الحجوة أو الحِجا في التراث السوداني تعنى السمر و الأنس في الليالي و أغلبها الليالي القمراء التي يكون فيها ضوء القمر محفزاً للسهر و السمر في الأرياف…….
في مثل هذه الليالي يتحلق الصبيان و الكبار في فناءت القرية للتسامر و اللعب ، بينما يلجأ الأطفال إلى كنف الأمهات و الحبوبات (للحجي)…….
الحَجِي و الحجوة هو تحوير لكلمة حكي و حكوة……
أم ضبيبينة إشارة للذبابة الصغيرة التي تطن في أذن الشخص بدون توقف . و كلما هشَّها من أذن تتحول للأذن الأخرى…….
حجوة أم ضبيبينة مثلٌ سوداني يضرب للحجوة أو القصة التي لا تنتهي إلى نتيجة تماماً مثل طنين تلك الذبابة…….
يأتي سياق هذا المثل فيما يشبهه تماماً من قصص و سرد و اتهامات تطل سنوياً برأسها بعد كل امتحان شهادة لا تخرج من (إطاريها) المصمم على الطعن في ذمة الشهادة السودانية و نجاح مدارس أبوذر الكودة دون غيرها……
في تقديري أن ما يدور من اتهامات و فرضيات لا يعدو عن كونه تشويش على منظومة الامتحانات التي ظلت صامدة مهما تغيرت الحكومات و الأنظمة…..
فكل الأنظمة السياسية التي تعاقبت في السودان منذ استقلاله استطاعت تغيير السلم التعليمي و المناهج . و توجيهها في الإتجاه الذي ينسجم مع مفاهيم نظامها الجديد . لكنها لم تستطع تغيير النظام الأساسي في إدارة شؤون إمتحانات السودان و نظامها و أسلوبها المعتمد و المتبع في مراحلها المختلفة حتى إعلان النتيجة . و يكفي أن هذا النظام أكسبها مصداقية و قوة . أضف الى ذلك أنها من الشهادات النادرة المعايرة مما عزز من ثقتها . لذلك مهما قدح القادحون فيها لن ينالوا منها و ستبقى الشهادة السودانية هي الرائدة في محيطها……
لمن يقولون أن ابوذر الكودة يشتري امتحانات الشهادة السودانية كل عام هم لا يقصدونه بل يريدون سلماً لإدانة امتحانات السودان و قتل الشهادة السودانية التي بقيت ( شوكة حوت ) لمن لا يعجبهم العجب و لا الصيام في رجب!!……..و هم بذلك يريدون قتل النجاح …..
وإذا كانت امتحانات الشهادة تباع في السوق كما يزعمون ، فلماذا للكودة حصرياً ؟…
أليس من الأوفى للبائع أن يوسع تجارته ليكسب عشرين ضعفاً مما يدفعه الكودة إذا أراد غنىً ؟….
أليس الأجدى له أن يبيع بمئة ترليون بدلاً من مئة مليار في سنة واحدة و يغادر المنصب قبل أن يكتشف؟؟؟….
أن مدراس الكودة لم تكن هي الأولى في الريادة و التميز في تاريخ امتحانات السودان . فقد سبقتها لذلك المدارس القومية الحكومية مثل خور طقت و حنتوب و وادي سيدنا و خور عمر على مر سنين ، فهل كانت هذه المدارس تشتري الامتحانات ؟…..
ليعلم الذين يقولون بهذا أن النجاح لا يتحقق بالمال و إنما بالإجتهاد و الصبر و المثابرة و الإرادة و التخطيط الجيد……..
أنا لا أعرف أبوذر الكودة و لم التقه غير مرتين في مناسبات اجتماعية…. فقط لقاءات عابرة لم نتبادل فيها حديث….. و لم أر ما يميزه عن الحضور من شدة تواضعه و بساطته لولا عرفني به من كان معه……
وقلت في نفسي :
ترى الرجل النحيف فتزدريه * و في ثيابه رجل وقور…….
كنت أظن أن الرجل كبير في سنه تحدق فيه الأبصار لترى ماذا يلبس ؟ ، و كيف يجلس ؟…… و تتبعه حواس الشم بماذا يتعطر ؟ ، و تصغي له الأذان كيف يتحدث ؟؟……
لكني وجدته شاباً في ريعانه ، اقترن اسمه بمؤسساته ، و سبقت اسمه إنجازاته…. و أحسبه من الشباب الطامحين…..
التقيت أحد معلميه يعمل معه بمدارسه بالقاهرة فشرح لي مدى الجهد الذي يبذله الرجل في كيفية تسيير عمل مؤسسته ، و الإمكانيات الهائلة التي يسخرها في سبيل توفير مدخلات جيدة من أجل مخرجات تعليم جيد . و لعل هذا من أسباب نجاح مؤسسته…….
ومن هنا رأيت أن المقارنة بين مؤسسة الكودة التعليمية أو أي مؤسسة خاصة على شاكلتها و بين التعليم الحكومي ليست في محلها…. وشتان ما بين من يدير مؤسسة أو شركة محدودة ، و من يدير حكومة بأكملها !….
و من هذا يأتي سؤالي مختلفاً عن غيره من الأسئلة المطروحة على الفضاءات … و هو ليس موجهاً لوزارة التربية لأني أعلم امكانياتها جيداً….. لكن سؤالي للمؤسسات التعليمية (النِّد) لمؤسسة الكودة :…
لماذا لم تحقق ما تحققه مؤسسة الكودة كل عام مع أنها تحصل نفس الرسوم الذي تحصلها مؤسسة الكودة من الطلاب ؟؟؟؟؟؟…
و لماذا لم توفر المدارس الأجنبية في السودان بيئة مثل بيئة مدارس مجتمع الخرطوم المملوكة لأسامة داؤود برغم من أن أغلبها يحصل الرسوم بالدولار ؟؟؟….
و لماذا لم تحقق الكليات الجامعية ما تحققه كلية مأمون حميدة من نجاحات ؟؟؟…..
و إذا كان السبب غلاء الرسوم ، ما الذي يمنعها من تحصيل رسوم مساوية له إذا كانت الرسوم تحقق النجاح؟؟؟….
النجاح ليس بالمقدرات المالية فحسب ، لأن المال مهما كثر لن يحقق النجاح ما لم يتبعه ” توظيف جيد + تخطيط جيد + اجتهاد + صبر + مدخلات جيدة بمختلف أنواعها “…..
و من يخطب الحسناء فليغلها المهر…….
و لعل الكودة ، و مأمون حميدة ، و أسامة داؤود ، و كل من سطع نجمه في عالم النجاح ، و من حذا حذوهم في سبيل تحقيق النجاح قد وظفوا أموالهم بطرق صحيحة ، انتهجوا الأساليب العلمية المتاحة لكل طالب نجاح إلا من قعد و تمنى على الله الأماني!!@….لذلك هم بنوا مدارج المستقبل :
معاهد العلم من يسخو فيعمرها
يبني مدارج المستقبل السنم
و واضع حجرٍ في أس مدرسة
أبقى على قومه من شائد الهرم
للأسف أرى كثيراً من أقلامنا و صحافتنا و صحفيونا و كتابنا يخرجون من (بياتهم) السنوي للهجوم على معاهد العلم أينما ارتقى منها معلم ، و بؤر النجاح أينما لاح منها بصيص ضوء حتى لو كان في ( آخر النفق )……يقولون أنهم يريدون بذلك الإصلاح . و إلا إذا أردنا إصلاحاً لماذا لا نقل للشخص أصبت هنا و أخفقت هناك ؟؟؟؟……
تعجني عبارة يرددها المحايدون من أهل الرياضة فيقولون ( نحن بنشجع اللعبة الحلوة )….
و بذات المعنى فلندع الحسد جانباً و نشجع استمرارية النجاح بدلاً من وأدها…….
و (إياكم و الحسد ، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب) صدق رسول الله….
و رحم الله الشيخ البرعي يقول في رائعته ( بوريك طبك) :
أدِ الأمانة إلى أهلها و لو كانت مساويكا
و لا تحسدن أحداً على نعمة
بل ادعو الذي أعطاه يعطيكا……
و أختم بقولي : ـ
لا تكن من أعداء النجاح
بل كن داعماً له أينما لاح
الأستاذ الغالي الزين حمدون
٢٠٢٦/٩/١٢م…
