الخميس, أكتوبر 8, 2026
الرئيسيةمقالاتمسارب الضي ...

مسارب الضي يكتبه | د. محمد تبيدي. نهاية الاحتكار والفوضى.. البرهان يضع ملف النفط أمام الدولة

يبدو أن ملف النفط في السودان دخل مرحلة جديدة، عنوانها الأبرز إعادة القرار النفطي إلى مؤسسات الدولة، وضبط سوق الوقود، وإنهاء تعدد القنوات والوسطاء في استيراد المشتقات البترولية.
فقد كشفت تقارير صحفية، اليوم الأربعاء، عن تشكيل مجلس أعلى للنفط برئاسة رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، بعضوية رئيس الوزراء كامل إدريس، ووزير النفط، ومحافظ بنك السودان المركزي، بالتزامن مع ترتيبات لعقد شراكة بين الشركة السودانية للنفط وشركة أرامكو السعودية لتأمين احتياجات السودان من المواد البترولية. كما أشارت التقارير إلى أن مجلس السيادة ينتظر إجازة قانون الشركة السودانية للنفط.

وهنا لا ينبغي أن نتعامل مع الخبر باعتباره مجرد تغيير إداري في قطاع النفط لأن القضية أكبر من ذلك بكثير.
إنها قضية أمن قومي واقتصادي.
🔴 النفط ليس سلعة عادية
الوقود في السودان ليس مجرد بنزين أو جازولين أو غاز يُباع في محطات الخدمة.
الوقود هو حركة المواصلات، وتشغيل المصانع، وري المشاريع الزراعية، وتشغيل المولدات، ونقل الغذاء والدواء، وتحريك الآليات العسكرية، وإيصال الإمدادات الإنسانية، ولذلك فإن أي اضطراب في منظومة الوقود ينعكس مباشرة على حياة المواطن وعلى الاقتصاد وعلى الأمن الوطني.
ومن هنا فإن إدارة النفط لا ينبغي أن تكون رهينة للتاجر أو السمسار أو الوسيط، ولا أن تتعدد فيها مراكز القرار بطريقة تجعل الدولة نفسها تبحث عن الوقود في السوق.
والأهم أن الحكومة سبق أن اتخذت في يونيو 2026 قراراً بدخول الدولة في استيراد المشتقات البترولية بهدف ضبط السوق والتحكم في سعر الصرف، مع تكليف وزارات المالية والطاقة وبنك السودان والجهات المختصة بتنفيذ القرار.

واليوم تأتي الترتيبات الجديدة، وفق التقارير المنشورة، لتدفع بهذا الاتجاه نحو إطار مؤسسي أكثر وضوحاً.
🔴 عودة المؤسسة الوطنية للنفط
عودة الشركة السودانية للنفط إلى قلب عملية الاستيراد والإمداد تعني، من الناحية المؤسسية، وجود جهة وطنية يمكن أن تكون مسؤولة عن التخطيط للاحتياجات، والتعاقد، والاستيراد، والتخزين، والتوزيع، ومتابعة حركة المنتجات النفطية.
وهذه النقطة بالذات تستحق التوقف.
لأن الدولة عندما تعرف مسبقاً حجم احتياجاتها الشهرية والسنوية، تستطيع أن تنتقل من سياسة إطفاء الحرائق إلى سياسة التخطيط.
بدلاً من انتظار الأزمة ثم البحث عن باخرة.
بدلاً من انتظار صفوف المواطنين ثم البحث عن شحنة.
بدلاً من مطاردة الدولار في السوق ثم البحث عن مورد.
يصبح العمل قائماً على برنامج واضح:
كم نحتاج؟
متى نحتاج؟
من أين نشتري؟
كم تبلغ التكلفة؟
أين تخزن الشحنة؟
وكيف تصل إلى المستهلك؟
وهذه هي الإدارة الحديثة لقطاع الطاقة.
🔴 أرامكو… الشراكة التي تحتاج إلى حسابات دقيقة
أما الحديث عن الشراكة المرتقبة مع أرامكو السعودية لتأمين احتياجات السودان النفطية، فهو يحمل إمكانات مهمة إذا صُمم على أساس اقتصادي ومؤسسي واضح.
وأرامكو شركة طاقة عالمية ضخمة، وتؤكد في تقاريرها الرسمية أهمية موثوقية إمدادات الطاقة ومرونة سلاسل الإمداد.

لكن مسارب الضي تقول بوضوح:
الشراكة ليست مجرد اسم كبير، وإنما عقد وشروط وضمانات وآليات تنفيذ.
السودان يحتاج إلى عقود طويلة الأجل قدر الإمكان، وجداول توريد واضحة، وأسعار وآليات تسعير معلومة، وضمانات للإمداد، ونظام مالي شفاف، ورقابة محاسبية دقيقة.
ويجب أن تكون المؤسسة السودانية هي صاحبة القرار الوطني في تحديد الاحتياجات والتعاقد والتوزيع، بينما تأتي الشراكة مع الطرف الخارجي لتقوية قدرة السودان على تأمين الإمدادات، لا لتحويل القرار النفطي الوطني إلى قرار خارجي.
🔴 نهاية السماسرة تبدأ من الشفافية
المشكلة ليست في وجود القطاع الخاص.
المشكلة تبدأ عندما تصبح السوق غير منضبطة، وتتعدد حلقات الوساطة، وتتضخم الهوامش السعرية، ويصبح المواطن هو الطرف الذي يدفع ثمن كل حلقة إضافية.
إن توحيد الاستيراد عبر مؤسسة وطنية لا يعني بالضرورة إقصاء القطاع الخاص من النشاط الاقتصادي، وإنما يعني أن القرار الاستراتيجي في سلعة استراتيجية يجب أن يكون واضحاً ومراقباً.
والدولة تستطيع بعد ذلك أن تفتح مجالات النقل والتوزيع والخدمات والمنافسة وفق ضوابط معلنة.
فالاقتصاد القوي لا يعني أن الدولة تقوم بكل شيء، كما لا يعني أن تترك كل شيء للسوق.
بل يعني أن تعرف الدولة أين يجب أن تتدخل، ومتى تتدخل، وكيف تراقب.
🔴 النفط وسعر الصرف
هناك جانب آخر بالغ الأهمية.
استيراد الوقود يحتاج إلى عملة أجنبية، وبالتالي فإن طريقة إدارة الاستيراد تؤثر بصورة مباشرة في الطلب على النقد الأجنبي.
إذا كانت عشرات الجهات تتنافس على الدولار لاستيراد سلعة واحدة، فإن الطلب يتشتت وتتداخل الأسعار والقنوات.
أما إذا أصبح هناك تخطيط مركزي للاحتياجات وعقود واضحة وتمويل منظم، فيمكن للدولة أن تعرف حجم احتياجاتها من النقد الأجنبي مسبقاً، وتبني عليها سياستها المالية والنقدية.
وهذا يتطلب تنسيقاً حقيقياً بين وزارة المالية، وبنك السودان المركزي، ووزارة الطاقة، والمؤسسة الوطنية للنفط، والجهات الرقابية.
فلا يمكن إصلاح سوق الوقود بقرار نفطي منفرد، لأن النفط في النهاية ملف مالي ونقدي ولوجستي وأمني في الوقت ذاته.
🔴 المطلوب ليس تغيير الأسماء
وهنا تأتي رسالة مسارب الضي الأهم:
المطلوب ليس فقط إنشاء مجلس أعلى للنفط، ولا إعادة اسم الشركة السودانية للنفط إلى الواجهة.
المطلوب أن تكون هناك منظومة كاملة تعمل بكفاءة.
مجلس يضع السياسات.
مؤسسة وطنية تنفذ.
بنك مركزي يوفر آلية التمويل.
وزارة مالية تضبط الموارد.
أجهزة رقابية تراجع العقود والحسابات.
وشركات مؤهلة تعمل وفق القانون.
وعقود معلنة تخضع للمراجعة.
ونظام رقمي يستطيع تتبع الشحنة النفطية منذ خروجها من المورد وحتى وصولها إلى محطة الوقود.
عندها فقط يمكن أن نتحدث عن نهاية حقيقية للفوضى.
🔴 الحرب جعلت الإصلاح ضرورة لا ترفاً
السودان اليوم ليس السودان الذي كان قبل الحرب.
البنية التحتية تعرضت لأضرار كبيرة، ومصفاة الخرطوم تأثرت بالحرب، واحتياجات البلاد من الوقود أصبحت أكثر تعقيداً، بينما تتزايد الحاجة إلى إعادة تشغيل القطاعات الزراعية والصناعية والخدمية.
وفي سبتمبر الماضي، شهد قطاع النفط أيضاً توقيع مذكرة تفاهم مع مجموعة سعودية لبناء مصفاة نفط في السودان، في إطار توجه معلن نحو تعزيز الاستثمارات السعودية وإعادة تأهيل البنية التحتية النفطية.
وهذا يفتح الباب أمام تصور أوسع: ليس فقط استيراد الوقود، وإنما إعادة بناء صناعة النفط السودانية.
السودان يجب ألا يبقى مستورداً للمشتقات إلى ما لا نهاية.
نحتاج إلى إعادة تأهيل المصافي.
نحتاج إلى تطوير التخزين.
نحتاج إلى صيانة خطوط الأنابيب.
نحتاج إلى تأمين الموانئ والمنشآت.
نحتاج إلى استعادة الإنتاج المحلي حيثما أمكن.
ونحتاج إلى بناء احتياطي استراتيجي من الوقود يكفي البلاد في أوقات الطوارئ.

إذا تأكدت الترتيبات التي أوردتها التقارير بشأن تشكيل المجلس الأعلى للنفط والشراكة المرتقبة مع أرامكو، فإن القيمة الحقيقية لهذه الخطوة لن تكون في البيانات السياسية، وإنما في النتائج التي يراها المواطن أمام محطة الوقود.
المواطن لا يريد أن يسمع عن مجلس جديد فقط.
يريد وقوداً متوفراً.
يريد سعراً معلناً.
يريد محطة بلا صفوف طويلة.
ويريد أن يعرف أن الدولة تملك خطة لإمداده غداً وبعد شهر وبعد عام.
أما الدولة، فعليها أن تتعامل مع النفط باعتباره ملف أمن قومي، وأن تمنع تضارب المصالح، وتغلق منافذ الفساد، وتضع كل عملية استيراد تحت الرقابة المؤسسية والمحاسبية.
والأهم من ذلك كله أن لا تتحول محاربة الاحتكار إلى احتكار حكومي مغلق؛ فالمطلوب هو تنظيم السوق، لا خنقها، وبناء مؤسسة وطنية قوية لا مؤسسة بيروقراطية جديدة.

يا فخامة الرئيس البرهان، ملف النفط لا يحتمل أنصاف الحلول.
إذا كانت الدولة تريد إنهاء الفوضى، فلتبدأ من الشفافية.
وإذا كانت تريد إنهاء الاحتكار، فلتبدأ من القانون.
وإذا كانت تريد حماية المواطن، فلتبدأ من الإمداد المستقر والسعر العادل.
وإذا كانت تريد استعادة الاقتصاد، فلتجعل النفط جزءاً من مشروع وطني متكامل لإعادة بناء السودان.
السودان لا يحتاج إلى المزيد من السماسرة في النفط، بل يحتاج إلى مؤسسة وطنية قوية، وشراكات دولية محترمة، وعقود شفافة، ورقابة صارمة، وخطة طاقة تمتد لسنوات.
أما أرامكو السعودية، فإن كانت الشراكة ستأتي، فلتكن شراكة تكسب فيها السعودية شريكاً مستقراً، ويكسب السودان أمناً في الطاقة، ويكسب المواطن قبل الاثنين وقوداً متوفراً واقتصاداً أكثر استقراراً.
فهنا يبدأ الطريق الحقيقي من الفوضى إلى المؤسسة، ومن السمسرة إلى السوق المنظم، ومن أزمة الوقود إلى أمن الطاقة السوداني.

وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات