السبت, أكتوبر 24, 2026
الرئيسيةمقالاتالوعي يبني الإنسان: حين تنتصر القيم على الغضب. ...

الوعي يبني الإنسان: حين تنتصر القيم على الغضب. ةد. الهادي عبدالله أبوضفائر

قد ينجح شعب في إسقاط حاكم ثم يكتشف أنه ما زال أسيراً للأفكار التي جعلت الاستبداد ممكناً. تتغير الوجوه وتُرفع الشعارات وتُفتح أبواب الأمل، لكن العقلية التي صنعت الأزمة قد تبقى كامنة في النفوس، تنتظر فرصة جديدة لتعيد إنتاج الماضي بأسماء مختلفة.

هنا يكمن السؤال العميق هل نكتفي بتغيير الحاكم، أم نغيّر العقلية التي تجعل السلطة امتيازاً والمساءلة تهديداً والولاء بديلاً عن الحق؟ فالثورة الحقيقية لا تغيّر من يمسك بزمام السلطة فحسب وإنما تغيّر القواعد التي تحكم ممارستها والوعي الذي يراقبها والقيم التي تمنع انحرافها؟.

الثورة في جوهرها تحوّل في وعي الإنسان قبل أن تكون تغييراً في بنية السلطة. انتقال من الخوف إلى المسؤولية ومن التبعية إلى التفكير ومن رفض الظلم حين يقع عليه إلى مقاومته حتى حين يخدم مصالحه. النظام قد يسقط في ساعات لكن تفكيك العقلية التي أنجبته يحتاج إلى وعي يكشف جذورها، وقيم تجفّف منابعها ومؤسسات تمنعها من إعادة إنتاج نفسها.

المفارقة تبدأ حين يطالب الإنسان بالحرية ثم يضيق بها على الآخرين، ويدافع عن القانون ثم يلتمس لنفسه استثناءً، ويدين الفساد حين يصدر عن خصمه ويتسامح معه حين يخدم جماعته. عندها تصبح الأزمة أعمق من فساد المسؤول. إنها أزمة قيم تسمح للإنسان برفض الظلم بوصفه ضحية وتبريره بوصفه مستفيداً منه.

فالاستبداد لا يعيش في مؤسسات الدولة وحدها. قد يتخفّى في عقول تلعنه حين تقع تحت سلطته ثم تعيد إنتاجه حين تمتلك أدواته. إذ لا تكمن خطورته فيمن يمارسه فحسب وإنما في العقلية التي ترفضه بوصفه ظلماً حين يقع عليها وتقبله امتيازاً حين يصبح في يدها

لقد أثبتت ثورات أكتوبر وأبريل وديسمبر أن الشعب قادر على كسر الخوف وإسقاط الأنظمة، لكن المسافة بين إسقاط السلطة وبناء الدولة ظلت واسعة. فقد نجحنا في توحيد الإرادة ضد الظلم دون أن ننجح في تأسيس قواعد تمنع عودته.

انشغلنا بتغيير شاغلي مقاعد السلطة أكثر من انشغالنا بتغيير القواعد التي تحكم ممارستها. وحين يتقدم الولاء على الكفاءة والانتماء الضيق على الحق العام وتتحول المؤسسات إلى امتداد للأفراد، يصبح تغيير الوجوه عاجزاً عن تغيير النتائج.

الدولة العادلة لا تراهن على صلاح الحاكم وإنما تبني مؤسسات تضبط سلطته، وتحاسبه على قراراته وتصون الحقوق من تقلب الأهواء والمصالح. فالدولة الراسخة لا تحتاج إلى حاكم استثنائي كي تحقق العدالة، وإنما إلى مؤسسات تجعل العدالة واجباً لا يتوقف على أخلاق الحاكم والحقوق ضمانة لا تتبدل بتبدّل الحكام.

وتزداد هذه الحقيقة إلحاحاً في وطن أنهكته الحرب. فإعادة بناء الدولة لا تكتمل بترميم المدن والمرافق ما دامت الثقة بين المواطنين مهدمة والحقوق متفاوتة بفعل الانتماءات وموازين القوة. قد تستعيد المدن ملامحها، لكن الخراب العميق يظل قائمًا في علاقة الإنسان بالآخر وشعوره بعدم المساواة. فالإعمار الذي لا يعيد بناء الثقة ويحرر المواطنة من سطوة القبيلة والجهة والقوة، قد يعيد بناء المكان ولكنه يترك جوهر الأزمة قائماً.

لا تبدأ إعادة بناء الوطن من إزالة الأنقاض وحدها، وإنما من مراجعة الأفكار والاختلالات التي أضعفت الدولة ومزّقت المجتمع. لذلك ينبغي أن يتجاوز الإعمار ترميم ما هدمته الحرب إلى معالجة الجذور التي تُبقي الأزمة قابلة للتكرار. فالمشروع الذي لا يحقق العدالة في توزيع الفرص، والمؤسسة التي لا تخضع للمساءلة قد تعيد إنتاج الخراب ذاته داخل مبان جديدة.

ولا يصبح التغيير واقعاً إلا حين تتحول القيم إلى ممارسة، فتُدار الدولة بالشفافية والعدالة وتخضع المؤسسات للمساءلة ويتعلم الطلاب احترام الحقوق وإدارة الاختلاف دون خصومة. فالقيم لا تصنعها الشعارات وإنما ترسّخها عدالةٌ تُمارَس وحقوقٌ تُصان وسلوكٌ يومي يحترم الإنسان.

ولا يمكن مطالبة الإنسان بالنزاهة بينما تكافئه المؤسسات على المحاباة، أو مطالبته باحترام القانون بينما يستطيع النفوذ تعطيله. لذلك فإن بناء الإنسان وإصلاح المؤسسة مساران متلازمان. الوعي يمنح القواعد قوة والمؤسسات العادلة تمنح القيم القدرة على التأثير.

وفي مجتمعنا الذي أنهكته الحرب، فالسلام لا يعني مجرد توقف القتال، وإنما بناء شروط تمنع عودة أسبابه. وهذا يتطلب عدالة لا تتستر على المظالم، ومصالحة لا تفرض النسيان، ومواطنة لا تجعل الانتماء شرطاً للحصول على الحقوق. فالتعايش الحقيقي لا يطلب من الناس أن يتشابهوا وإنما يضمن ألا تتحول اختلافاتهم إلى مراتب متفاوتة في الكرامة.

إن الثورة التي يحتاجها السودان ليست غضباً دائماً، وإنما وعياً يحول الغضب إلى مشروع والحقوق إلى قواعد والقواعد إلى مؤسسات تحمي الجميع. فالعدل لا يُختبر حين ينصفنا، وإنما حين يلزمنا بإنصاف من نختلف معه، والوطنية لا تُقاس بما نعلنه وإنما بما نصونه من حقوق الآخرين.

ولعل المعيار الأعمق لنجاح الثورة ليس عدد المرات التي يخرج فيها الشعب لاسترداد حقوقه وإنما قدرة المؤسسات على حماية تلك الحقوق دون أن يضطر إلى الخروج كل مرة.

قد يُسقط الغضب حاكماً لكن الوعي هو الذي يُسقط الفكرة التي صنعت استبداده، والقيم هي التي تحرس الحرية من أن تنقلب إلى نقيضها والمؤسسات العادلة هي التي تحوّل تضحيات الأمس إلى ضمانات للغد. حين يلتقي الوعي بالقانون لا يعود الوطن مضطراً إلى أن يورّث أبناءه معارك لم يحسمها الآباء، بل يمنحهم وطناً لا تُستجدى فيه الحقوق ولا تُقاس فيه الكرامة بالانتماء ولا يُخشى فيه الاختلاف.

عظمة الثورات ليست في أن تُسقط عروشاً وإنما في أن تُقيم من العدالة ما يجعل العودة إلى الاستبداد عصيّة ومن الوعي ما يجعل الحرية مسؤولية لا شعاراً ومن الوطن ما يجعل الإنسان غايته لا وسيلته. عندها فقط لن يكون الوطن ينتظر ثورة تنقذه من ماضيه وإنما وطناً يصنع بوعيه وعدالته مستقبلاً يليق بتضحيات أبنائه وتطمئن إليه أحلام أحفاده.
abudafair@hotmail.com

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات