الإثنين, سبتمبر 7, 2026
الرئيسيةتقاريرالسفير السوداني لـ«منصة الحوار»: حوار شامل وعقد اجتماعي جديد.. والشعب صاحب الكلمة...

السفير السوداني لـ«منصة الحوار»: حوار شامل وعقد اجتماعي جديد.. والشعب صاحب الكلمة الفصل العبيد مروح: تجاوز الحرب يبدأ بإعادة تأسيس الدولة.. لا بإعادة توزيع السلطة

حوار : منصة الحوار

بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب، يجد السودان نفسه أمام اختبار يتجاوز سؤال وقف القتال إلى سؤال أكثر تعقيداً: أي دولة يريد السودانيون أن يبنوا بعد الحرب؟

فالحوارات السابقة لم تنجح في إغلاق دائرة الأزمات، فيما تحولت اتفاقات السلام في مراحل مختلفة إلى ترتيبات لتقاسم السلطة والثروة، من دون أن تنجح في معالجة الأسباب البنيوية التي ظلت تنتج الصراع.

في هذا السياق، يرى السفير العبيد مروح أن الفرصة الحالية ينبغي ألا تُهدر في إنتاج تسوية سياسية جديدة، بل يجب أن تتحول إلى مسار يؤسس لدولة مختلفة، محذراً من أن اختزال الحوار في اقتسام السلطة سيعيد إنتاج الأزمة بدلاً من إنهائها.

وفي حديثه لـ«منصة الحوار»، يضع مروح العقد الاجتماعي الجديد في قلب رؤيته لمستقبل السودان، ويرى أن الحوار ينبغي أن ينتهي إلى مشروع يُعرض على السودانيين للاستفتاء، ومنه يُصاغ دستور دائم يحكم البلاد.

من الإقصاء إلى الحوار

يبدأ مروح قراءته للحرب من أحد جذورها السياسية؛ فبرأيه، كان اعتماد الإقصاء والمواجهة بديلاً عن الحوار واحداً من أهم الأسباب التي قادت إلى الانفجار.

ومن هنا، فإن الاعتراف بالحاجة إلى حوار سوداني لا يستثني أحداً يمثل، بالنسبة إليه، «العتبة الأولى» على طريق إنهاء الحرب والوصول إلى تسوية تؤسس لسلام دائم.

لكن الحوار، في نظره، لا ينبغي أن يكون مجرد لقاء بين القوى السياسية وحملة السلاح. فالدرس الأهم من التجارب السابقة هو أن الأزمة السودانية أوسع من النخب التي اعتادت التفاوض باسم البلاد.

ويشدد على أن الحوار المطلوب يجب أن يكون شاملاً لمختلف أطياف المجتمع، وأن يخرج من دائرة النخب السياسية والعسكرية إلى المجتمع السوداني بمكوناته المختلفة.

«لا تقاسم للسلطة»

النقطة الأكثر وضوحاً في رؤية مروح هي رفض أن يتحول الحوار إلى صفقة جديدة لتوزيع السلطة والثروة.

ويقول إن تجارب السودان السابقة يجب أن تُدرس بعناية، لأنها تكشف مشكلات ظلت تتكرر منذ عقود، لكنه يرى أن أحد أبرز أوجه القصور كان اختزال التسويات في ترتيبات سياسية ومكاسب للفاعلين، مع ضعف الإرادة السياسية في تنفيذ ما تم الاتفاق عليه.

ويستحضر في هذا السياق اتفاقية أديس أبابا عام 1972، واتفاق السلام الشامل عام 2005، والحوار الوطني عام 2016، باعتبارها محطات تقدم دروساً مهمة في كيفية إدارة الأزمة السودانية وأسباب تعثر الاتفاقات.

ويعتقد أن الالتزام الحقيقي بمخرجات تلك التجارب، وتنفيذها بنزاهة وصدق، ربما كان سيجنب السودان جانباً من الأزمات التي أعقبت فشلها.

لكن مروح لا يرى أن الحل يكمن في تحسين آليات تقاسم السلطة، بل في تغيير السؤال نفسه.

السؤال، في رؤيته، ليس: من يحكم السودان؟ وإنما: كيف يُحكم السودان، وعلى أي أساس؟

سودانية القرار قبل سودانية المكان

لا تنفصل رؤية مروح للحوار عن مسألة التدخلات الخارجية. فهو يرى أن ضمان سودانية الحوار يبدأ بأن ينعقد داخل السودان، وأن يتولى السودانيون التخطيط له وإدارته بأنفسهم.

أما الخارج، فينبغي أن يكون دوره معاوناً ومسهلاً وشاهداً، لا طرفاً يصنع القرار أو يفرض مخرجاته.
ويقر بأن التدخلات الإقليمية والدولية ليست على درجة واحدة من التأثير، مشيراً إلى أن تأثيرها في القوى السياسية المعارضة أكثر وضوحاً،

ويرى أن ذلك يمكن أن يعرقل انخراط بعض الأطراف في الحوار.
ومن هنا، يضع مروح مسؤولية كبيرة على عاتق اللجنة التي تتولى المبادرة، ليس فقط في جمع الأطراف، وإنما في حماية استقلال العملية نفسها، وإقناع القوى الخارجية بأن يكون تأثيرها إيجابياً باتجاه مشاركة السودانيين جميعاً.

الحوار والجيش: معادلة ما بعد الحرب

في الملف العسكري، يطرح مروح تصوراً يقوم على إنهاء تعدد مراكز القوة المسلحة.

ويرى أن قضية الجيش والدعم السريع ينبغي أن يحسمها الحوار، وليس مجرد المبادرة، على أساس واضح: جيش وطني واحد.

وبحسب رؤيته، فإن القوى التي تحمل السلاح ينبغي أن تُدمج في المؤسسة العسكرية وفق أسس وطنية، أو تُسرّح، على أن يتم حسم هذه القضية قبل إجراء الانتخابات العامة.
فلا يمكن، وفق هذا التصور، بناء نظام ديمقراطي مستقر بينما تظل الدولة موزعة بين جيوش وتشكيلات مسلحة متعددة.

الشارع الذي تغيّر

ولا يغفل مروح عن التحول الذي طرأ على علاقة الشارع السوداني بالقوى السياسية خلال سنوات الحرب.

ويرى أن الشارع أصبح مصطفاً إلى جانب القوات المسلحة، وأن قطاعات واسعة منه لم تعد تولي القوى المدنية الاهتمام نفسه الذي كانت تحظى به قبل الحرب، باستثناء من وقف إلى جانبه خلال محنته.

وهذا الواقع، بحسب مروح، يضع القوى السياسية أمام اختبار صعب: استعادة ثقة الشارع.

ويرى أن المبادرة الحوارية يمكن أن تمنح هذه القوى فرصة لإعادة تقديم نفسها للمواطنين، لكن هذه الفرصة لن تكون كافية وحدها؛ إذ يتعين على القوى السياسية أن تثبت، بالممارسة، أنها قادرة على الانتقال من صراع النخب إلى خدمة المجتمع والدولة.

العقد الاجتماعي.. نقطة النهاية

هنا يصل مروح إلى جوهر رؤيته.فالضمان الحقيقي لنجاح الحوار، في رأيه، هو ألا ينتهي إلى اتفاق بين القوى السياسية، وإنما إلى مشروع عقد اجتماعي جديد يُستفتى السودانيون على إقراره.

ومن هذا العقد، يُصاغ دستور جديد يحكم البلاد، ويحدد شكل الدولة ومؤسساتها، ويؤسس لعلاقة جديدة بين السلطة والمجتمع.

وما عدا ذلك، كما يرى مروح، سيظل في خانة تقاسم السلطة.

ولهذا، فإن الحوار لا ينبغي أن تكون عينه على المكاسب السياسية المباشرة، وإنما على مستقبل السودان وكيفية حكمه برضا شعبه.

لا استعجال للنتائج

ويحذر مروح من استعجال نتائج الحوار، معتبراً أن طبيعة الأزمة السودانية وتعقيداتها تتطلبان عملية شاملة لا تختزل في مواعيد سياسية أو تفاهمات سريعة.

فالنجاح، بالنسبة إليه، لا يقاس بسرعة الوصول إلى اتفاق، وإنما بقدرة الاتفاق على إنهاء أسباب الصراع ومنع إعادة إنتاجه.

ومن هنا يضع عدة شروط لنجاح العملية: الشمول وعدم الإقصاء، وقف التدخلات الخارجية السالبة، عدم استعجال النتائج، ووضع مستقبل السودان فوق حسابات السلطة.

كما يدعو إلى وقف الدعم الخارجي للأطراف المسلحة، معتبراً أن استمرار هذا الدعم يمكن أن يقوض فرص الحوار ويزيد من صعوبة الوصول إلى تسوية سودانية حقيقية.

دولة جديدة لا هدنة مؤقتة

في النهاية، لا يتعامل مروح مع الحوار باعتباره مجرد محطة لإنهاء الحرب، وإنما يراه فرصة لإعادة تأسيس الدولة السودانية.

فالدولة التي يتصورها ليست مجرد نسخة محسنة من الدولة التي سبقت الحرب، بل دولة تقوم على عقد اجتماعي جديد، ودستور دائم، وجيش وطني واحد، وبرلمان منتخب، ومؤسسات تستمد شرعيتها من الإرادة الشعبية.

ولهذا تبدو رسالته الأساسية واضحة: السودان لا يحتاج إلى اتفاق جديد يعيد توزيع المقاعد والمناصب، بقدر ما يحتاج إلى اتفاق على قواعد الدولة نفسها.

وبينما تبحث القوى السياسية والعسكرية عن مخرج من الحرب، يطرح مروح سؤالاً أبعد من لحظة التفاوض: ماذا لو كان النجاح الحقيقي للحوار هو أن يجعل الحرب الأخيرة حرباً لا تتكرر؟
ذلك، في جوهر رؤيته، هو الاختبار الحقيقي للحوار السوداني.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات