عندما نتحدث عن إعادة إعمار المدن بعد الحرب، يتقدم السكن بطبيعة الحال إلى مقدمة الأولويات. فالبيت هو أول ما يبحث عنه الإنسان حين يفكر في العودة، ومنه يبدأ استعادة شعوره بالأمان، ولمّ شمل أسرته، وإعادة ترتيب حياته اليومية.
لكن التجربة التي نعيشها اليوم في الخرطوم تدفعنا إلى التوقف عند سؤال مهم: هل يكفي أن نعيد بناء المساكن حتى نقول إن المدينة بدأت تتعافى؟
في تقديري، لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بالنظر إلى المباني وحدها. فالأسرة لا تعود إلى مسكن منفصل عن محيطه، بل تعود إلى حيّ له طرقه وخدماته ومرافقه العامة، وإلى مدينة ترتبط فيها فرص العمل بالتنقل، ويرتبط فيها الاستقرار السكني بتوفر الماء والكهرباء والتعليم والصحة والنشاط الاقتصادي.
من هنا، يصبح الفرق واضحًا بين إعادة بناء المساكن والتعافي الحضري. فالأولى قد تكون جزءًا من الثانية، لكنها لا تكفي وحدها لتحقيقها.
المسكن ضمن منظومة المدينة
في فعاليات Urban October 2026، التي نظمتها الجمعية السودانية للتخطيط الحضري والإقليمي بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (موئل الأمم المتحدة)، قدمت ورقة بعنوان: «السكن الملائم للجميع: من إعادة بناء المسكن إلى تجديد المدينة في الخرطوم بعد الحرب».
انطلقت الورقة من فكرة أساسية: لا ينبغي النظر إلى السكن باعتباره وحدة إنشائية مستقلة، بل باعتباره جزءًا من منظومة حضرية متكاملة، تتداخل فيها الأرض والخدمات والبنية التحتية والاقتصاد المحلي والبيئة الاجتماعية.
فالمسكن الملائم لا يُقاس بمساحته أو عدد غرفه فقط. إنه يرتبط أيضًا بأمان الحيازة، والقدرة على تحمل تكلفته، وسلامته، وتوفر الخدمات الأساسية، وإمكانية الوصول إلى العمل والتعليم والصحة، ومدى ملاءمته لاحتياجات الأسرة.
وقد يكون المبنى صالحًا للسكن من الناحية الإنشائية، لكنه يظل خيارًا غير ملائم إذا كان بعيدًا عن مصادر الرزق، أو يفتقر إلى الخدمات الضرورية، أو يفرض على الأسرة أعباء يومية لا تستطيع تحملها.
وهذا يعني أن نجاح سياسة الإسكان لا يتوقف عند إنتاج الوحدات السكنية أو تخصيصها، وإنما يمتد إلى الظروف التي تسمح للناس بالعيش فيها والاستقرار حولها.
لماذا نحتاج إلى النظر إلى الحي؟
بين المسكن والمدينة توجد حلقة مهمة كثيرًا ما لا تحظى بما تستحقه من الاهتمام في برامج إعادة الإعمار، وهي الحي.
فالمسكن هو المجال المباشر لحياة الأسرة، أما الحي فهو المجال الذي تلتقي فيه المساكن بالطرق والخدمات والفضاءات العامة والأنشطة الاقتصادية والعلاقات الاجتماعية. وعلى هذا المستوى يمكن ملاحظة ما إذا كانت عودة السكان قد تحولت إلى حياة يومية مستقرة، أم أنها ما زالت عودة محدودة تحيط بها صعوبات كثيرة.
ولهذا أرى أن الحي يمكن أن يكون وحدة عملية مهمة لتخطيط التعافي الحضري وتنفيذه وقياس نتائجه.
فبدلًا من التعامل مع كل مسكن بوصفه مشروعًا منفردًا، يمكن ربط مشروعات الإسكان ببرامج متكاملة على مستوى الأحياء، تشمل تقييم الأضرار، وتحديد احتياجات السكان، واستعادة البنية التحتية، وتأهيل الخدمات، وتحسين الطرق والفضاءات العامة، ودعم النشاط الاقتصادي المحلي.
ولا يعني ذلك أن الحي هو الوحدة المناسبة لكل قرار؛ فبعض المشكلات تتجاوز حدوده، مثل شبكات المياه والصرف والنقل، وتحتاج إلى تخطيط على مستوى المدينة أو الإقليم. لكن الحي يظل مستوى مهمًا لربط الاحتياجات اليومية للسكان بالبرامج الأوسع.
ومن هنا يمكن أن ننتقل من التفكير في المسكن وحده، إلى المسكن والحي، ثم إلى المدينة باعتبارها منظومة واحدة.
ماذا تعني هذه الرؤية بالنسبة إلى الخرطوم؟
تواجه الخرطوم بعد الحرب احتياجات متعددة ومترابطة. فهناك مساكن تحتاج إلى الترميم، وأخرى تحتاج إلى إعادة بناء، وأحياء تتطلب استعادة خدماتها، ومناطق تحتاج إلى تدخلات أوسع لمعالجة أضرار البنية التحتية أو تغير أنماط استخدام الأرض.
كما أن النزوح والعودة وتغير مواقع النشاط الاقتصادي قد أعادت تشكيل احتياجات السكان، وربما جعلت بعض المناطق أكثر ضغطًا على الخدمات من غيرها.
لذلك لا ينبغي أن تبدأ الأولويات من سؤال واحد: كم وحدة سكنية نحتاج إلى بنائها؟
بل ينبغي أن تشمل أسئلة أخرى: أين توجد الحاجة الأكثر إلحاحًا؟ من هم السكان الذين تستهدفهم البرامج؟ ما حالة البنية التحتية في المناطق المقترحة؟ هل يستطيع العائدون تحمل تكلفة السكن والخدمات؟ وما فرص العمل المتاحة بالقرب من مناطق العودة؟
الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب قاعدة معلومات مكانية محدثة، تجمع بين بيانات الأضرار والمساكن والسكان والخدمات والأراضي وشبكات البنية التحتية. وهنا يمكن لنظم المعلومات الجغرافية (GIS) أن تؤدي دورًا يتجاوز إعداد الخرائط، لتصبح أداة لدعم القرار وتحديد الأولويات ومتابعة التنفيذ.
فكلما كانت المعلومات أدق، أمكن توجيه الموارد المحدودة إلى المواقع والاحتياجات الأكثر إلحاحًا، بدلًا من توزيع المشروعات بمعزل عن بعضها أو وفقًا لما هو أسهل في التنفيذ فقط.
من المشروعات المنفصلة إلى برامج التعافي
هناك فرق بين إنجاز مشروع سكني، وإدارة برنامج للتعافي الحضري.
للمشروع حدود محددة، وموازنة، وجدول زمني، ومخرجات يمكن قياسها. أما التعافي الحضري، فيتطلب تنسيقًا مستمرًا بين مشروعات ومؤسسات وقطاعات متعددة، لأن تأخر أحد مكوناته قد يحد من أثر المكونات الأخرى.
قد يُنجز مشروع سكني، لكن تأخر توصيل المياه أو الطرق أو الكهرباء يعرقل الانتفاع الكامل به. وقد تُستعاد خدمة أساسية، لكن غياب وسائل النقل أو فرص العمل يجعل الاستقرار في المنطقة صعبًا. وقد تُخصص الأراضي، دون أن تكتمل الإجراءات اللازمة لتجهيزها أو ربطها بالخدمات.
هذه أمثلة توضح أن المشكلة ليست دائمًا في غياب المشروعات، بل أحيانًا في ضعف الترابط بينها.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال تدريجيًا من إدارة المشروعات المنفردة إلى إدارة برامج ومحافظ متكاملة للتنمية الحضرية، تتحدد فيها المسؤوليات، وتتزامن فيها مراحل التنفيذ، وتُقاس نتائجها على مستوى السكان والمكان، وليس على مستوى المخرجات الإنشائية وحدها.
وهذا التحول يستدعي أيضًا تطوير دور المؤسسات العاملة في الإسكان والتعمير. فنجاح المؤسسة لا ينبغي أن يُقاس فقط بعدد الوحدات التي أنشأتها أو خصصتها، بل كذلك بقدرتها على إدارة الأصول السكنية، وتحسين استغلال الأراضي، وتطوير آليات التمويل والتحصيل، وبناء الشراكات، والمساهمة في استعادة الحياة داخل الأحياء.
وبهذا المعنى، يصبح المسكن جزءًا من أصل حضري له دورة حياة، تبدأ بالتخطيط والتجهيز، وتمتد إلى البناء والتخصيص والإدارة والصيانة، ثم إلى تقييم أثره على الأسرة والمجتمع والمدينة.
المواطن هو المعيار
قد يبدو الحديث عن التخطيط المتكامل وإدارة الأصول والبرامج الحضرية نقاشًا فنيًا بين المختصين، لكنه في حقيقته يرتبط بأسئلة مباشرة يطرحها المواطن.
أين يمكنني أن أسكن؟ ما الخيارات المتاحة أمامي؟ هل أستطيع تحمل تكلفة المسكن؟ هل توجد آلية واضحة للحصول عليه؟ وهل يمكنني ترميم منزلي بدلًا من الانتقال إلى مكان آخر؟ وما البدائل المتاحة لمن لا يستطيع الشراء المباشر؟
هذه الأسئلة ينبغي أن تكون جزءًا أصيلًا من سياسات الاسكان، لا تفاصيل تُترك إلى مرحلة لاحقة.
فاحتياجات الناس وقدراتهم الاقتصادية ليست واحدة. هناك أسر تستطيع شراء مسكن، وأخرى تحتاج إلى تمويل ميسر، وثالثة قد يكون الإيجار أو الترميم أنسب لها، بينما تحتاج الفئات الأشد ضعفًا إلى أشكال مختلفة من الدعم.
لذلك لا يمكن بناء سياسة إسكان عادلة على منتج واحد أو آلية واحدة. المطلوب هو تنويع الخيارات، وربطها بقدرات الأسر واحتياجاتها، مع وضوح الشروط والإجراءات، وعدالة الوصول إلى الفرص المتاحة.
كما أن نجاح السياسة لا يُقاس فقط بعدد المستفيدين، بل بمدى قدرتهم على الاحتفاظ بمساكنهم والاستقرار فيها، دون أن تتحول تكاليف السكن والتنقل والخدمات إلى عبء يدفعهم إلى المغادرة مرة أخرى.
هل نحتاج إلى إعادة النظر في مفهوم الإسكان؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأعمق الذي تطرحه مرحلة ما بعد الحرب.
لقد اعتدنا، في كثير من الأحيان، على التعامل مع الإسكان باعتباره عملية لإنتاج وحدات سكنية وتوزيعها. وهذا جانب ضروري، لكنه لا يعكس كامل القضية.
فالإسكان يرتبط بالتخطيط العمراني، وسياسات الأراضي، والتمويل، والبنية التحتية، والنقل، والخدمات، والاقتصاد المحلي، والعدالة في توزيع الفرص. وأي سياسة لا تراعي هذه العلاقات قد تنجح في إنتاج المساكن، لكنها لا تحقق بالضرورة الاستقرار الذي نريده للأسر أو التعافي الذي تحتاج إليه المدينة.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية البناء أو تأجيله إلى حين اكتمال التخطيط الشامل. فالناس يحتاجون إلى مساكن الآن، والتدخلات العاجلة ضرورية. لكن المطلوب هو أن ترتبط الاستجابة العاجلة برؤية طويلة الأمد، حتى لا تتحول الحلول المؤقتة إلى مشكلات جديدة يصعب علاجها لاحقًا.
كما أن تطوير مفهوم الإسكان لا ينبغي أن يظل حوارًا بين المهندسين والمخططين وحدهم. إنه نقاش مجتمعي يتعلق بكيفية عيش الناس، وعلاقتهم بالمكان، واحتياجات الأسر المختلفة، ومستقبل الأجيال القادمة.
من الخرطوم إلى مدن السودان
على الرغم من أن هذه الرؤية انطلقت من واقع الخرطوم، فإنها تتصل بقضية أوسع تخص مدن السودان المختلفة، مع اختلاف ظروفها ومواردها وأولوياتها.
فالتعافي لا يعني بالضرورة أن تسلك جميع المدن المسار نفسه أو أن تتبنى الحلول ذاتها. بعض المدن تحتاج إلى معالجة عاجلة لأضرار المساكن والخدمات، وبعضها يواجه ضغطًا متزايدًا على موارده نتيجة استقبال السكان، وبعضها يمتلك فرصًا اقتصادية يمكن أن تدعم نموه وتوسع خدماته.
وهذا يفتح المجال أمام ربط سياسات الإسكان بالتنمية المتوازنة، وتوزيع الاستثمارات والخدمات والأنشطة الاقتصادية، وتعزيز قدرة المدن على استيعاب السكان وتوفير مقومات الحياة لهم.
لكن ذلك يتطلب رؤية وطنية تراعي الترابط بين المدن والأقاليم، دون أن تتجاهل خصوصية كل مدينة واحتياجات سكانها.
إعادة الإعمار فرصة لبناء مستقبل أفضل
ليس المطلوب أن نعيد بناء الخرطوم كما كانت قبل الحرب، ولا أن نبدأ من الصفر ونتجاهل ما تراكم فيها من خبرات وعمران وعلاقات اجتماعية.
المطلوب أن نستعيد ما يمكن استعادته، وأن نعالج ما كشفت الحرب عن هشاشته، وأن نستفيد من إعادة الإعمار لتحسين التخطيط والخدمات وإدارة الموارد والمؤسسات.
وهنا تبرز قيمة الانتقال من النظر إلى السكن باعتباره منتجًا نهائيًا، إلى النظر إليه باعتباره مدخلًا لبناء حي صالح للحياة، ومن الحي إلى مدينة أكثر ترابطًا وقدرة على الاستمرار.
قد ننجح في إعادة بناء آلاف المساكن، لكن الاختبار الحقيقي سيكون في ما إذا كانت الأسر قادرة على العيش فيها، وما إذا كانت الأحياء تستعيد وظائفها، وما إذا كانت المدينة تصبح أكثر قدرة على خدمة سكانها.
إعادة بناء المسكن تعالج جزءًا من آثار الحرب، أما التعافي الحضري فيعيد ربط المسكن بحياة الإنسان والحي والمدينة.
وهذا، في تقديري، هو التحول الذي ينبغي أن يوجّه تفكيرنا في المرحلة المقبلة: ألا نكتفي بإعادة ما تهدم، بل أن نجعل من إعادة الإعمار فرصة لبناء مدن أفضل، ومؤسسات أكثر كفاءة، وحياة أكثر استقرارًا للناس.
