لم تعد الصحافة في زمن الانكسار هذا مجرد مهنة للبحث عن الحقيقة أو الجهر بالحق، بل تحولت لدى البعض إلى ساتر زجاجي يُخفي خلفه صفقات المخارج الآمنة والتسويات التي تُدار في الغرف المغلقة. والواقعة التي تضع الشارع الصحفي اليوم أمام مرآة الحقيقة المرّة، لا تتعلق باختلاف في رأي أو معركة فكرية نبيلة، بل بصفقة مهينة يقدم فيها صحفي معروف على دفع المال مقابل شطب بلاغ مدون ضده، لا لشيء إلا ليلحق بركب الحاضرين في ملتقى الإعلاميين بالخرطوم!
إنها ليست مجرد تسوية قانونية أو إغلاق لملف قضائي، بل هي إعلان صريح عن أفول الأخلاق المهنية على مذبح الوجاهة الزائفة. كيف لقلمٍ ظل يصدح بالمبادئ، ويزعم ملاحقة تجاوزات المسؤولين، أن يهرول ليدفع ثمن “صك البراءة” بالمال حتى يتفادى أروقة المحاكم؟ وأي شجاعة هذه التي تسقط عند أول اختبار لتتحول إلى مساومة تجارية تُطوى فيها الأوراق تحت الطاولة؟
إن الحرص المستميت على الظهور في المحفل الإعلامي بالخرطوم كان يُفترض أن يكون دافعه تقديم رؤية أو تحمل مسؤولية الكلمة، لا أن يتحول الملتقى إلى مسرح لغسل الشبهات ومحاولة صناعة حضور شكلي على حساب النزاهة الشخصية. لقد أثبتت هذه الحادثة أن التقاط صورة في الصفوف الأولى أو الجلوس تحت أضواء الفلاشات بات لدى البعض أثمن بكثير من شرف الكلمة ومصداقية القلم.
إن الخطورة في هذه الواقعة لا تقف عند شخص هذا الصحفي وحد، بل تمتد لتصيب السلطة الرابعة في أعدل قيمها، وتعمق حالة الريبة والشك بين الشارع ووسائل الإعلام. فالكاتب الذي يشتري صمت البلاغات بالمال، يجرد مقالاته من أي قيمة أخلاقية، ويجعل من كل ما يكتبه مجرد حبر مغشوش لا يجاوز حدود الصفحة التي كُتب عليها.
إن إصلاح الحقل الصحفي لن يتأتى بالمؤتمرات الاستعراضية ولا الشعارات الفضفاضة، بل يبدأ بفرز الحنطة من الزوان، ومواجهة هذا الزيف بمنتهى الشفافية، حتى يعلم كل من يحمل القلم أن النزاهة لا تُجزأ، وأن المقاعد التي تُشترى بالتسويات المشبوهة لن تمنح صاحبها هيبة، بل ستظل وصمة عار تلاحقه كلما توقف عند حد الحقيقة.
