لا نعاني من أزمة أفكار، بل من حالة يمكن تسميتها “رهاب الحوار”. ننادي بالتفاهم، وحين يقترب أوان الجلوس إليه، نهرب منه.
أولاً: خوفنا ليس من التواصل في ذاته، بل من ثلاث عقد تتجلى في ثلاثة مخاوف، ووصمة:
- خوف من الماضي: كل تشاور سابق انتهى إلى تسوية جزئية ومحاصصة، ولم يلامس جوهر قضية الإنسان.
- خوف من الآخر: نرى الآخر خصماً يجب إقصاؤه، لا شريكاً في الوطن.
- خوف من المصارحة: نخشى الإقرار بأننا جميعاً مسؤولون عما آل إليه حالنا.
ووصمة التقاعس عن تحمل المسؤولية الوطنية والعجز عن التغيير.
ثانياً: لماذا يخاف المحاور السياسي؟
ندرك أن هناك من يقاطع الحوار السوداني – السوداني المرتقب في الخرطوم، متحفظاً كان أو غير آبه، لأسباب ذاتية وموضوعية مشروعة، أدت إلى انسداد الأفق السياسي وتجميد الفعل المدني لصالح منطق السلاح، فصار العنف والدمار سيد الموقف.
ولا يمكن استئناف الفعل السياسي المدني إلا بمعالجة هذا التحفظ من جذوره، عبر تحولين:
1. التحرر من قيود الماضي: بالخروج من سجنه إلى رحابة الحاضر، والانتقال من مربع الثأر والانتقام إلى رحابة العفو والتسامح، ومن نداء القلب إلى واقعية العقل.
2. إعادة الثقة في مؤسسات الدولة: فهي ليست ملكاً لنظام ولا لحزب، بل ملك للشعب، خادمة له وحامية لمقدراته وسيادة دولته. ولا تتحقق هذه الثقة إلا بإزالة القطيعة التاريخية بينها وبين الشعب، وتحريرها من هيمنة الفساد والمحسوبية.
ثالثاً: ضمانات لتطمين المحاور السياسي المشارك في الحوار السوداني – السوداني:
حتى يصبح هذا الحوار المرتقب ممكناً ومطمئناً، نقترح حزمة ضمانات إجرائية وموضوعية:
أ- ضمانات قانونية: إصدار ضمانات على غرار ما فعل وزير العدل الذي قضى بمنح ضمانات قانونية للمشاركين في الحوار السوداني المرتقب. لا بد من تعزيزها بإصدار حصانة موضوعية وإجرائية.
ب- ضمانات إعلامية: اتخاذ إجراءات خاصة بوقف التصعيد الإعلامي، ووقف خطاب التخوين الذي يباعد الشقة بين أبناء الوطن الواحد ويغذي الكراهية.
ج- ضمانات سياسية: الالتزام بتهدئة الخطاب السياسي والإعلامي المتبادل كشرط إجرائي لانطلاق الحوار، وضمان الحريات الأساسية، بما يشمل حرية الرأي والتعبير والتنقل والمعتقد، وضمان حق المشاركة في الحوار.
د- ضمانات دولية وإقليمية: ضمان قيام الدعم الدولي والإقليمي بدوره كاملاً في توفير الدعم الفني والإداري والمادي، بعيداً عن المال السياسي المشروط الذي يغلب مصالح مموليه على مصالح أصحاب المصلحة الحقيقيين.
ويبقى الرهان على الشعب، فهو الضامن والشريك الأكبر، والقَيِّم على آليات تنفيذ توصياته، وصاحب المصلحة العليا من هذا الحوار.
رابعاً: الونسة – الحاضنة الشعبية للحوار:
الونسة هي التي تصنع الرأي العام، والرأي العام هو الذي يضع أجندة الحوار ويراقب تنفيذ توصياته
إذا كانت الضمانات أعلاه هي ما يطمئن السياسي ليجلس إلى طاولة الحوار، فإن الونسة هي ما يطمئن الشعب بأن هذا الحوار له.
الونسة فعل سوداني خالص. لا تحتاج إلى منصة ولا إلى ميكروفون. آليتنا فيها بسيطة: نوجهها فقط بطرح أجندة النقاش الإنساني. كل ونسة هي منصة لتداول ثر وممتع، يصقل التجارب ويشحذ الوعي الجمعي لهذا الشعب الفريد. ونعقد الأمل على من آمن بالإنسان فينا، ليكون قائد رأي – Opinion Leader – يحول ما يدور في حلقات الأنس هذه إلى مبادرات وبرامج عمل واقعية.
ماذا نناقش في الونسة؟
سنناقش من يحكم، لأن هوى السوداني سياسة، ولكننا نولي الإجابة على سؤال كيف نعيش معاً الأهمية القصوى. نناقش كيف نؤسس لعقد اجتماعي جديد يحترم التنوع ويعيد بناء الثقة.
ونناقش القضايا الإنسانية المباشرة: كيف نحل مشكلة الفقر والحرمان وقضايا النازحين واللاجئين؟ وكيف ننصف ذوي الإعاقة والعجزة والمساكين؟ وكيف نواجه خطر المخدرات والمؤثرات العقلية التي تحولت إلى سموم فتاكة تفتك بشبابنا؟ وكيف نعالج آثار الحرب التي خلفت الدمار؟
عهود الونسة الستة:
- نحن إخوان في الإنسانية.
- المواطنة أساس الحقوق.
- التنوع مصدر قوة، وقيمنا هي قبيلتنا الجامعة.
- تجريم خطاب الكراهية والسخرة والتنمر.
- لا حصانة لمرتكب انتهاكات، ولا إقصاء لضحية.
- السودان وطن بالجميع.
هذه دعوة لكل سوداني في أي مكان: ابدأ ونسة، في بيتك، في حيك، في مسجدك، في مكان عملك.
السؤال الوجودي لمبادرة الونسة: كيف نحقق مصلحة السودان وشعبه؟ لأن التغيير لا تصنعه الاتفاقيات، بل تصنعه الونسة التي تسبقها.
كن سفيراً للإنسانية، وكوني ضميراً للأمة في حلقات الأنس.
#الخرطوم_السودان
