الإثنين, أكتوبر 19, 2026
الرئيسيةمقالاتعرش الحياة وسلطان التشريع.. عند استرداد الروح قدسيتها

عرش الحياة وسلطان التشريع.. عند استرداد الروح قدسيتها


منذ أن وطأت قدم الإنسان هذه الأرض، والتشريع يمثل سفينة النجاة التي تعصمه من التخبط في ظلمات الفوضى، وتكفل له أن يعيش بكرامة في كنف العدالة. فالقوانين ليست حروفاً صامتةً تحبر على ورق، ولا قيوداً تعرقل حرية الأفراد، إنما هي النسيج الخفي الذي ينتظم به عقد المجتمع، والنبض الحي الذي يحمي الوجود الإنساني من تغوّل الغرائز وانفلات النزوات. وإذا ضعُفت هيبة التشريع أو اختلت موازينه، انفرط عقد الأمن، وتساقطت القيم في مهب الريح، ليتحول المجتمع من واحة تآلف وتراحم إلى غابة محكومة بقانون البطش والأنياب.
ومن هنا تكتسب القرارات السيادية والتشريعية عمقها الوجودي والأخلاقى، ولا سيما تلك التي تتعلق بحرمة الدماء وصون النفوس. ولقد جاء المرسوم القضائي الحكيم الصادر عن وزارة العدل برفع قيمة الدية للمقتول من ثلاثمائة ألف جنيه إلى أربعمائة مليون جنيه — أو ما يعادل قيمة مئة من الإبل وفق مقاصد الشارع الحكيم — ليمثل انعطافة تاريخية كبرى تعيد ترتيب سلم الأولويات الإنسانية في ضمير الأمة، وتؤكد أن الأرواح ليست سلعاً رخيصة تملكها بورصة الجريمة وتحدد أثمانها.
لقد عانى الواقع الحقوقي طويلاً من مفارقة موجعة تمثلت في تآكل القيمة المادية للدية حتى باتت زهيدة لا تكافئ ثمن ماعز، ناهيك عن أن توازن روحاً بشرية أزهقت عدواناً. هذا الانخفاض المريع لم يكن خللاً حسابياً فحسب ، بل كان رسالة ضمنية خطيرة تفيد بأن النفس البشرية قد رخصت في سوق الانحراف. وحين يسترخص الجاني روح ضحيته لاعتقاده بأن ثمنها مقدور عليه ويسير دفعه، تتلاشى رهبة الجريمة وتتهاوى سدوم الردع. ومن هنا جاء هذا القرار الجريء ليكون عملية إحياء معنوي لكرامة الإنسان، وإعادة إرساء لقاعدة جليلة مفادها أن النفس البشرية لا تقاس بالعملات المتقلبة، وإنما تُوزن بقيمتها الأبدية المستمدة من مراد الشارع ومعايير الفطرة السليمة.
إن حماية الدماء ليست إجراءً إدارياً أو قضائياً وكفى ، إنما هو في جوهره تجلٍ عملي لتعظيم شعائر الله سبحانه وتعالى في الأرض. فالنفس التي بنى الله بنيانها، وجعل الاعتداء عليها عدواناً على الإنسانية جمعاء، تستحق سياجاً منيعاً من التشريعات التي تفزع النفوس المريضة وتكبح جماح الطغيان. وحين تبلغ صرامة القانون مبلغها من العدالة، يحل الأمن والأمان كل مجتمع، وتتحول السكينة من شعور داخلي لحظي إلى بيئة مستدامة يعيش فيها الإنسان مطمئناً على أهله وماله وكيانه. فالأمن الحقيقي ليس في خلوّ الشوارع من الجريمة، ولكنه الاطمئنان المطلق إلى أن ميزان الحق قائم لا يميل، وأن يد العدالة قادرة على الإنصاف.
وبهذا التوازن المحكم، تظل العقوبات عريقة في فلسفتها، فهي زواجر تحجز النفوس عن ارتكاب الحماقات وترسم حدوداً حمراء لا تجرؤ الأهواء على تجاوزها، وهي في الوقت ذاته جوابر تلم شعث القلوب المكلومة وتجبر كسور العائلات الثكلى بما يغسل أحزانهم ويرد الاعتبار لآدميتهم. إن القرار الشجاع برفع قيمة الدية يثبت بوضوح أن التشريع الرصيد هو الذي يقرأ نبض الواقع ويستلهم مقاصد الشريعة، لتبقى الروح الإنسانية عالية الجناب، عزيزة المطلب، منيعة الحمى في وجه كل عابث ومستهتر.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات