الثلاثاء, أكتوبر 6, 2026
الرئيسيةتقاريرحين تكرم القامات… تكرم الرسالة ...

حين تكرم القامات… تكرم الرسالة كتب: عادل عبد الله عمر

في بلادنا كثيرا ما ننتبه إلى قيمة القامات بعد أن تغادر المشهد ونكتشف متأخرين أن بعض الأصوات التي ألفنا حضورها كانت في الحقيقة جزءا من ذاكرتنا وأن بعض الذين عبروا المؤسسات في هدوء تركوا فيها من أثرهم ما لا تتركه الأضواء ولا المناصب.

لذلك بدت لي لفتة الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة والإعلام الأستاذ زهير الطيب بانقا وهو يكرم الزميل جابر المأمون أكبر من مناسبة تكريمية عابرة.

إنها لفتة تقول في جوهرها إن المؤسسات لا تزال قادرة على أن تتذكر أهلها وأن الوفاء لأصحاب العطاء يمكن أن يكون ممارسة مؤسسية لا مجرد كلمات تقال في مناسبات الوداع.

فجابر المأمون ليس اسما عابرا في دفتر العاملين بإذاعة الولاية.

إنه واحد من الرعيل الذي حمل الميكروفون زمنا طويلا وقرأ النشرات وأعد البرامج وقدمها وعاش تفاصيل العمل الإذاعي من داخله وأسهم في تشكيل وجدان مستمعين وأجيال من الإعلاميين.

اكثر من ثلاثة عقود من العطاء المهني.

ما يزيد علي ثلاثة عقود في مهنة مثل الإعلام ليست مجرد سنوات تضاف إلى ملف الخدمة. إنها عمر كامل من التجربة والممارسة والتعلم والتصحيح والتراكم.

خلال هذه السنوات رأى جابر أجيالا تأتي إلى الإذاعة وتتعلم وتكبر ويغادر بعضها ويبقى بعضها بينما ظل هو حاضرا في موقعه يؤدي رسالته ويضيف إلى المهنة شيئا من خبرته كل يوم.

لكن قيمة جابر لا تختصر في طول سنوات الخدمة.

فطول البقاء وحده ليس إنجازا.

الإنجاز أن تظل بعد كل هذه السنوات موضع تقدير زملائك وأن يكون لك حضور مهني وإنساني وأن تترك وراءك أناسا تعلموا منك وأصواتا ساعدت في إعدادها وتجارب أسهمت في تشكيلها.

وهنا تحديدا تبرز قيمة جابر.

فهو لم يكن مذيعا يؤدي عمله فحسب.

كان معلما.

وهذه في تقديري واحدة من أرفع المراتب التي يمكن أن يبلغها الإعلامي.

فالمذيع الذي يحسن قراءة النشرة يترك أثرا في أذن المستمع.

أما الإعلامي الذي يعلم غيره كيف يقرأ وكيف ينطق الاسم وأين يتوقف ومتى يرفع صوته ومتى يترك للكلمة أن تبلغ مداها فإنه لا يترك صوتا واحدا وإنما يترك أصواتا وأجيالا.

وهذا هو الفارق بين من يمارس المهنة ومن يضيف إليها.

لقد كان جابر جسرا بين أجيال من الإعلاميين.

رفد الإذاعة والتلفزيون بكوادر شابة وفتح لهم من خبرته ما كان يستطيع أن يحتفظ به لنفسه. لم يتعامل مع المعرفة باعتبارها امتيازا شخصيا بل باعتبارها أمانة مهنية لا تكتمل قيمتها إلا حين تنتقل إلى الآخرين.

وهذه واحدة من أجمل خصال المدرسة الإذاعية السودانية القديمة.

مدرسة كان فيها الميكروفون ميدانا للتجويد واللغة عدة أساسية والمعلومة مسؤولية والمذيع قبل كل شيء صاحب رسالة.

كانوا يسألون عن المفردة.

يدققون في النطق.

يراجعون الأسماء.

ويعرفون أن الخطأ الذي يخرج من الميكروفون لا ينتهي بانتهاء البث لأنه قد يستقر في أذن المستمع ويتحول إلى معرفة خاطئة تتكرر.

ومن هذه المدرسة نهل جابر.

فصار شديد العناية باللغة العربية وسلامة النحو ودقة المفردة وصحة المصطلح وحسن الأداء.

ولم يكن ذلك ترفا لغويا.

فالكلمة عند المذيع ليست مجرد صوت يخرج من جهاز.

إنها أمانة تصل إلى آلاف الآذان وقد تستقر في الذاكرة أعواما.

ولهذا صار جابر مرجعا للكبير قبل الصغير.

يستأنس برأيه الزميل.

ويعود إليه المبتدئ.

ويجد فيه طالب المعرفة معلما لا يبخل بما عنده.

وإذا كانت الكفاءة المهنية هي التي ترفع شأن الإعلامي فإن أخلاق المهنة هي التي تجعله قريبا من الناس.

وفي هذا الجانب يشهد له زملاؤه بطول البال والبشاشة ودماثة الخلق وطيب المعشر.

حتى صار (فاكهة حوش الإذاعة).

وحوش الإذاعة ليس مجرد مكان.

إنه ذاكرة.

فيه خطوات الذين سبقوا وقلق المذيع قبل النشرة وحركة الفنيين ودفاتر البرامج وضحكات العاملين وارتباك المبتدئ وحكايات الضيوف ووجوه الذين مروا ثم غادروا.

وحين نكرم رجلا مثل جابر فإننا لا نكرم شخصا واحدا.

نحن نفتح نافذة على ذاكرة مؤسسة بأكملها.

ومن هنا تأتي أهمية مبادرة الأستاذ زهير الطيب بانقا.

فزهير ليس غريبا عن هذه القبيلة المهنية.

هو إعلامي يعرف الميكروفون والشاشة ويعرف تفاصيل المهنة وتعبها ويعرف أن خلف كل صوت إذاعي سنوات من التدريب والتجربة والأخطاء والتصحيح والسهر.

يعرف الإعلام لا من موقع إداري فقط وإنما من موقع الممارس الذي خبر ساحاته وعركته المهنة وعرف أهلها وأسرارها ومشاقها.

ولذلك فإن تكريمه لجابر يحمل معنى إضافيا.

إنه تكريم من إعلامي يدرك معنى الإعلام لإعلامي يعرف قيمة ما قدمه الإعلام.

ومن يعرف المهنة من الداخل يعرف أن المؤسسات لا تبنى بالأجهزة والاستديوهات وحدها.

تبنى بالإنسان.

بالخبرة.

بالذاكرة.

وبأولئك الذين يمنحون المؤسسة سنوات من أعمارهم حتى تصبح جزءا من حياتهم.

ولهذا لا أرى في هذه المبادرة مجاملة بروتوكولية.

بل أراها تحية مهنية من رجل يعرف قيمة ما يكرم.

وما أجمل أن يأتي التقدير من شخص يعرف ثقل التجربة ويفهم معنى أن يحمل الإنسان ميكروفونا لا ليملأ الهواء بالكلام وإنما ليحمل للناس خبرا ومعرفة وصوتا ومسؤولية.

ولعل قيمة هذه المبادرة تتضاعف لأن جابر لا يزال بيننا.

لا يزال في الخدمة.

ولا يزال قادرا على العطاء.

وهنا يكمن المعنى الأجمل للتكريم.

فالتكريم الحقيقي ليس حفلا يقال فيه كلام جميل عن رجل غادر المهنة وإنما اعتراف مستحق بإنسان لا يزال يعمل ويمنح ويعلم ويضيف.

أن تقول للإنسان وهو بين زملائه:

نحن نرى ما قدمت.

ونعرف قيمة ما تفعل.

وهذا هو الوفاء في أجمل صوره.

لقد قال الصحفي السوداني الراحل محجوب محمد صالح إن الصحافة (رسالة قبل أن تكون مهنة).

وهي عبارة يمكن أن تمتد إلى الإعلام كله.

فالرسالة لا تقاس بعدد ساعات الدوام ولا بعدد السنوات المسجلة في ملفات الخدمة وإنما بما تتركه في الناس وفي المؤسسة وفي الأجيال.

وجابر ترك أثرا.

وهذا ما يجعل تكريمه جديرا بأن يتجاوز شخصه إلى قضية أكبر قضية الذاكرة الإعلامية.

فنحن لا نحتاج فقط إلى تكريم روادنا.

نحتاج إلى توثيقهم.

نحتاج إلى أن نحتفظ بصورهم وتسجيلاتهم وبرامجهم ونشراتهم وشهاداتهم وحكاياتهم.

نحتاج إلى أرشيف حقيقي للإعلام.

أرشيف يعرف منه الجيل الجديد من كان هنا قبله.

ومن حمل الميكروفون في البدايات.

ومن أعد البرامج.

ومن وقف خلف الكاميرا.

ومن كتب النص.

ومن جلس في غرفة التحكم.

ومن كان يراجع اللغة والنطق.

ومن علم المبتدئين أبجديات المهنة.

فالذاكرة المؤسسية ليست ترفا.

إنها رأس مال معنوي.

والمؤسسة التي لا تحفظ ذاكرتها تضطر كل جيل إلى أن يبدأ من الصفر.

أما المؤسسة التي تعرف تاريخها فإنها تستطيع أن تبني عليه.

ولعل هذا هو الدرس الأهم الذي ينبغي أن يخرج به تكريم جابر المأمون.

لماذا لا يصبح تكريم الرواد تقليدا سنويا؟

لماذا لا تسجل شهاداتهم بالصوت والصورة؟

لماذا لا تنشأ خزانة رقمية تحفظ تاريخ الإذاعة والتلفزيون؟

ولماذا لا يكون لكل جيل فرصة للجلوس إلى الذين سبقوه والاستماع إلى تجاربهم قبل أن يأخذها النسيان؟

هذه ليست كماليات.

إنها حماية لذاكرة مؤسسة.

فالصور القديمة قد تبلى.

والأشرطة قد تتلف.

والأسماء قد تسقط من الذاكرة.

لكن المؤسسات التي تعرف قيمة تاريخها تستطيع أن تجعل من ذاكرتها جسرا إلى المستقبل.

وفي هذا السياق فإن تجربة الإعلام السوداني نفسها تزخر بقامات لم تكن ترى المهنة مجرد وظيفة وإنما مسؤولية تجاه المجتمع.

من مدرسة الإذاعة السودانية خرجت أصوات صنعت جزءا من وجدان الناس ومن الميكروفون عبرت أسماء إلى فضاءات أوسع ومن الاستديوهات بدأت تجارب بقي أثرها في الثقافة والإعلام السوداني.

وهذا التاريخ لا ينبغي أن يبقى أسير الذاكرة الشفوية.

بل يجب أن يتحول إلى مادة موثقة ومتاحة للأجيال.

أما جابر المأمون فإن أجمل ما يمكن أن يقال في حقه ليس أنه أمضى أكثر من ثلاثة عقود في العمل.

بل أنه أمضى هذه الاعوام وترك خلالها أثرا.

أن يذكرك الناس فيذكرون حسن الأداء.

واللغة.

والصبر.

والبشاشة.

والخلق.

وأن يتذكرك تلاميذك بما تعلموه منك.

وأن يتذكرك زملاؤك بما وجدوه عندك من عون.

وأن تتذكرك المؤسسة باعتبارك واحدا ممن صنعوا صورتها وراكموا خبرتها.

تلك هي الثروة الحقيقية للإعلامي.

ليست الكرسي.

ولا المسمى الوظيفي.

ولا عدد السنوات في ملف الموارد البشرية.

إنها الأثر.

ومن هنا يصبح تكريم جابر مناسبة للاحتفاء به نعم لكنه أيضا مناسبة للتذكير بأن أمثاله كثر.

وأن خلف كل ميكروفون قديم حكاية.

وخلف كل صوت مألوف عمرا.

وخلف كل مؤسسة إعلامية ذاكرة من البشر.

أما الأستاذ زهير الطيب بانقا فله تحية خاصة على هذه اللفتة.

ليس فقط لأنه بادر إلى التكريم وإنما لأنه اختار أن يقول لجابر ولغيره من أهل المهنة:

إن سنواتكم لم تذهب سدى.

إن المؤسسة تعرفكم.

وإن ما قدمتموه لم يغب عن الذاكرة.

وهذه رسالة مهمة في زمن تتسارع فيه الأسماء والوجوه ويكاد الحاضر يبتلع ما قبله.

فلا ينبغي أن نطفئ مصابيح الذين أضاءوا الطريق.

ولا أن نجعل التأبين هو الطريقة الوحيدة التي نتذكر بها أهل العطاء.

كرموا الناس وهم بينكم.

استمعوا إلى شهاداتهم وهم قادرون على روايتها.

وثقوا تجاربهم قبل أن تصبح الحكاية مبتورة.

فالمؤسسة العريقة ليست بالضرورة تلك التي تملك المبنى الأكبر أو الجهاز الأحدث.

المؤسسة العريقة هي التي تعرف من بناها.

وتحفظ أسماء الذين أعطوها من أعمارهم.

وتعرف أن الإنسان هو الذاكرة الأولى لأي مؤسسة وأن الوفاء له ليس منة وإنما جزء من أخلاق العمل.

لذلك حين تكرم قامة مثل جابر المأمون فإن التكريم لا يتوقف عند شخصه.

إنه تكريم للمهنة.

وتكريم للخبرة.

وتكريم للذاكرة.

وتكريم لجيل آمن بأن الإعلام ليس حضورا أمام الميكروفون أو الكاميرا فحسب وإنما مسؤولية وانضباط ومعرفة وخلق وأثر.

وحين يبادر إعلامي مثل زهير الطيب بانقا إلى تكريم إعلامي مثل جابر المأمون فإن أجمل ما في المشهد أن الرسالة تأتي من أهل الرسالة.

رجل يعرف المهنة.

ويعرف أهلها.

ويعرف أن بعض القامات لا تحتاج إلى شهادة جديدة بقدر ما تحتاج إلى أن تقول لها المؤسسة في الوقت المناسب:

نحن نرى عطاءك.

ونعرف فضلك.

ونحفظ لك مكانك في ذاكرة هذا البيت.

فشكراً للأستاذ زهير الطيب بانقا على هذه اللفتة التي أعادت للوفاء مكانه وللتكريم معناه.

وشكراً للزميل جابر المأمون وهو لا يزال بيننا يواصل عطاءه ويمنح من خبرته ويؤدي رسالته.

وتحية لإذاعة وتلفزيون الولاية ولكل الذين جعلوا من الكلمة مهنة ومن المهنة رسالة ومن الرسالة أثرا يبقى.

فالمؤسسات قد تتحول

والمقاعد قد تتغير

والأجهزة تتبدل.

والاستديوهات تحدث.

لكن الإنسان الذي أعطى المؤسسة من عمره يظل جزءا من تاريخها.

وحين نحفظ الإنسان نحفظ المؤسسة.

وحين نحفظ المؤسسة نحفظ ذاكرتنا.

وحين نحفظ ذاكرتنا فإننا لا نعيش في الماضي..

بل نمنح المستقبل جذورا يعرف بها من أين بدأ.

              عادل عبدالله عمر
مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات