الثلاثاء, سبتمبر 15, 2026
الرئيسيةمقالاتحظر المواتر… الأمن والمعاش في ميزان القرار ...

حظر المواتر… الأمن والمعاش في ميزان القرار بقلم/ اسماعيل شريف

لا خلاف على أن الأمن أولوية، ولا خلاف كذلك على حق الدولة في اتخاذ ما تراه من إجراءات لحماية المواطنين والحد من الجريمة. لكن القرارات التي تمس حياة الناس اليومية لا ينبغي أن تُقرأ من زاوية واحدة، خصوصاً عندما يكون للقرار أثر مباشر على العمل والمعاش والحركة.

عاد الجدل حول حظر استخدام الدراجات النارية «المواتر» في ولاية الخرطوم، وهو حظر ليس جديداً في الواقع، وإنما يستند إلى قرارات وإجراءات أمنية متعاقبة بدأت بقرار والي الخرطوم رقم (3) لسنة 2024، الذي حظر استخدام الدراجات النارية داخل الولاية، مع استثناء حاملي التصاريح، وأعقبته حملات تنفيذ وضبط ومصادرة للمخالفين. وفي الأيام الأولى لتنفيذ القرار أعلنت السلطات ضبط 57 دراجة نارية.

لم تأتِ هذه الإجراءات من فراغ. فقد ارتبط استخدام المواتر، في سياقات الحرب والانفلات الأمني، بجرائم وأعمال عدائية، وأصبح الموتر في بعض المناطق وسيلة للحركة السريعة التي يستفيد منها مرتكبو النهب والخطف وغيرها من الجرائم. ولذلك فإن النظر إلى المسألة باعتبارها مجرد تضييق على المواطنين سيكون تبسيطاً غير منصف للمشكلة.
فالموتر بالنسبة إلى مواطن آخر ليس وسيلة جريمة، وإنما وسيلة للوصول إلى مكان العمل، أو أداة لكسب الرزق، أو وسيلة لنقل الطلبات والأدوية والطعام، أو وسيلة بديلة في مدينة تعاني أصلاً من صعوبة المواصلات وارتفاع كلفتها. وهنا تبدأ المسألة الحقيقية كيف تحمي الدولة الأمن من دون أن تجعل المواطن الملتزم يدفع وحده ثمن الجريمة التي ارتكبها آخرون واللافت أن تجربة الخرطوم نفسها تقدم لنا نموذجاً سابقاً يمكن العودة إليه.

ففي عام 2022 اتجهت السلطات إلى تنظيم استخدام الدراجات النارية ومنع حمل شخص آخر على الموتر، في إطار إجراءات استهدفت الحد من الجرائم التي تُرتكب باستخدام الدراجات النارية. وهذه تجربة مختلفة عن الحظر الشامل؛ إذ استهدفت إحدى صور الاستخدام التي ربطتها السلطات بالجريمة، بدلاً من منع وسيلة النقل ذاتها بصورة مطلقة.

وهذا التفصيل مهم؛ لأن السياسة الأمنية لا تقاس فقط بقدرتها على المنع، وإنما أيضاً بقدرتها على تحديد مصدر الخطر واستهدافه بدقة. إذا كان الخطر في موتر غير مرخص، فالمعالجة تكون بالترخيص واللوحات والحصر. وإذا كان الخطر في استخدام الموتر ليلاً، فالحظر الليلي قد يكون أكثر تناسباً من الحظر الكامل.

وإذا كان الخطر في حمل أكثر من شخص، فهناك سابقة لتنظيم هذه الحالة. وإذا كان الموتر مرتبطاً بجريمة محددة، فالمطلوب ملاحقة مرتكب الجريمة ومصادرة وسيلة ارتكابها وفق القانون. أما أن يصبح الموتر في ذاته محظوراً على كل المواطنين، فذلك يحتاج إلى تقييم مستمر هل حقق الحظر الغرض الأمني المطلوب؟ وما حجم الكلفة التي ترتبت عليه؟

وهنا لا ينبغي أن نستبدل انطباعاً بانطباع. فإذا كانت لدى الأجهزة الأمنية بيانات تثبت أن الحظر أدى إلى خفض ملموس في معدلات الجريمة، فإن هذه البيانات يجب أن تكون أساساً في تقييم القرار. وإذا لم توجد بيانات منشورة تقيس هذه النتيجة، فمن حق المجتمع أن يسأل عن مدى فاعلية الإجراء وعن البدائل الممكنة. فالأمن لا يتحقق بالقرارات وحدها، وإنما بقدرة الدولة على قياس نتائج قراراتها.

وفي الجانب الآخر هناك كلفة اجتماعية واقتصادية لا يمكن تجاهلها. فهناك عامل توصيل، وموظف، وصنايعي، وميكانيكي، وصاحب مشروع صغير، وأسرة تعتمد على دخل يومي يأتي من موتر. وهناك مواطن قد لا يجد وسيلة نقل مناسبة إلى عمله، فيصبح القرار الأمني في حياته اليومية قراراً اقتصادياً أيضاً. المشكلة إذن ليست في الموتر باعتباره آلة، وإنما في كيفية استخدامه. وهذا يفتح الباب أمام بدائل أكثر دقة حصر الدراجات وتسجيلها، إلزامها باللوحات، معرفة مالكيها وسائقيها، تشديد العقوبات على المواتر غير المقننة، تنظيم الحركة في الساعات والمناطق ذات المخاطر الأمنية العالية، استخدام الكاميرات والارتكازات، وربط التصاريح بالحاجة الفعلية، مع التعامل الصارم مع أي موتر يثبت استخدامه في جريمة. مثل هذه الإجراءات لا تعني التساهل مع الأمن، بل ربما تعني انتقال الدولة من سياسة المنع العام إلى سياسة الاستهداف الدقيق.

لقد مرت ولايات سودانية أخرى بتجارب مختلفة مع المواتر، من الحظر والمصادرة إلى تنظيم ساعات الحركة. وهذه السوابق تستحق الدراسة قبل اتخاذ قرار دائم، لأن ما يصلح في ظرف أمني معين قد لا يكون بالضرورة هو الخيار الأفضل بعد تغير الظروف. والقاعدة التي ينبغي أن تحكم مثل هذه القرارات بسيطة في جوهرها ان لا ضرر ولا ضرار.

فكما أن ترك وسيلة يستخدمها المجرمون دون رقابة قد يلحق الضرر بالمجتمع، فإن تعطيل وسيلة يعتمد عليها مواطنون في العمل والتنقل قد ينتج ضرراً آخر. المطلوب إذن ليس الاختيار بين الأمن والمعاش، وإنما البحث عن نقطة التوازن بينهما.

الدولة مطالبة بحماية المواطن من الجريمة، لكنها مطالبة أيضاً بألا تجعل المواطن الملتزم ضحية لإجراءات مكافحة الجريمة. والقرار الأفضل ليس بالضرورة القرار الأكثر تشدداً، وإنما القرار الذي يحقق أكبر قدر من الأمن بأقل قدر ممكن من الضرر على حياة الناس ومعاشهم.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات