحدها في سياق الحروب الوجودية، ولكن تتهاوى غالباً من الداخل حين يختلط صليل السيف بضجيج الأقلام، وتتحول الفضاءات الرقمية إلى خنادق متقدمة لإدارة الفوضى وصناعة الهزائم النفسية. فمن هذا المنظور المعقد، جاءت التعديلات القانونية الأخيرة التي صادق عليها مجلس السيادة السوداني برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وعلى رأسها المادة (50) المعدلة، لتشكل زلزالاً تشريعياً غير مسبوق في بيئة الإعلام والاتصال الرقمي.
هذه التعديلات التي تلوح بعقوبات مغلظة تصل إلى الإعدام، السجن المؤبد، ومصادرة وسائط الإعلام لكل من يفسر فعله بأنه تقويض للنظام الدستوري أو تعريض لوحدة البلاد واستقلالها للخطر عبر النشر الإلكتروني، لا يمكن قراءتها بعين واحدة، ولا تقييمها بمعيار قانوني تقليدي مجرد. إنها نصّ يحمل في طياته أكثر مما يبدي، ويخفي خلف لغة التجريم الصارمة أبعاداً استراتيجية عميقة تستوجب التفكيك والتأمل.
وفي قراءة سطحية للمشهد، أو في التسويق الرسمي للمرسوم، يبدو الأمر للوهلة الأولى محاولة مشروعة – بل وضرورية – لضبط الفوضى العارمة التي تعتري المشهد الإعلامي السوداني منذ اندلاع الحرب وحتى يومنا هذا . فالبلاد تواجه ما بات يُعرف بحرب الأجيال الرابعة وحروب الجيل الخامس، حيث أصبحت الشائعات الممنهجة، والرسائل المضللة، والحروب النفسية أدوات هدّامة تُستخدم لتثبيط الهمم، وبث الهلع، وتفكيك النسيج الاجتماعي، وإسقاط الروح المعنوية للقوات المسلحة والمواطنين على حد سواء.
ومن حق الدولة، بل من صميم واجبها السيادي في أوقات الاستثنائية والوجود على حافة الهاوية، أن تضع ضوابط صارمة تحرس بها الأمن القومي وتمنع استغلال الفضاء السايبراني لمنصات تدار من غرف مظلمة لبث السموم. فالكلمة الطائشة في زمن الحرب قد تقتل أكثر مما تقتل الرصاصة، والخبر الكاذب قد يسقط مدينة بأكملها دون أن تُطلق فيها رصاصة واحدة. ظاهراً إذن، نحن أمام سياج قانوني يستهدف ترشيد الخطاب الإعلامي، وحماية الجبهة الداخلية من الاختراق المعنوي.
لكن، إذا جاوزنا القشور واستنطقنا الدلالات العميقة الكامنة خلف السطور، سنجد أن ما أخفاه المشرّع وسعى إليه المنشور بذكاء حاد، هو استهداف العصب المالي واللوجستي والسياسي للتمرد. إن أخطر ما تواجهه الدولة اليوم ليس فقط الرصاص الموجه إلى صدور جنودها في الميدان، إنما شبكات الدعاية الناعمة، والحسابات الوهمية، والمنصات المؤدلجة التي تتخذ من الحياد الزائف أو حرية التعبير ستاراً لتبييض جرائم المليشيا، وتسويق مظلوميتها المزيفة، وتعبئة الحاضنات الاجتماعية ودفعها نحو الدعم الإعلامي والنفسي للتمرد.
لقد جاءت المادة (50) المعدلة لتُحكم الطوق الحديدي حول هذا الشريان الخفي. إنها باختصار شديد: أداة قانونية لقطع الطريق نهائياً أمام الدعم الإعلامي للمليشيا . فلم يعد التعاطف أو الترويج المبطن مجرد رأي قابل للنقاش، بل أُعيد تكييفه ليكون فعلاً تآمرياً يرقى إلى مرتبة الخيانة العظمى وتقويض النظام الدستوري. لقد أدركت السلطة السيادية أن معركة الإعلام لا تقل ضراوة عن معركة الخرطوم ودارفور، وأن بتر أذرع المليشيا الرقمية لا يقل أهمية عن دحر طليعتها الميدانية.
لا شك عندي أن هذا التوجه يثير هواجس مشروعة وقلقاً عميقاً لدى المدافعين عن حرية الصحافة وحرية التعبير؛ فالعقوبات القصوى التي تصل إلى الإعدام والمؤبد ومصادرة المنابر تحمل في طياتها مخاطر الانزلاق نحو تكميم الأفواه، وخلط الأوراق بين المعارضة السياسية المشروعة والنقد البناء من جهة، وبين التخابر والترويج للعدو من جهة أخرى. الخط الفاصل بين الأمرين دقيق للغاية، وحساس إلى حد التماس الكهربائي.
إلا أن الفلسفة الحاكمة لمثل هذه التشريعات الاستثنائية تنطلق من قاعدة فقه السياسة الشرعية والدستورية القائلة: حفظ الكيان العضوي للدولة يتقدم على كل غاية سواها . فلا معنى لحرية الصحافة إن لم تكن هناك دولة تحميك لتكتب فيها، ولا جدوى من التعبير في وطن جريح ومقسّم يحكمه أمراء الحرب والميليشيات.
إن تعديلات النشر الإلكتروني في السودان لم ولن تكن نصوصاً جافة أُقرت بليل، إنما هي وثيقة صراع تعكس شراسة المعركة على الوعي الجمعي السوداني. إنها رسالة حاسمة بأن زمن العبث بالوعي، وترويج سرديات التمرد تحت لافتة الرأي الآخر ، قد انتهى بلا رجعة.
ولكن، يبقى المحك الحقيقي في عدالة التطبيق وحكمته؛ ألا يتحول السيف المصلت إلى مقصلة لكل صوت حر يغرد خارج السرب الوطني الصادق، وألا يُتخذ القانون مطية لتصفية الحسابات السياسية الضيقة. إن التاريخ سيحكم على هذه الخطوة؛ إما باعتبارها درعاً حصيناً حمى السودان من التفكك والانزلاق نحو الهاوية، أو سيفاً قطع لسان الحقيقة وترك الوطن غارقاً في صمت القبور.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات