تقرير:بدرالدين عبدالرحمن.
تُعد النزاعات الدولية واختلالات الأمن العالمي المختلفة،من أبرز التحديات التي تواجه المجتمع الدولي بصورة عامة،حيث تتشكل نتيجة تضارب المصالح الاستراتيجية،أو الخلافات الحدودية،أو التنافس على الموارد،أو الصراعات الايديولوجية والجيوسياسية.
في المقابل،تُعرف إدارة الأزمات (Crisis Management)بأنها مجموعة الآليات والأدوات السياسية والدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية، التي تتخذها الدول والمؤسسات الدولية لمواجهة المواقف الطارئة والحد من إستشرائها، ومنع تحول الأزمات المحدودة إلى مواجهات عسكرية شاملة.
مراحل إدارة الأزمة الدولية: تمر عملية التعامل مع النزاعات والأزمات عبر أربع مراحل رئيسية: المرحلة الأولي،وتعرف بأنها مرحلة الإنذار المبكر والوقاية(Early Warning & Prevention)،وهي تكون مخصصة لرصد مؤشرات التوتر قبل اندلاع المواجهة عبر الاستخبارات والدبلوماسية الوقائية وجمع كآفة المعلومات المتعلقة بالحدث لتحليلها وتبيان كيفية التعامل معها. أما المرحلة الثانية،فهي مرتبطة بما يعرف بالاحتواء والتثبيط (Containment)،الذي يظهر من خلال فرض خطوط حمراء لمنع اتساع نطاق الأزمة جغرافيًا أو عسكريًا. المرحلة الثالثة،فهي مرحلة التسوية والتفاوض (Settlement & Negotiation)،وتكون من خلال إشراك الأطراف في مفاوضات مباشرة أو عبر وسطاء للوصول إلى حلول وسط. بينما تأتي المرحلة الرابعة تحت مسمي،بناء السلام بعد النزاع(Post-Conflict Peacebuilding)،وتتجلي من خلال إعادة إعمار المؤسسات والبنية التحتية وتحقيق المصالحة الوطنية لمحي أي أسباب قد تؤدي لتجدد الصراع. وفي السياق،هنالك أدوات واستراتيجيات لإدارة الأزمات ،منها “الدبلوماسية القسرية”(Coercive Diplomacy)،وهى عملية تقوم علي الجمع بين التهديد المدروس باستخدام القوة والعروض الدبلوماسية للضغط على الطرف الآخر للاستجابة. فيما تقوم الوساطة والمفاوضات (Mediation & Negotiations)،علي مبدأ إدخال أطراف محايدة (دول أو منظمات) لتسهيل الحوار وتقريب وجهات النظر. بينما تعتمد العقوبات الاقتصادية (Economic Sanctions)،علي فرضية استغلال النفوذ المالي والتجاري لإضعاف قدرة الدول على الاستمرار في السلوك العدائي. وفي غضون ذلك،يمكن إستخدام قوات حفظ السلام (Peacekeeping Operations)لحل النزاعات الدولية والإقليمية،وذلك من خلال نشر قوات أممية أو إقليمية للفصل بين القوات المتصارعة وتأمين الممرات الإنسانية. أمثلة تطبيقية (Case Studies):
تعتبر أزمة الصواريخ الكوبية التي وقعت فى العام(1962)،النموذج المثالي للاحتواء،وهي
أزمة حدثت بين كوبا والولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي،وهي المثال التاريخي الأبرز على إستخدام مبدأ إدارة الأزمات الحادة ذات الطابع النووي.
تشكلت طبيعة الأزمة،عندما تم اكتشاف صواريخ نووية سوفيتية في كوبا على بعد مسافة قصيرة من الأراضي الأمريكية،علي إثر ذلك اعتمد الرئيس الأمريكي جون كينيدي حينذاك ،استراتيجية “الحجر البحري” (Quarantine) بدلاً من الضربة العسكرية المباشرة،مما أتاح مساحة زمنية للتفاوض دون الوقوع في شباك المواجهة الشاملة.
وقد كان نتيجة ذلك سحب الاتحاد السوفيتي صواريخه مقابل سحب واشنطن لصواريخها من تركيا والتعهد بعدم غزو كوبا.
* النزاع الروسي الأوكراني (2022 – المستمر):
وفقا لتحليلات،هو مثال لتداعيات فشل الوقاية،
ويعكس النزاع في شرق أوروبا نموذجًا معقدًا يتداخل فيه البعد الإقليمي بالبعد الدولي والإستراتيجي.
وقد قامت طبيعة الأزمة،علي نزاع جيوسياسي حول تمدد حلف شمال الأطلسي (الناتو) وسيادة الدول.
بينما كانت استراتيجية الإدارة،استخدام نظام عقوبات اقتصادية غير مسبوق، وتقديم الدعم العسكري واللوجستي، مع تفعيل محاولات وساطة متعددة (مثل وساطة تركيا في مبادرة حبوب البحر الأسود).
أما الخلاصة،فقد كانت استمرار الصراع بما يؤكد صعوبة إدارة الأزمات عندما تتشابك المصالح الحيوية للقوى العظمى وتستنفد أدوات الردع التقليدية.
هنالك جملة من التحديات المعاصرة التي تواجه إدارة الأزمات،منها تحدي
استخدام حق النقض (الفيتو) من قبل القوى الكبرى،مايهدد ويحول دون اتخاذ قرارات حاسمة،فضلا عن صعوبة إخضاع الجماعات المسلحة والشركات العابرة للحدود لأحكام القانون الدولي،إضافة لصعوبة تحديد هوية المعتدي والرد المناسب في الأزمات المعتمدة على هجمات فضاء الإنترنت.
يتطلب المشهد الدولي المعاصر تطوير أساليب إدارة الأزمات لتتجاوز الاستجابة التقليدية وتتحول إلى الاستباقية الشاملة،لاسيما وأن هناك ضرورة قصوي لإصلاح أنظمة التصويت في المنظمات الدولية لمنع تعطيل القرارات في حالات الأزمات الإنسانية الكبرى،بجانب الاستفادة من تحليل البيانات الضخمة للتنبؤ بالبؤر الساخنة وتوترات التغير المناخي وشح الموارد قبل انفجارها،إضافة لإعطاء أولوية أكبر للمبادرات الإقليمية المباشرة لتطويق أي نزاع في مهده.
