تتجاوز السياسة الدولية في أوقات الأزمات الكبرى حدود التصريحات الدبلوماسية المعلنة، لتتحول اللقاءات والمبادرات إلى ساحات شطرنج معقدة تُدار فيها التوازنات بالخفاء. وفي قلب هذه الرمال المتحركة، يبرز الإصرار الأمريكي المستميت على فرض هدنة في السودان—والذي واجهته الخرطوم برفض رسمي متكرر، كان آخره موقفاً حاسماً لوزير الخارجية السوداني— إذ أنه لم يكن مسعى إنسانياً لإيقاف نزيف الدماء كما يُروَّج، ولكنه حلقة في سلسلة من المخططات الجيوسياسية ذات المرامي البعيدة.
إن الظاهر من هذا الضغط الدبلوماسي المتواصل قد يفسره البعض برغبة واشنطن في إيجاد متنفّس للمليشيات المتمردة، يتيح لها التقاط الأنفاس وإعادة التموضع والتقاط أنفاس الميدان بعد الخسائر المتلاحقة. غير أن الغوص في عمق المشهد يكشف أن ما خفي خلف أكمة الإصرار الأمريكي هو أعظم وأشد خطورة ، إنها محاولة خبيثة لإبطاء الحسم العسكري، وفرض واقع الدويلات المتعددة لتمرير مخطط تقسيم السودان، وإبقائه في حالة سيادة هشة لا تسمح له بامتلاك قراره السيادي.
كما لا يمكن قراءة هذا الضغط الدولي بمعزل عن الانفجار المكتوم في أروقة الدبلوماسية الإقليمية. فالصراع في السودان ألقى بظلاله الثقيلة على مثلث التوتر التليد بين القاهرة وأديس أبابا وأسمرة، وهو التوتر الذي تجسد مؤخراً في طرد متبادل للدبلوماسيين وعزلة قنصلية تعكس حجم الارتياب المتصاعد.
وواشنطن تدرك تماماً أن حسم المعركة في السودان لصالح مؤسسات الدولة الوطنية سيعيد تشكيل خارطة النفوذ في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وهو ما تسعى أطراف دولية وإقليمية لتجنبه. فبينما ترى مصر في استقرار السودان وتماسك جيشه خط حماية أول لأمنها القومي والمائي، تبدو إثيوبيا ميالة لموازنات تدعم إعادة تشكيل المنطقة بما يخدم مشاريعها الهيكلية وحلفاءها الدوليين، في وقت تحاول فيه إريتريا المناورة لمنع تحول حدودها المحاذية للسودان إلى بؤرة اشتعال دائمة.
وأحسب أن المقترح الأمريكي للهدنة، بعيداً عن ديباجاته الأنيقة، يحمل في طياته آليات التجميد التكتيكي للصراع، وهو النموذج الذي تُدار به النزاعات عندما يراد تحويلها من أزمات عابرة إلى واقع جيوسياسي دائم. فتجميد خطوط التماس دون حل جذر المشكلة العسكرية يعني بالضرورة وضع بذور التقسيم الفعلي على الأرض، وتمهيد الطريق لتقاسم السلطة مع الفصائل المسلحة، مما يفرغ مفهوم الدولة من مضمونه القانوني والسيادي.
ضمن هذا البعد غير المنظور، تتقاطع المصالح الدولية مع مخاوف القوى الإقليمية؛ فالخرطوم برفضها الصلب للهدنة المفروضة لا تدافع عن قرارها العسكري مجرداً ، ولكنها تخوض معركة الاستقلال الوطني ومقاومة إعادة هندسة المنطقة. ذلك لأن القيادة السودانية تدرك خطورة المقترحات الغربية مما يعكس وعيا بأن ثمن “الهدنة الزائفة” هو فرع من ثمن التقسيم الموجع، وأن إنقاذ ما تبقى من المليشيا في الميدان يعني بالضرورة إعدام المشروع الوطني السوداني.
ليبقى السؤال المطروح في أروقة القرار العالمي حاضراً: هل تنجح القوى الدولية في فرض شروطها عبر بوابة المساعدات والهدن الإنسانية، أم أن التصلب الدبلوماسي السوداني المشفوع بالتغيرات الإقليمية المحيطة سينهي حقبة الوصاية الخارجية، ويفرض معادلة جديدة تقودها إرادة الشعوب والدول الوطنية؟
