متابعات – المجد نيوز
في ظل تعقيدات الأزمة السودانية واستمرار الحرب، تتزايد الدعوات إلى حوار سوداني ـ سوداني باعتباره أحد المسارات الممكنة للوصول إلى تسوية وطنية شاملة. وفي هذا السياق، تطرح مبادرة تحالف الكيانات الوطنية السودانية «تكوين» رؤية تتجاوز فكرة المؤتمر السياسي التقليدي إلى حوار تأسيسي يستهدف معالجة جذور الأزمة وبناء مشروع وطني جديد. وذلك يتوافق مع ماتطرحه لجنة تهيئة الحوار السوداني السوداني
ويرى رئيس المبادرة، د. محمد عبدالله كوكو، أن التجارب السابقة أثبتت أن المشكلة لم تكن في غياب الحوار، وإنما في محدودية المشاركة، والمحاصصة، وضعف تنفيذ المخرجات. ويؤكد أن المطلوب اليوم هو الانتقال من التفاوض حول السلطة إلى التوافق حول الدولة، ومن إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها.
في هذا الحوار، يتحدث د. محمد عبدالله كوكو عن رؤية «تكوين» للحوار السوداني ـ السوداني، وفرص نجاحه، وأطرافه، وأجندته، وشروط تحويل مخرجاته إلى مشروع وطني قابل للتنفيذ.
د. محمد عبدالله كوكو، هل ترى «تكوين» أن السودان يحتاج إلى حوار سوداني ـ سوداني في هذا التوقيت؟
السودان يمر بأزمة غير مسبوقة، والحرب أفرزت واقعاً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً بالغ التعقيد. لذلك أصبح الحوار ضرورة وطنية، ليس باعتباره بديلاً عن أي مسار آخر، وإنما باعتباره وسيلة للسودانيين للجلوس معاً والبحث عن جذور الأزمة ووضع تصور مشترك لمستقبل الدولة.
السودان شهد مؤتمرات واتفاقات وحوارات كثيرة..
أين كانت المشكلة في التجارب السابقة؟
المشكلة لم تكن في غياب الحوار، وإنما في طبيعة الحوارات نفسها. كثير منها كان محدوداً أو ثنائياً أو موجهاً نحو تسوية أزمة آنية، كما أن بعضها انتهى باتفاقات لم تجد طريقها إلى التنفيذ. ولذلك نحن أمام حاجة إلى تغيير منهج الحوار وليس فقط الدعوة إلى مؤتمر جديد.
ماذا تقصدون تحديداً بعبارة «منهج جديد للحوار»؟
نقصد الانتقال من الحوار حول السلطة إلى الحوار حول الدولة، ومن التفاوض بين النخب إلى المشاركة الوطنية، ومن المحاصصة إلى الشراكة، ومن معالجة نتائج الأزمة إلى معالجة أسبابها وجذورها.
تضعون «الدولة أولاً» في مقدمة رؤيتكم.. ماذا يعني ذلك؟
يعني أن السؤال الأساسي لا ينبغي أن يكون فقط: من يحكم السودان؟ وإنما: أي سودان نريد؟ وما شكل الدولة التي نريد بناءها؟ وكيف نؤسس مؤسسات قادرة على حماية المواطن وإدارة التنوع وتحقيق التنمية والعدالة؟
هل يمكن أن ينجح الحوار في ظل استمرار الحرب؟
نعم، يمكن أن ينجح إذا تعاملنا معه باعتباره مساراً وطنياً استراتيجياً. الحوار لا يعني تجاهل الحرب، بل يجب أن يبحث في أسبابها وكيفية إنهائها ومعالجة آثارها، وأن يفتح الطريق أمام سلام مستدام وليس مجرد هدنة مؤقتة.
من هم الذين يجب أن يشاركوا في هذا الحوار؟
ينبغي أن يكون الحوار جامعاً لأصحاب المصلحة الحقيقيين، وأن يشمل القوى السياسية والمجتمعية والمهنية، والشباب والمرأة، والنازحين واللاجئين والمغتربين، والمجتمعات المتأثرة بالحرب، وفق معايير واضحة تضمن الجدية والتمثيل الحقيقي.
لكن كيف يمكن تحقيق الشمول دون أن يتحول الحوار إلى محاصصة سياسية؟
هنا تكمن أهمية المنهج. نحن لا نريد توزيع المقاعد والمواقع، وإنما نريد تمثيلاً حقيقياً للمجتمع السوداني. الغاية هي التوافق على مشروع وطني، وليس إعادة توزيع السلطة بين القوى المتنافسة.
هناك قوى سياسية ومجتمعية فقدت الثقة في بعضها بسبب الحرب..
كيف يمكن بناء الثقة؟
بتهيئة المناخ أولاً، والاستماع إلى الجميع، وإدارة الاختلاف بصورة سلمية، والابتعاد عن خطاب الكراهية والتخوين والإقصاء. لا يمكن بناء دولة مستقرة دون إعادة بناء الثقة بين مكوناتها.
ما القضايا التي يجب أن تكون على طاولة الحوار؟
القضايا كثيرة، وفي مقدمتها شكل الدولة ونظام الحكم والدستور، والمواطنة والهوية وإدارة التنوع، والعلاقة بين المركز والأقاليم، والسلام وإنهاء الحرب، والعدالة الانتقالية والمصالحة، وإصلاح مؤسسات الدولة والقطاع الأمني، والاقتصاد وإدارة الموارد، وإعادة الإعمار، إلى جانب قضايا التعليم والصحة والخدمات ودور الشباب والمرأة.
هل ترون أن الحوار يجب أن يناقش العلاقة بين الجيش والسياسة؟
بالتأكيد، لأن بناء الدولة يتطلب مؤسسات وطنية ومهنية وقادرة على أداء أدوارها وفق الدستور والقانون. وهذه قضية ينبغي أن تناقش في إطار وطني هادئ يضع مصلحة الدولة ووحدتها فوق المصالح السياسية.
وماذا عن العدالة الانتقالية والمصالحة؟
لا يمكن تحقيق سلام مستدام دون معالجة آثار الحرب والانتهاكات. العدالة والمصالحة وجبر الضرر يجب أن تكون جزءاً من المشروع الوطني، مع تحقيق التوازن بين متطلبات العدالة والحاجة إلى بناء السلام واستقرار الدولة.
تتحدثون عن عقد اجتماعي جديد.. لماذا؟
لأن الأزمة السودانية أعمق من خلاف سياسي عابر. نحن بحاجة إلى توافق حول علاقة المواطن بالدولة، وحقوق المواطنين وواجباتهم، وكيفية إدارة التنوع، وتوزيع السلطة والثروة، وشكل الدولة ومؤسساتها. وهذا في جوهره عقد اجتماعي جديد.
ماهو المطلوب لنجاح الحوار ؟
لابد أن تكون المخرجات محددة وقابلة للتنفيذ، وأن تتحول إلى سياسات وتشريعات وبرامج ومؤسسات، مع تحديد المسؤوليات والجداول الزمنية، وإنشاء آلية مستقلة للمتابعة والتقييم والمساءلة.
هل تقترح «تكوين» إنشاء مؤسسات دائمة للحوار؟
نعم. الحوار لا ينبغي أن يكون فعالية تنتهي بانتهاء المؤتمر. نحتاج إلى مؤسسة أو آلية وطنية محترفة لإدارة الحوار ومتابعة المخرجات وإدارة الاختلافات بصورة سلمية ومستدامة.
كيف تنظرون إلى الدور الإقليمي والدولي في الحوار السوداني؟
نحن نرحب بالدعم والخبرة والمساندة الإقليمية والدولية، لكن القرار يجب أن يكون سودانياً، وإدارة الحوار يجب أن تكون بأيدي السودانيين. المطلوب دعم لا وصاية، ومساندة لا إملاء.
كيف يمكن الاستفادة من فشل الحوارات السابقة في إنجاح الحوار السوداني السوداني ؟
إذا أعدنا إنتاج الحوارات السابقة بذات الأدوات والأطراف والمنهج، فستكون النتيجة بالتأكيد مختلفة قليلاً في الشكل، لكنها لن تختلف كثيراً في المضمون. أما إذا غيرنا المنهج، وذهبنا إلى حوار تأسيسي شامل يضع الدولة والمواطن فوق المصالح السياسية، فلدينا فرصة حقيقية للنجاح.
هل القوى السياسية السودانية مستعدة فعلاً للتنازل عن مصالحها لصالح المشروع الوطني؟
هذا هو الاختبار الحقيقي. لا يمكن أن ينجح أي حوار إذا دخلته القوى السياسية بعقلية الحصول على أكبر قدر من السلطة. المطلوب أن تدخل بعقلية الشراكة في بناء الدولة، وأن تقدم المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية والجهوية.
في كلمة واحدة، هل سينجح الحوار السوداني ـ السوداني؟
نعم، يمكن أن ينجح، ولكن ليس بأي صيغة. نجاحه مرتبط بكونه سوداني القرار، جامعاً، قائماً على الندية والمواطنة المتساوية، بعيداً عن المحاصصة والإقصاء، وله أجندة واضحة ومخرجات قابلة للتنفيذ والمتابعة.
إذاً، ما السؤال الحقيقي الذي يجب أن يجيب عنه الحوار؟
السؤال ليس فقط: من يحكم السودان؟ وإنما: أي سودان نريد؟ وكيف نبني الدولة التي يريدها السودانيون؟
وأخيراً، ما الرسالة التي تريد «تكوين» إيصالها من خلال مبادرتها؟
رسالتنا أن السودان لا يحتاج إلى انتصار طرف على طرف، وإنما يحتاج إلى أن ينتصر على أزمته التاريخية. نريد الانتقال من الحرب إلى السلام، ومن الانقسام إلى التوافق، ومن هشاشة الدولة إلى دولة المؤسسات، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل.
والصيغة التي نؤمن بها واضحة: حوار وطني جامع، يقود إلى توافق على المشروع الوطني، ثم عقد اجتماعي جديد، ثم دولة وطنية حديثة، وسلام مستدام وتنمية ونهضة.
