الخميس, سبتمبر 3, 2026
الرئيسيةمقالاتحين يجلس المعلم على الأرض.. أي رسالة نبعثها إلى من يصنعون مستقبل...

حين يجلس المعلم على الأرض.. أي رسالة نبعثها إلى من يصنعون مستقبل الوطن؟بقلم: مجتبى ميرغني

ليست كل الصور بحاجة إلى كثير من التعليق حتى تقول شيئاً مؤلماً. أحياناً تكفي لقطة واحدة لتضع أمامنا سؤالاً أكبر من تفاصيل المناسبة نفسها: كيف نعامل المعلم الذي نطلب منه أن يصنع جيلاً جديداً؟

الصورة المتداولة من مناسبة مرتبطة بانتهاء أعمال رصد درجات امتحانات الشهادة السودانية تضع مشهدين في مواجهة بعضهما؛ ففي الجزء العلوي يظهر أشخاص يجلسون على مقاعد وثيرة داخل صالة، بينما يظهر في الجزء السفلي عدد من الأشخاص يتناولون الطعام جلوساً على الأرض إلى جوار السيارات، وسط أجواء تبدو مختلفة تماماً عن المشهد الأول.

وبحسب رسالة متداولة من أحد المعلمين المشاركين في أعمال تصحيح امتحانات الشهادة السودانية، فإن المعلمين الذين شاركوا في التصحيح لم تتم معاملتهم بالصورة التي تليق بدورهم، وأن الاحتفال أُقيم داخل الصالة بحضور بعض المسؤولين، فيما وُزع الطعام والمشروبات على المعلمين خارجها.

وإذا صحت هذه الرواية، فإن المسألة تتجاوز الطعام ومكان تناوله.

فالمعلم الذي أمضى ساعات طويلة في تصحيح أوراق الطلاب، وتحمل مسؤولية تتعلق بمستقبل آلاف الأسر، لا ينتظر بالضرورة مظاهر فاخرة أو احتفالات باهظة. لكنه يستحق شيئاً أبسط وأعمق: الاحترام والتقدير وحفظ الكرامة.

ليس منطقياً أن نطالب المعلم بأن يكون قدوة للطلاب، وأن نحدثه عن قيمة الإنسان وكرامته، ثم نغفل عن أبسط صور التقدير له عندما يؤدي مهمة وطنية شاقة.

والأشد إيلاماً في المشهد أن المقارنة لا تحتاج إلى كلمات؛ كرسي وثير في جهة، وأشخاص يتناولون الطعام على الأرض في الجهة الأخرى. هذه الصورة، بصرف النظر عن الملابسات التي أدت إليها، تفتح الباب أمام سؤال أخلاقي وإداري مهم: هل نحسن فعلاً تقدير من يقومون بالأدوار الأساسية في بناء الدولة؟

قد يقول قائل إن الجلوس على الأرض ليس بالضرورة إهانة، وإن ظروف المناسبة أو ضيق المكان أو ترتيبات التنظيم ربما كانت وراء المشهد. وهذا احتمال ينبغي عدم تجاهله، لأن الصورة وحدها لا تكشف كامل القصة.

لكن حتى مع وضع هذه الاحتمالات في الاعتبار، فإن المشهد يستحق المراجعة. فالمؤسسات التي تنظم مناسبات تكريم أو احتفاء بالعاملين فيها مطالبة بأن تضع كرامة الجميع في مقدمة أولوياتها، وألا تترك مجالاً لمشهد يمكن أن يُفهم منه وجود تمييز بين فئة وأخرى.

المعلم ليس رقماً في كشوفات الامتحانات، ولا مجرد مصحح لأوراق الإجابة.

إنه جزء من منظومة بناء الإنسان السوداني. ومن قاموا بتصحيح امتحانات الشهادة السودانية تحملوا مسؤولية دقيقة تتطلب التركيز والأمانة والوقت، لأن وراء كل ورقة طالباً وأسرة ومستقبلاً أكاديمياً ومهنياً.

ومن هنا فإن تقدير المعلم لا ينبغي أن يكون موسميّاً، ولا مرتبطاً بشعارات الاحتفال بيوم المعلم أو بانتهاء امتحان. التقدير الحقيقي يبدأ من ظروف العمل، ويمر بالحقوق والمستحقات، وينتهي بالمعاملة الإنسانية اللائقة.

لقد اعتاد المجتمع أن يرفع شعار «المعلم هو أساس نهضة الأمم». لكن النهضة لا تُبنى بالشعارات وحدها. الأمم التي تريد أن تنهض تُظهر احترامها للمعلم في الممارسة اليومية، لا في الخطب واللافتات فقط.

والسؤال الذي تطرحه هذه الصورة على المسؤولين ليس: لماذا جلس هؤلاء على الأرض؟

بل السؤال الأعمق هو: هل يشعر المعلم السوداني اليوم بأن المجتمع والدولة يقدّران فعلاً الدور الذي يقوم به؟

في بلد أنهكته الحرب والأزمات، قد تبدو تفاصيل مثل مكان تناول وجبة أمراً صغيراً أمام القضايا الكبرى. لكنها ليست صغيرة عندما تتحول إلى رمز لطريقة النظر إلى الإنسان الذي يؤدي عملاً عاماً.

فالكرامة لا تحتاج إلى ميزانية ضخمة، والاحترام لا يحتاج إلى بروتوكول معقد.

يكفي أن يشعر المعلم بأنه شريك في المناسبة، لا مجرد شخص يؤدي مهمة ثم يُترك خارج المشهد.

أما إذا كانت الصورة تعكس بالفعل سوء تنظيم أو تمييزاً في المعاملة، فإن الاعتذار وتصحيح الخطأ ليسا ضعفاً، بل مسؤولية. والمؤسسات المحترمة لا تُقاس فقط بقدرتها على تنظيم الاحتفالات، وإنما بقدرتها على الاعتراف بالأخطاء ومعالجتها.

وفي المقابل، من الإنصاف أيضاً ألا تتحول صورة واحدة إلى حكم نهائي على مؤسسة أو مسؤولين دون الاستماع إلى الطرف الآخر ومعرفة ملابسات الواقعة كاملة.

لكن الرسالة التي ينبغي ألا تضيع وسط الجدل هي أن المعلم يستحق الاحترام.

فإذا كنا نريد جيلاً يحترم معلمه، فعلينا أولاً أن نريه أن المجتمع يحترم المعلم.

وإذا كنا نريد وطناً ينهض بالتعليم، فعلينا أن نبدأ بإعادة الاعتبار إلى من يقفون في مقدمة هذه المسيرة.

فالأمم لا تنهض حين تُكرّم المظاهر وتُهمَل الكفاءات، ولا حين تُزيّن الصالات بينما تُنسى كرامة الإنسان خارج أبوابها.

والمعلم، قبل أن يكون مصححاً أو مراقباً أو موظفاً، هو إنسان يستحق أن يُعامل بما يليق بإنسانيته ودوره.

فاحترام المعلم ليس مجاملة للمعلم؛ بل احترام لمستقبل الوطن نفسه.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات