عندما ترتفع أسعار الغذاء والدواء والمواصلات بصورة متواصلة، يتساءل المواطن بصورة طبيعية: من المسؤول عن هذا الارتفاع؟ هل السبب هو زيادة السيولة في الاقتصاد؟ أم عجز الموازنة؟ أم ارتفاع سعر الدولار؟ أم ضعف الإنتاج؟ أم الحرب واضطراب سلاسل الإمداد؟
في الحالة السودانية، لا تبدو الإجابة مرتبطة بعامل واحد. فالتضخم أصبح نتيجة لتفاعل السياسة المالية مع السياسة النقدية وسعر الصرف والإنتاج المحلي والظروف الأمنية والاقتصادية. ولذلك فإن النظر إلى دور وزارة المالية بمعزل عن بنك السودان، أو العكس، قد لا يعطي صورة كاملة عن المشكلة.
ماذا تقول أرقام بنك السودان؟
تكشف بيانات بنك السودان المركزي للنصف الأول من عام 2026 عن تطورات تستحق التوقف عندها.
فقد ارتفع عرض النقود الواسع M2 من نحو 31.8 تريليون جنيه في مارس 2026 إلى نحو 36.83 تريليون جنيه في يونيو 2026، بزيادة تقارب 14.7% خلال الربع الثاني.
وفي الفترة نفسها، ارتفعت صافي مطالبات الجهاز المصرفي على القطاع العام من نحو 24.83 تريليون جنيه إلى نحو 29.30 تريليون جنيه.
كما ارتفعت صافي مطالبات بنك السودان المركزي على الحكومة من نحو 22.17 تريليون جنيه في مارس إلى نحو 26.18 تريليون جنيه في يونيو.
هذه الأرقام لا تعني أن تمويل الحكومة هو السبب الوحيد للتضخم، ولا تكفي وحدها لإثبات علاقة سببية مباشرة. لكنها تكشف عن قناة مهمة تستحق الدراسة: عندما تزداد حاجة الحكومة إلى التمويل المصرفي، يمكن أن ينعكس ذلك على السيولة في الاقتصاد، وبالتالي على الطلب والأسعار وسوق الصرف.
وهنا يبدأ السؤال الاقتصادي الحقيقي: هل تستطيع السياسة النقدية معالجة آثار توسع التمويل الحكومي إذا استمر العجز المالي في توليد طلب على التمويل المصرفي؟
أين تبدأ مسؤولية وزارة المالية؟
وزارة المالية هي المسؤولة بصورة أساسية عن إدارة المالية العامة، بما في ذلك الإيرادات والإنفاق والعجز واحتياجات التمويل.
لذلك، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: كم يبلغ عجز الموازنة؟ وإنما أيضاً: كيف يتم تمويل هذا العجز؟
فالاقتراض أو التمويل المصرفي للحكومة قد يوفر حلاً قصير الأجل لتمويل الإنفاق، لكنه يمكن أن يتحول إلى ضغط على السيولة وسوق الصرف والأسعار إذا توسع بصورة كبيرة مقارنة بقدرة الاقتصاد على الإنتاج.
وهنا لا يعني ضبط المالية العامة بالضرورة خفض الإنفاق بصورة عشوائية. الأهم هو إعادة ترتيب الأولويات، بحيث يتم تقليل الإنفاق غير المنتج وتوجيه الموارد إلى القطاعات التي تستطيع زيادة الإنتاج الحقيقي، خاصة الزراعة والصناعة والطاقة والنقل والبنية التحتية.
فالسؤال الذي يهم المواطن في النهاية ليس فقط: كم أنفقت الحكومة؟ وإنما: ماذا أنتج هذا الإنفاق؟
وماذا عن مسؤولية بنك السودان؟
في الجانب الآخر، تقع على بنك السودان مسؤولية إدارة السيولة والنظام المصرفي والسياسة النقدية وسوق النقد الأجنبي.
ومن الطبيعي أن يحاول البنك المركزي الحد من الضغوط التضخمية من خلال أدوات السياسة النقدية. لكن هل يستطيع بنك السودان وحده خفض التضخم إذا كانت الضغوط المالية مستمرة؟
الإجابة ليست بسيطة.
فالتشدد النقدي المبالغ فيه قد يؤدي إلى تقييد الائتمان، وإذا شمل التمويل الموجه للقطاعات الإنتاجية فقد يضعف قدرة الاقتصاد على زيادة الإنتاج.
وفي المقابل، فإن ترك السيولة تتوسع بصورة غير متناسبة مع نمو الإنتاج قد يزيد الضغوط على الأسعار وسوق الصرف.
لذلك، فإن التحدي أمام بنك السودان ليس فقط تقليل السيولة، وإنما إدارة السيولة بطريقة تحقق التوازن بين استقرار الأسعار وتوفير التمويل للنشاط الاقتصادي المنتج.
ماذا حدث للتضخم؟
الأرقام نفسها تكشف عن صورة متغيرة خلال عام 2026.
فقد بلغ معدل التضخم السنوي نحو 40.2% في نهاية مارس 2026، ثم ارتفع إلى 51.3% في نهاية يونيو.
لكن بيانات أغسطس أظهرت انخفاض التضخم السنوي إلى 26.14%.
وهنا يجب الانتباه إلى نقطة مهمة جداً: انخفاض معدل التضخم السنوي لا يعني أن الأسعار انخفضت.
فإذا ارتفع التضخم من 20% إلى 40% ثم انخفض إلى 26%، فهذا يعني أن سرعة ارتفاع الأسعار أصبحت أقل، وليس أن الأسعار عادت إلى مستوياتها السابقة.
والدليل أن مؤشر أسعار المستهلك ارتفع خلال أغسطس نفسه بنسبة 3.32%، بينما ارتفعت أسعار مجموعة الأغذية والمشروبات بنسبة 8.39% خلال الشهر.
كما بلغ التضخم السنوي في المناطق الحضرية نحو 38.05%، مقابل 19.26% في المناطق الريفية.
وهذا التفاوت مهم؛ لأنه يشير إلى أن التضخم لا يتحرك بالطريقة نفسها في جميع أجزاء الاقتصاد، وأن أسعار الغذاء والإمدادات وتكاليف النقل والخدمات تلعب دوراً كبيراً في حياة المواطن اليومية.
الدولار يدخل في المعادلة
لا يمكن تحليل التضخم السوداني دون النظر إلى سعر الصرف.
فقد ارتفع متوسط سعر شراء الدولار لدى المصارف والصرافات من نحو 3,222.80 جنيه في مارس 2026 إلى نحو 3,743.23 جنيه في يونيو.
ارتفاع سعر الدولار يعني ارتفاع تكلفة كثير من السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج، كما يؤثر بصورة غير مباشرة على تكلفة النقل والطاقة والإنتاج المحلي.
لكن هنا أيضاً يبرز سؤال مهم: هل ارتفاع سعر الدولار يرفع الأسعار، أم أن ارتفاع الأسعار والاختلالات الاقتصادية تزيد الطلب على الدولار؟
في الواقع، يمكن أن يعمل العاملان في الاتجاهين معاً. ارتفاع سعر الصرف يرفع تكاليف الإنتاج والاستيراد، بينما يؤدي التضخم وضعف الثقة في العملة المحلية إلى زيادة الطلب على العملات الأجنبية.
وهكذا تتكون حلقة اقتصادية يصعب كسرها بأداة واحدة.
هل التضخم السوداني نقدي فقط؟
من الخطأ اختزال التضخم السوداني في زيادة عرض النقود وحدها.
الحرب أضعفت الإنتاج، وأثرت على طرق النقل والإمداد، وأدت إلى خروج عدد من الأنشطة الاقتصادية من دائرة الإنتاج الطبيعي. كما أن ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، ونقص العملات الأجنبية، واضطراب التجارة، وضعف الإنتاج الزراعي والصناعي، كلها عوامل تؤثر في الأسعار.
لذلك فإن مواجهة التضخم تحتاج إلى جانب مالي ونقدي، لكنها تحتاج أيضاً إلى زيادة الإنتاج وتوفير السلع والخدمات.
فإذا تم تقليل السيولة بينما بقي الإنتاج ضعيفاً، فقد لا تختفي مشكلة التضخم، وإنما قد يتغير شكلها. وإذا تم ضخ السيولة دون زيادة الإنتاج، فقد تتجه السيولة الإضافية إلى سوق السلع أو سوق الصرف بدلاً من أن تتحول إلى استثمار وإنتاج.
السؤال الأصعب: من ينسق بين السياستين؟
وزارة المالية تدير الموازنة والإنفاق والعجز والتمويل، بينما يدير بنك السودان السيولة والنظام المصرفي والسياسة النقدية وسوق الصرف.
لكن الاقتصاد لا يعرف هذه الحدود المؤسسية عندما تتحرك الأسعار.
إذا توسع الإنفاق الحكومي وارتفع التمويل المصرفي، فهل يستطيع بنك السودان وحده امتصاص الآثار النقدية؟
وإذا اتجه بنك السودان إلى تشديد السياسة النقدية، فهل يمكن تحقيق الاستقرار دون التأثير سلباً على تمويل الزراعة والصناعة والتجارة والإنتاج؟
وإذا بقي الإنتاج ضعيفاً، فهل يمكن للسياسة النقدية وحدها أن تعالج ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والنقل؟
هذه الأسئلة لا تعني تحميل مؤسسة واحدة مسؤولية التضخم، وإنما توضح أن السياسة المالية والسياسة النقدية تعملان داخل اقتصاد واحد، ولذلك فإن نجاح إحداهما يتأثر بما تفعله الأخرى.
ماذا تقول الأرقام مجتمعة؟
عند وضع الأرقام بجانب بعضها، تظهر صورة اقتصادية مترابطة:
عرض النقود M2 ارتفع من نحو 31.8 تريليون جنيه إلى 36.83 تريليون جنيه بين مارس ويونيو.
وصافي مطالبات الجهاز المصرفي على القطاع العام ارتفع من نحو 24.83 تريليون جنيه إلى 29.30 تريليون جنيه.
وصافي مطالبات بنك السودان على الحكومة ارتفع من نحو 22.17 تريليون جنيه إلى 26.18 تريليون جنيه.
ومتوسط سعر شراء الدولار ارتفع من نحو 3,222.80 جنيه إلى 3,743.23 جنيه.
وفي الوقت نفسه ارتفع التضخم من 40.2% في مارس إلى 51.3% في يونيو، قبل أن يتراجع معدل التضخم السنوي إلى 26.14% في أغسطس، مع استمرار ارتفاع الأسعار خلال أغسطس نفسه.
هذه البيانات لا تثبت وحدها أن التمويل الحكومي هو سبب التضخم، لكنها تؤكد أن المالية العامة والسيولة وسعر الصرف والأسعار تتحرك داخل منظومة واحدة.
ماذا يمكن أن تفعل الحكومة وبنك السودان؟
المعالجة تحتاج إلى إجراءات متزامنة وليست إلى قرار واحد.
أولاً، تحتاج وزارة المالية وبنك السودان إلى تنسيق أوثق عند إعداد الموازنة وتقدير احتياجات التمويل، حتى لا تتعارض السياسة المالية مع أهداف السياسة النقدية.
ثانياً، من المهم تقليل الاعتماد التدريجي على التمويل المصرفي للعجز العام، مع تحسين الإيرادات الحقيقية، وتطوير التحصيل الضريبي والجمركي، والحد من التسرب المالي.
ثالثاً، ينبغي إعادة توجيه الإنفاق العام نحو القطاعات الإنتاجية، خاصة الزراعة والصناعة والطاقة والنقل، لأن زيادة الإنتاج المحلي هي إحدى أهم الوسائل المستدامة لتخفيف ضغوط الأسعار.
رابعاً، يجب أن تراعي السياسة النقدية حماية التمويل الموجه للإنتاج. فليس كل توسع في الائتمان ضاراً؛ فالتمويل الذي يذهب إلى الزراعة والصناعة والإنتاج يمكن أن يزيد المعروض من السلع ويخفف التضخم على المدى المتوسط.
خامساً، يحتاج سوق النقد الأجنبي إلى إدارة أكثر استقراراً وشفافية، مع العمل على زيادة موارد البلاد من العملات الأجنبية من خلال الصادرات والاستثمار وتحويلات السودانيين بالخارج وتشجيع النشاط التجاري الرسمي.
سادساً، من المهم رفع مستوى الشفافية في البيانات الاقتصادية، خصوصاً بيانات عجز الموازنة ومصادر تمويله والتمويل الحكومي من الجهاز المصرفي ونمو السيولة وسعر الصرف والتضخم.
سابعاً، ينبغي إنشاء آلية مشتركة للإنذار المبكر بين وزارة المالية وبنك السودان لمتابعة تطورات العجز والسيولة وسعر الصرف والأسعار والإنتاج، بما يسمح بالتدخل قبل تحول الاختلالات إلى أزمة أكبر.
ثامناً، يجب ألا يكون الهدف هو خفض معدل التضخم فقط، بل استعادة القوة الشرائية للمواطن. فالمواطن لا يعيش على معدل التضخم، وإنما يواجه أسعار الغذاء والدواء والمواصلات والتعليم والخدمات بصورة يومية.
الاقتصاد لا يحتاج إلى سياسة مالية ونقدية متعارضتين
المشكلة السودانية ليست في وجود سياسة مالية وسياسة نقدية، وإنما في مدى التنسيق بينهما.
فالانضباط المالي يقلل الحاجة إلى التمويل المصرفي، وهذا يساعد على تحقيق نمو أكثر اتزاناً في السيولة، ويخفف الضغوط على سوق الصرف، ويسهم في الحد من الضغوط التضخمية.
وفي المقابل، فإن السياسة النقدية المستقرة تساعد على توجيه السيولة والائتمان نحو النشاط الاقتصادي المنتج، وتحافظ على استقرار النظام المصرفي وسوق الصرف.
لكن هذه السياسات لن تحقق نتائج مستدامة إذا لم يصاحبها تحسن في الإنتاج.
في النهاية، المواطن السوداني لا يبحث عن إجابة نظرية حول من المسؤول عن التضخم بقدر ما يبحث عن سعر مستقر للغذاء، وعملة أكثر استقراراً، ودخل يحافظ على قوته الشرائية، واقتصاد قادر على الإنتاج.
ومن هنا يبقى السؤال الأهم أمام السياسة الاقتصادية السودانية: هل تعمل السياسة المالية والسياسة النقدية كفريق واحد لمعالجة جذور التضخم، أم أن كل سياسة ما زالت تعالج جزءاً من المشكلة بصو@mazanfaiz2002gmail-com
عندما ترتفع أسعار الغذاء والدواء والمواصلات بصورة متواصلة، يتساءل المواطن بصورة طبيعية: من المسؤول عن هذا الارتفاع؟ هل السبب هو زيادة السيولة في الاقتصاد؟ أم عجز الموازنة؟ أم ارتفاع سعر الدولار؟ أم ضعف الإنتاج؟ أم الحرب واضطراب سلاسل الإمداد؟
في الحالة السودانية، لا تبدو الإجابة مرتبطة بعامل واحد. فالتضخم أصبح نتيجة لتفاعل السياسة المالية مع السياسة النقدية وسعر الصرف والإنتاج المحلي والظروف الأمنية والاقتصادية. ولذلك فإن النظر إلى دور وزارة المالية بمعزل عن بنك السودان، أو العكس، قد لا يعطي صورة كاملة عن المشكلة.
ماذا تقول أرقام بنك السودان؟
تكشف بيانات بنك السودان المركزي للنصف الأول من عام 2026 عن تطورات تستحق التوقف عندها.
فقد ارتفع عرض النقود الواسع M2 من نحو 31.8 تريليون جنيه في مارس 2026 إلى نحو 36.83 تريليون جنيه في يونيو 2026، بزيادة تقارب 14.7% خلال الربع الثاني.
وفي الفترة نفسها، ارتفعت صافي مطالبات الجهاز المصرفي على القطاع العام من نحو 24.83 تريليون جنيه إلى نحو 29.30 تريليون جنيه.
كما ارتفعت صافي مطالبات بنك السودان المركزي على الحكومة من نحو 22.17 تريليون جنيه في مارس إلى نحو 26.18 تريليون جنيه في يونيو.
هذه الأرقام لا تعني أن تمويل الحكومة هو السبب الوحيد للتضخم، ولا تكفي وحدها لإثبات علاقة سببية مباشرة. لكنها تكشف عن قناة مهمة تستحق الدراسة: عندما تزداد حاجة الحكومة إلى التمويل المصرفي، يمكن أن ينعكس ذلك على السيولة في الاقتصاد، وبالتالي على الطلب والأسعار وسوق الصرف.
وهنا يبدأ السؤال الاقتصادي الحقيقي: هل تستطيع السياسة النقدية معالجة آثار توسع التمويل الحكومي إذا استمر العجز المالي في توليد طلب على التمويل المصرفي؟
أين تبدأ مسؤولية وزارة المالية؟
وزارة المالية هي المسؤولة بصورة أساسية عن إدارة المالية العامة، بما في ذلك الإيرادات والإنفاق والعجز واحتياجات التمويل.
لذلك، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: كم يبلغ عجز الموازنة؟ وإنما أيضاً: كيف يتم تمويل هذا العجز؟
فالاقتراض أو التمويل المصرفي للحكومة قد يوفر حلاً قصير الأجل لتمويل الإنفاق، لكنه يمكن أن يتحول إلى ضغط على السيولة وسوق الصرف والأسعار إذا توسع بصورة كبيرة مقارنة بقدرة الاقتصاد على الإنتاج.
وهنا لا يعني ضبط المالية العامة بالضرورة خفض الإنفاق بصورة عشوائية. الأهم هو إعادة ترتيب الأولويات، بحيث يتم تقليل الإنفاق غير المنتج وتوجيه الموارد إلى القطاعات التي تستطيع زيادة الإنتاج الحقيقي، خاصة الزراعة والصناعة والطاقة والنقل والبنية التحتية.
فالسؤال الذي يهم المواطن في النهاية ليس فقط: كم أنفقت الحكومة؟ وإنما: ماذا أنتج هذا الإنفاق؟
وماذا عن مسؤولية بنك السودان؟
في الجانب الآخر، تقع على بنك السودان مسؤولية إدارة السيولة والنظام المصرفي والسياسة النقدية وسوق النقد الأجنبي.
ومن الطبيعي أن يحاول البنك المركزي الحد من الضغوط التضخمية من خلال أدوات السياسة النقدية. لكن هل يستطيع بنك السودان وحده خفض التضخم إذا كانت الضغوط المالية مستمرة؟
الإجابة ليست بسيطة.
فالتشدد النقدي المبالغ فيه قد يؤدي إلى تقييد الائتمان، وإذا شمل التمويل الموجه للقطاعات الإنتاجية فقد يضعف قدرة الاقتصاد على زيادة الإنتاج.
وفي المقابل، فإن ترك السيولة تتوسع بصورة غير متناسبة مع نمو الإنتاج قد يزيد الضغوط على الأسعار وسوق الصرف.
لذلك، فإن التحدي أمام بنك السودان ليس فقط تقليل السيولة، وإنما إدارة السيولة بطريقة تحقق التوازن بين استقرار الأسعار وتوفير التمويل للنشاط الاقتصادي المنتج.
ماذا حدث للتضخم؟
الأرقام نفسها تكشف عن صورة متغيرة خلال عام 2026.
فقد بلغ معدل التضخم السنوي نحو 40.2% في نهاية مارس 2026، ثم ارتفع إلى 51.3% في نهاية يونيو.
لكن بيانات أغسطس أظهرت انخفاض التضخم السنوي إلى 26.14%.
وهنا يجب الانتباه إلى نقطة مهمة جداً: انخفاض معدل التضخم السنوي لا يعني أن الأسعار انخفضت.
فإذا ارتفع التضخم من 20% إلى 40% ثم انخفض إلى 26%، فهذا يعني أن سرعة ارتفاع الأسعار أصبحت أقل، وليس أن الأسعار عادت إلى مستوياتها السابقة.
والدليل أن مؤشر أسعار المستهلك ارتفع خلال أغسطس نفسه بنسبة 3.32%، بينما ارتفعت أسعار مجموعة الأغذية والمشروبات بنسبة 8.39% خلال الشهر.
كما بلغ التضخم السنوي في المناطق الحضرية نحو 38.05%، مقابل 19.26% في المناطق الريفية.
وهذا التفاوت مهم؛ لأنه يشير إلى أن التضخم لا يتحرك بالطريقة نفسها في جميع أجزاء الاقتصاد، وأن أسعار الغذاء والإمدادات وتكاليف النقل والخدمات تلعب دوراً كبيراً في حياة المواطن اليومية.
الدولار يدخل في المعادلة
لا يمكن تحليل التضخم السوداني دون النظر إلى سعر الصرف.
فقد ارتفع متوسط سعر شراء الدولار لدى المصارف والصرافات من نحو 3,222.80 جنيه في مارس 2026 إلى نحو 3,743.23 جنيه في يونيو.
ارتفاع سعر الدولار يعني ارتفاع تكلفة كثير من السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج، كما يؤثر بصورة غير مباشرة على تكلفة النقل والطاقة والإنتاج المحلي.
لكن هنا أيضاً يبرز سؤال مهم: هل ارتفاع سعر الدولار يرفع الأسعار، أم أن ارتفاع الأسعار والاختلالات الاقتصادية تزيد الطلب على الدولار؟
في الواقع، يمكن أن يعمل العاملان في الاتجاهين معاً. ارتفاع سعر الصرف يرفع تكاليف الإنتاج والاستيراد، بينما يؤدي التضخم وضعف الثقة في العملة المحلية إلى زيادة الطلب على العملات الأجنبية.
وهكذا تتكون حلقة اقتصادية يصعب كسرها بأداة واحدة.
هل التضخم السوداني نقدي فقط؟
من الخطأ اختزال التضخم السوداني في زيادة عرض النقود وحدها.
الحرب أضعفت الإنتاج، وأثرت على طرق النقل والإمداد، وأدت إلى خروج عدد من الأنشطة الاقتصادية من دائرة الإنتاج الطبيعي. كما أن ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، ونقص العملات الأجنبية، واضطراب التجارة، وضعف الإنتاج الزراعي والصناعي، كلها عوامل تؤثر في الأسعار.
لذلك فإن مواجهة التضخم تحتاج إلى جانب مالي ونقدي، لكنها تحتاج أيضاً إلى زيادة الإنتاج وتوفير السلع والخدمات.
فإذا تم تقليل السيولة بينما بقي الإنتاج ضعيفاً، فقد لا تختفي مشكلة التضخم، وإنما قد يتغير شكلها. وإذا تم ضخ السيولة دون زيادة الإنتاج، فقد تتجه السيولة الإضافية إلى سوق السلع أو سوق الصرف بدلاً من أن تتحول إلى استثمار وإنتاج.
السؤال الأصعب: من ينسق بين السياستين؟
وزارة المالية تدير الموازنة والإنفاق والعجز والتمويل، بينما يدير بنك السودان السيولة والنظام المصرفي والسياسة النقدية وسوق الصرف.
لكن الاقتصاد لا يعرف هذه الحدود المؤسسية عندما تتحرك الأسعار.
إذا توسع الإنفاق الحكومي وارتفع التمويل المصرفي، فهل يستطيع بنك السودان وحده امتصاص الآثار النقدية؟
وإذا اتجه بنك السودان إلى تشديد السياسة النقدية، فهل يمكن تحقيق الاستقرار دون التأثير سلباً على تمويل الزراعة والصناعة والتجارة والإنتاج؟
وإذا بقي الإنتاج ضعيفاً، فهل يمكن للسياسة النقدية وحدها أن تعالج ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والنقل؟
هذه الأسئلة لا تعني تحميل مؤسسة واحدة مسؤولية التضخم، وإنما توضح أن السياسة المالية والسياسة النقدية تعملان داخل اقتصاد واحد، ولذلك فإن نجاح إحداهما يتأثر بما تفعله الأخرى.
ماذا تقول الأرقام مجتمعة؟
عند وضع الأرقام بجانب بعضها، تظهر صورة اقتصادية مترابطة:
عرض النقود M2 ارتفع من نحو 31.8 تريليون جنيه إلى 36.83 تريليون جنيه بين مارس ويونيو.
وصافي مطالبات الجهاز المصرفي على القطاع العام ارتفع من نحو 24.83 تريليون جنيه إلى 29.30 تريليون جنيه.
وصافي مطالبات بنك السودان على الحكومة ارتفع من نحو 22.17 تريليون جنيه إلى 26.18 تريليون جنيه.
ومتوسط سعر شراء الدولار ارتفع من نحو 3,222.80 جنيه إلى 3,743.23 جنيه.
وفي الوقت نفسه ارتفع التضخم من 40.2% في مارس إلى 51.3% في يونيو، قبل أن يتراجع معدل التضخم السنوي إلى 26.14% في أغسطس، مع استمرار ارتفاع الأسعار خلال أغسطس نفسه.
هذه البيانات لا تثبت وحدها أن التمويل الحكومي هو سبب التضخم، لكنها تؤكد أن المالية العامة والسيولة وسعر الصرف والأسعار تتحرك داخل منظومة واحدة.
ماذا يمكن أن تفعل الحكومة وبنك السودان؟
المعالجة تحتاج إلى إجراءات متزامنة وليست إلى قرار واحد.
أولاً، تحتاج وزارة المالية وبنك السودان إلى تنسيق أوثق عند إعداد الموازنة وتقدير احتياجات التمويل، حتى لا تتعارض السياسة المالية مع أهداف السياسة النقدية.
ثانياً، من المهم تقليل الاعتماد التدريجي على التمويل المصرفي للعجز العام، مع تحسين الإيرادات الحقيقية، وتطوير التحصيل الضريبي والجمركي، والحد من التسرب المالي.
ثالثاً، ينبغي إعادة توجيه الإنفاق العام نحو القطاعات الإنتاجية، خاصة الزراعة والصناعة والطاقة والنقل، لأن زيادة الإنتاج المحلي هي إحدى أهم الوسائل المستدامة لتخفيف ضغوط الأسعار.
رابعاً، يجب أن تراعي السياسة النقدية حماية التمويل الموجه للإنتاج. فليس كل توسع في الائتمان ضاراً؛ فالتمويل الذي يذهب إلى الزراعة والصناعة والإنتاج يمكن أن يزيد المعروض من السلع ويخفف التضخم على المدى المتوسط.
خامساً، يحتاج سوق النقد الأجنبي إلى إدارة أكثر استقراراً وشفافية، مع العمل على زيادة موارد البلاد من العملات الأجنبية من خلال الصادرات والاستثمار وتحويلات السودانيين بالخارج وتشجيع النشاط التجاري الرسمي.
سادساً، من المهم رفع مستوى الشفافية في البيانات الاقتصادية، خصوصاً بيانات عجز الموازنة ومصادر تمويله والتمويل الحكومي من الجهاز المصرفي ونمو السيولة وسعر الصرف والتضخم.
سابعاً، ينبغي إنشاء آلية مشتركة للإنذار المبكر بين وزارة المالية وبنك السودان لمتابعة تطورات العجز والسيولة وسعر الصرف والأسعار والإنتاج، بما يسمح بالتدخل قبل تحول الاختلالات إلى أزمة أكبر.
ثامناً، يجب ألا يكون الهدف هو خفض معدل التضخم فقط، بل استعادة القوة الشرائية للمواطن. فالمواطن لا يعيش على معدل التضخم، وإنما يواجه أسعار الغذاء والدواء والمواصلات والتعليم والخدمات بصورة يومية.
الاقتصاد لا يحتاج إلى سياسة مالية ونقدية متعارضتين
المشكلة السودانية ليست في وجود سياسة مالية وسياسة نقدية، وإنما في مدى التنسيق بينهما.
فالانضباط المالي يقلل الحاجة إلى التمويل المصرفي، وهذا يساعد على تحقيق نمو أكثر اتزاناً في السيولة، ويخفف الضغوط على سوق الصرف، ويسهم في الحد من الضغوط التضخمية.
وفي المقابل، فإن السياسة النقدية المستقرة تساعد على توجيه السيولة والائتمان نحو النشاط الاقتصادي المنتج، وتحافظ على استقرار النظام المصرفي وسوق الصرف.
لكن هذه السياسات لن تحقق نتائج مستدامة إذا لم يصاحبها تحسن في الإنتاج.
في النهاية، المواطن السوداني لا يبحث عن إجابة نظرية حول من المسؤول عن التضخم بقدر ما يبحث عن سعر مستقر للغذاء، وعملة أكثر استقراراً، ودخل يحافظ على قوته الشرائية، واقتصاد قادر على الإنتاج.
ومن هنا يبقى السؤال الأهم أمام السياسة الاقتصادية السودانية: هل تعمل السياسة المالية والسياسة النقدية كفريق واحد لمعالجة جذور التضخم، أم أن كل سياسة ما زالت تعالج جزءاً من المشكلة بصورة منفصلة؟
