يشهد المشهد السياسي الإسرائيلي حالة غير مسبوقة من الاستقطاب الحاد والتوترات المستمرة، حيث يجد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو نفسه أمام أصعب اختبار سياسي وشخصي في تاريخه الطويل. المعضلة لم تعد مجرد صراع حزبي تقليدي، بل تحولت إلى تساؤل مصيري يفرض نفسه بقوة في كواليس الصحافة والشارع الإسرائيلي:
هل ينجح نتنياهو مجددًا في البقاء على رأس السلطة، أم أن تراكم الأزمات سيجبره على الرحيل؟
أولًا: عوامل ترجح كفة “البقاء” (آليات الصمود السياسي)
يحافظ نتنياهو على قواعد صلبة وأدوات مناورة تجعله قادرًا على البقاء رغم الضغوط الهائلة، وتتمثل أبرز نقاط قوته في الآتي:
- البراغماتية والتحالفات اليمينية: يمتلك نتنياهو قدرة فائقة على تجميع معسكره والحفاظ على تماسك ائتلافه الحاكم، مستندًا إلى القوى الدينية واليمينية المتشددة التي ترى في بقائه ضمانة لتحقيق أجندتها الإستراتيجية مثل (التوسع الاستيطاني وتثبيت “عقيدة الأمن المطلق”).
- إدارة الصراع وتوظيف التهديدات: يرى مراقبون أن استمرار حالة التوتر الإقليمي والمواجهات المفتوحة على جبهات متعددة يعزز من ورقة “الزعيم القادر على إدارة الأزمات” ويؤجل غالبًا النقاشات الحادة حول الإخفاقات الأمنية الداخلية.
- الخبرة الانتخابية: أثبت نتنياهو مرارًا قدرته على قلب الطاولة في اللحظات الأخيرة وتحويل الهزائم المتوقعة إلى مكاسب انتخابية عبر شد عضد معسكره وترويج خطاب المظلومية السياسية.
ثانيًا: عوامل ترجح كفة “الرحيل” (مؤشرات السقوط والمحاصرة)
في المقابل، تتكاثر المؤشرات التي توحي بأن “عصر نتنياهو” يقترب من نهايته، وتتغذى هذه الفرضية على عدة جبهات:
- إرث الإخفاقات الأمنية وتداعيات “7 أكتوبر”: تتسارع التقارير والتحقيقات الصحفية والوثائق التي توثق حجم الإخفاقات السابقة وكيفية إدارة الأزمة، مما يزيد من اتساع رقعة الغضب الشعبي والمؤسسي ضده، وسط اتهامات متواصلة بتفضيله الحسابات الشخصية على الأمن القومي.
- الضغط القانوني والمحاكمات: يواجه نتنياهو قضايا فساد ومحاكمات جنائية مستمرة، وهو ما يجعل بقاءه في السلطة مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بحصانته السياسية، الأمر الذي يفسره خصومه على أنه استغلال لمنصب رئاسة الوزراء لحماية مصالحه الشخصية.
- التآكل الداخلي والانقسامات: تعاني أحزاب الائتلاف أحيانًا من تصدعات وتآكل في شعبيتها جراء كلفة الحروب المستنزفة، إلى جانب تصاعد الأصوات داخل المؤسسة العسكرية والسياسية المعارضة التي تطالب بتغيير جذري للقيادة لإعادة ترتيب البيت الإسرائيلي داخليًا وخارجيًا.
خلاصة المشهد
في نهاية الأمر تجد إسرائيل نفسها أمام معادلة معقدة، فبقاء بنيامين نتنياهو لم يعد مجرد مسألة حسابات انتخابية أو مناورات حشرت خصومه في الزاوية، بل أصبح مؤشرًا على شكل العقد الاجتماعي والسياسي القادم للبلاد.
وبينما يراهن هو على عامل الوقت وتفكيك جبهات الخصوم لترسيخ بقائه، تؤكد معطيات الواقع أن حجم التحديات الأمنية والقضائية المتراكمة جعلت كل خيار أمامه محفوفًا بالمخاطر.
ويبقى السؤال: هل يمتلك بنيامين نتنياهو القدرة مجددًا على قلب الطاولة وإعادة إنتاج نفسه رئيسًا للحكومة، أم أن الساعات الأخيرة من مسيرته السياسية بدأت تتساقط بالفعل؟
الإجابة لن تأتي من أروقة الكنيست وحده، بل من توازنات الشارع والضغط الدولي وتطورات الميدان.
بقلم / عميد شرطة (حقوقي) م.
محمد علي عبدالله عبد الدائم
#الانتخابات_الإسرائيلية #نتنياهو_والصندوق
