ليس خطيراً أن تعجز الحكومة عن إحداث التنمية؛ فالتقصير قد تُبرّره الضوائق المالية، والتعلل بقلة الحيلة بضاعةٌ كاسدة يُجيدها كل من جلس على سُدة الحكم. لكن الخطر الداحق والذي يستوجب قرع ناقوس الخطر بلا مهادنة هو أن تتحول السلطة التنفيذية من جهةٍ تُدير الموارد وتُنمّيها، إلى “دلالية” تجلس في سوق المزاد، تبيع أصول الدولة الثابتة وتُفرط في مستقبل أجيالها لترقيع عجزها الراهن!
ما يحدث في ولاية القضارف اليوم يتجاوز حدود سوء الإدارة إلى ممارسة “التجريف المالي” المنظم. منذ أن جلس الوالي على سُدة الحكم، لم يلمس المواطن إنجازاً شاخصاً سوى ثلاثة كيلومترات من الأسفلت المشكوك في جودته ومعاييره الهندسية، وتعبيد بضعة طرق ترابية تُذريها أول نفحة هواء وتنسفها أول سيول. يرافق هذا الجفاف التنموي انحيازٌ خدمي صارخ وتوزيعٌ غير عادل للمشاريع، يسترضي مناطق بعينها في قرى الوسط تحت ضغط أعيانها ونفوذهم، بينما تُترك مناطق بأكملها وعلى رأسها منطقة “غرب السكة حديد” تجتر الإهمال والنسيان الكامل.
لكن المأساة الحقيقية لا تتوقف عند الإهمال التنموي وحده، بل تكمن في الفلسفة المالية العقيمة التي تُدار بها الولاية. إن انكفاء الوالي وإصراره على استكمال مشروع “شارع الستين” دون خطة توظيف عادلة للموارد، أدخل الولاية في اختناق مالي وفجوة موارد حادة. وبدلاً من التفكير بعقلية رجل الدولة لبناء مصادر دخل مستدامة، استسهلت الحكومة الحلول السريعة والمدمرة: بيع الأراضي الشاغرة والتصرف في كل مساحة منسية. بل وصل الشغف بالبيع إلى تشكيل لجنة مهمتها الوحيدة التفتيش والبحث عن شواغر العقارات المميزة لتطويحها في السوق!
وحتى الأراضي والعقارات التي زُعم أن بيعها يتم باسم “التنمية”، لم تسلم من المحاصصة والطبخات الخفية. ودونكم صفقة منازل “حي ديم حمد” بوسط السوق؛ أُعلِن عنها بدايةً ببرقية المزاد العلني للإيهام بالشفافية والعدالة، ثم اكتملت الطبخة سِراً وتمريرها بنظام “التقسيط المريح”! أيُّ منطق استثماري هذا الذي يبيع أصول الدولة الاستراتيجية بالتقسيط المريح ليغطي مصروفات حكومية جارية؟!
هذه السياسة العقيمة أفرغت خزينة الولاية من إيرادات الإيجارات الدورية والمستقرة، فلجأت السلطة إلى جيب المواطن والتاجر عبر فرض المزيد من الرسوم والجبايات. تحولت القرارات الحكومية إلى “بعبع” يهدد استقرار السوق، وأصبح خيار “الإغلاق الشامل” هو اللغة الوحيدة التي يلوح بها التجار ردّاً على هذا الشره المالي المتزايد.
إذا استمرت حكومة القضارف في ثقافة البيع، فلن تجد على المدى القريب ما تسد به فوارق الموازنات أو تعالج به العجز الهيكلي؛ لأنها أعدمت المصادر الحقيقية للإيرادات. إن الحلول الترقيعية بزيادة رسوم الرخص أو محاولة رفع إيجارات عقارات قديمة لا تتجاوز 1200 عقار، هي حرثٌ في البحر ولن تجدي نفعاً. إن الحفاظ على عقارات الدولة وتنمية إيراداتها لا يتم بعقلية “السماسرة”، بل عبر صيغ الاستثمار الحديثة وعلى رأسها نظام البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT) الذي يحفظ الأصل للولاية ويضمن لها إيرادات مستقرة وآمنة.
نرفع هذا الصوت تحذيراً للرأي العام، ونحن نتابع ببالغ القلق المخطط الجاري هذه الأيام لإنشاء ما يُسمى بـ “سوق الكرامة” في منطقة الميناء الجاف، تهيئةً لإخلاء قسري متوقع لسوق المنطقة القديم جوار وزارة الصحة. والمعلومات الدقيقة التي وردتنا تشير إلى أن الكعكة قد قُسِّمت بالفعل، وأن تخصيص الأفران والدكاكين قد اكتمل داخل “الغرف المغلقة” بعيداً عن أعين الرقابة وحقوق المستحقين!
ألا فليعلم السيد الوالي وحكومته: إن الأراضي والعقارات والأصول ليست تركةً بلا وارث، ولا هي ملكٌ لحكومةٍ أُتِي بها لتُدير مرحلة انتقالية، بل هي أصولٌ سيادية وملكٌ أصيل لأجيال القضارف الحاضرة والقادمة. إن من يظن أن الغرف المغلقة ستستر صفقات التخصيص، أو أن سياسة “فرض الأمر الواقع” ستكسر إرادة الشارع والتجار، فهو واهمٌ يقف في الضفة الخاطئة من التاريخ.
إن حكومةً تُفرّط في أصولها لتسديد مصروفاتها اليومية هي حكومةٌ تُشعر الجميع بأزماتها العميقة، والتاريخ الصحفي لم يرحم يوماً من أبدلوا “فلسفة بناء الدولة” بـ “عقلية المزاد”. إن الشارع يرصد، والأرشيف يسجّل، والقلم لن يصمت حتى تُفتح الأبواب المغلقة، وتُعاد حقوق الولاية إلى نصابها كاملاً.. بلا محاصصة، وبلا تقسيط!
ولنا عودة لـ باقي الكلام..
