الخرطوم – المجد نيوز
يتصدر معاش الناس قائمة القضايا التي تجعل الحوار السوداني–السوداني ضرورة اقتصادية واجتماعية، وليس مجرد مسار سياسي لإنهاء الحرب. فارتفاع الأسعار وتراجع الدخول وانكماش الإنتاج فرضت ضغوطاً غير مسبوقة على ملايين السودانيين، ما يجعل أي حوار وطني مطالباً بوضع الاقتصاد ومعاش المواطنين في صدارة أولوياته. ويرى خبراء أن استعادة الاستقرار الاقتصادي تتطلب توافقاً سودانياً على سياسات تعيد الإنتاج وتضبط الأسواق وتحمي العملة وتوسع فرص العمل والدخل.
معاش الناس.. أولوية الحوار الوطني
لم يعد الحديث عن معاش الناس في السودان مجرد ملف اقتصادي، بل تحول إلى قضية يومية تمس حياة ملايين الأسر، في ظل الارتفاع المستمر في تكلفة الغذاء والخدمات، وتراجع الدخول والقدرة الشرائية، إلى جانب التداعيات المباشرة للحرب على الإنتاج والأسواق وحركة التجارة والنقل وسبل كسب العيش.
ويواجه المواطن السوداني ضغوطاً معيشية متزايدة وسط ارتفاع أسعار السلع والخدمات، فيما يرى مختصون أن الأسواق تعاني من ضعف الرقابة واتساع الفجوة بين الدخول وتكلفة المعيشة.
ويرى خبراء اقتصاديون استطلعت آراءهم منصة الحوار أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تقتصر على خفض الأسعار، وإنما تحتاج إلى حزمة متكاملة من السياسات الاقتصادية والإنتاجية والاجتماعية، تشمل زيادة الإنتاج، وضبط الأسواق، وحماية العملة الوطنية، وتحسين الدخول، إلى جانب تغيير السلوك الاقتصادي من الاستهلاك إلى الإنتاج والادخار.
ويقول الخبراء إن الحوار السوداني–السوداني يمكن أن يشكل إطاراً جامعاً للتوافق على هذه الأولويات، بعيداً عن التجاذبات السياسية، عبر وضع معاش المواطن والإنتاج والاستقرار الاقتصادي في صميم أي تسوية وطنية مقبلة.
الحرب عمّقت الأزمة
أدت الحرب في السودان إلى تعطيل قطاعات واسعة من الاقتصاد والإنتاج، وأثرت على حركة التجارة والأسواق والزراعة وسبل كسب العيش، ما انعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين.
ولا تتمثل المشكلة الأساسية بالنسبة للمواطن في ارتفاع الأسعار وحده، وإنما في الفجوة المتزايدة بين الدخل وتكلفة المعيشة. فالمواطن الذي يحصل على دخل ثابت يجد نفسه أمام أسعار متغيرة بصورة مستمرة، بينما تواجه الأسر التي تعتمد على الأعمال اليومية أو الأنشطة الصغيرة تحديات أكبر بسبب تراجع النشاط الاقتصادي، وصعوبة الحصول على السيولة، واضطراب الأسواق وسلاسل الإمداد.
ويزداد الضغط مع ارتفاع تكلفة السلع الأساسية، ولا سيما الغذاء، إلى جانب العلاج والتعليم والسكن والنقل والطاقة.
المهل: المواطن تكيّف مع وضع سيئ
وقال الخبير الاقتصادي البروفيسور عبد العظيم المهل إن إشكالية الوضع الراهن تتمثل في أن المواطن السوداني «كيّف نفسه مع وضع سيئ، لكنه سرعان ما أصبح يواجه وضعاً أسوأ مما كان عليه».
وأرجع المهل ذلك إلى السياسات المالية والنقدية المختلفة التي تتخذها الدولة، معتبراً أن جانباً كبيراً منها غير مدروس ومتذبذب، فضلاً عن عدم الاستقرار السياسي والأمني.
وأضاف أن المواطن السوداني نفسه يلعب دوراً في تعقيد الوضع، بسبب انخفاض معدلات الإنتاج وعدم السعي بصورة كافية إلى إيجاد حلول للمشكلات الاقتصادية والمعيشية.
وأكد أن أكثر الفئات تضرراً هي محدودو الدخل، من الموظفين والعمال وأساتذة الجامعات والمعلمين، باستثناء بعض العاملين بالدولة الذين تمت تسوية أوضاعهم، مبيناً أن أصحاب الدخول المحدودة أصبحوا يواجهون سعراً جديداً بصورة شبه يومية، نتيجة تغير سعر صرف الجنيه السوداني وزيادة الدولار الجمركي وعدم استقرار السياسات الاقتصادية.
وقال المهل إن المواطن العادي يشعر حالياً بأن «الحكومة لا تعمل من أجله»، بمعنى أن «الحكومة في وادٍ والشعب والمواطنون في وادٍ آخر».
وأشار إلى أن بعض المسؤولين يتحركون بأعداد كبيرة من السيارات الفارهة، بينما لا يتجاوز راتب معظم المعلمين، وفق تقديراته، نحو 25 دولاراً، فيما تبلغ دخول الأساتذة الجامعيين نحو 100 دولار.
سوق «منفلت» وضغوط متصاعدة على المواطن
وشدد المهل على أن المواطن السوداني أصبح يشتري سلعاً وخدمات بأسعار وصفها بأنها من بين الأغلى عالمياً، في ظل ضعف الرقابة الحكومية والخاصة، معتبراً أن السوق يعيش حالياً حالة من «الانفلات التام».
ولفت إلى أن المواطن نفسه أصبح يتعامل مع الشراء بصورة غير رشيدة، ويقبل أحياناً بأي سعر، في وقت يضع فيه كل متجر سعراً مختلفاً للسلعة ذاتها.
وأوضح أن ذلك يشمل العديد من السلع الغذائية والاستهلاكية، مثل اللحوم والخضروات والألبان والزيوت، مشيراً إلى أن ارتفاع أسعار بعض السلع لا يرتبط بالضرورة بحركة الصادر أو الوارد.
وقال المهل إن المواطن السوداني «مطحون ويواجه كل يوم ضغطاً إضافياً»، محذراً من أن استمرار هذه الأوضاع قد يقود إلى مرحلة أكثر خطورة.
قرارات حكومية لتخفيف الأعباء
وشهدت الفترة الماضية صدور عدد من القرارات والتوجيهات الحكومية الرامية إلى تخفيف أعباء المعيشة على المواطنين وتشجيع العودة الطوعية.
وشملت الإجراءات إعفاء جميع المواطنين في البلاد من رسوم المياه للقطاع السكني حتى نهاية العام 2026، مع التوجيه بتحسين إمدادات المياه وإضافة محطات جديدة.
كما تضمنت إعفاء منظومات الطاقة الشمسية المستوردة للاستخدام الشخصي من الرسوم الجمركية والضرائب وكافة الرسوم الأخرى، إلى جانب توجيه رئيس الوزراء الجهات المختصة بتسهيل التمويل الميسر للطاقة الشمسية للاستخدام الشخصي.
وتضمنت التوجيهات كذلك تفعيل وضبط مراكز وأسواق البيع المخفض في أنحاء البلاد، بهدف تخفيف أعباء المعيشة عن المواطنين.
أميرة: نحتاج إلى الانتقال من الاستهلاك إلى الإنتاج
من جانبها، قالت د. أميرة محمد علي إن تحسين الأوضاع المعيشية في السودان يحتاج إلى تغيير نمط الحياة والسلوك العام، بحيث ينتقل المجتمع تدريجياً من النمط الاستهلاكي إلى الإنتاج والادخار.
وأوضحت أن الفرد في السودان غالباً ما يخطط لمنصرفاته أولاً، ثم ينظر إلى ما يتبقى للادخار، بدلاً من وضع الادخار ضمن الأولويات منذ البداية.
وأضافت أن المجتمع السوداني يميل إلى الاستهلاك أكثر من الإنتاج، وغالباً ما يبحث عن «منطقة الراحة»، ولا يتجه إلى البحث عن مصادر دخل إضافية إلا عند الضرورة والحاجة.
وشددت على أهمية الدور الذي تلعبه رائدات الأعمال السودانيات، مشيرة إلى بروز تجارب عديدة في مجالات مختلفة، خاصة بعد الحرب، من بينها تصميم الثياب، وإنتاج العطور السودانية، ومنتجات العناية بالبشرة.
وقالت إن الفرد السوداني يتمتع بقدرات ومهارات كبيرة تتمنى كثير من الشعوب امتلاكها، إلا أن هذه القدرات لا تُستغل وتُوظف بالشكل الأمثل.
من مستهلك إلى منتج
ودعت أميرة إلى التحول من مجتمع مستهلك إلى مجتمع منتج، معتبرة أن ذلك يتطلب تغيير النظرة إلى بعض العادات والتقاليد وأنماط الإنفاق السائدة.
وأشارت إلى إمكانية توجيه جزء من النفقات إلى مشروعات صغيرة يمكن رعايتها وتطويرها مستقبلاً، بدلاً من استهلاكها بالكامل، مستشهدة بما وصفته بالتجربة السورية في السودان، حيث استفاد سوريون من وجودهم في البلاد وأسسوا العديد من المشروعات والأعمال الصغيرة.
وأشارت إلى تجربة منطقة كافوري في زراعة الطماطم، التي ساهمت، قبل الحرب، في توفيرها بالأسواق على مدار العام بعد أن كان وجودها موسمياً.
وذكرت أن عدداً من السوريين عادوا إلى البلاد بعد توقف الحرب في ولايتي الخرطوم والجزيرة، معتبرة أن بعضهم رأى في هذه المرحلة فرصة للاستثمار والعمل، في ظل خروج عدد كبير من المستثمرين من السوق.
وأكدت أن الظروف المعيشية الصعبة، رغم قسوتها، لا ينبغي أن تمنع أصحاب الأفكار والمشروعات المبتكرة من العودة إلى العمل والإنتاج، معتبرة أن الحكومة لا تملك «عصا سحرية» لنقل الأوضاع من القاع إلى القمة، وأن تجاوز الأزمة يحتاج إلى جهود الشعب وتكاتفه وإرادته.
تحذير من استغلال الأزمة الاقتصادية
وحذرت أميرة من خطورة غياب الوازع الديني والأخلاقي في استغلال الظروف الاقتصادية الصعبة، مشيرة إلى ممارسات بعض تجار العملة والسماسرة التي تسهم، بحسب تقديرها، في الضغط على العملة المحلية ورفع أسعار العملات الأجنبية.
ودعت إلى وضع قوانين صارمة وتطبيقها على كل من يتلاعب بالاقتصاد أو يسهم في إضعافه، إلى جانب توفير فرص تمويل واستثمار مدروسة للمستثمرين وأصحاب المشروعات الذين يحتاجون إلى رأس المال أو تضررت مشروعاتهم جراء الحرب.
وربطت أميرة الخروج من الأزمات الحالية والنهوض بالبلاد بأمرين أساسيين، هما الحب والولاء للوطن، ونبذ العنصرية وتوحيد الصفوف ووضع مصلحة السودان في المقدمة.
وقالت إن ما يوفره الاغتراب من ملذات الحياة لا يمكن أن يعوض الإنسان عن وطنه، مؤكدة أن «أرض الوطن» تظل الملاذ الآمن.
أبو صالح: دعم الزراعة والصناعة والصادر
من جانبه، قال الخبير المصرفي علي محجوب أبو صالح إن تحسين معاش الناس بعد الحرب يتطلب توجهاً واضحاً من الدولة لدعم القطاعات ذات الأولوية، وعلى رأسها القطاع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني، والقطاع الصناعي، وقطاع الصادر، إلى جانب الخدمات المرتبطة بحياة المواطن.
وأوضح أن دعم هذه القطاعات يسهم في تقليل الاعتماد على الاستيراد وتوفير النقد الأجنبي، داعياً بنك السودان المركزي إلى إلزام المصارف بتخصيص نسب محددة من إجمالي محافظ التمويل للقطاعات الإنتاجية ذات الأولوية.
كما دعا إلى تشجيع قطاع الصادر ومنحه حوافز تساعد على انسياب حصائل الصادر وتوفير النقد الأجنبي اللازم للاستيراد المرشد.
وشدد أبو صالح على أهمية حماية العملة الوطنية من الانهيار وتدهور القوة الشرائية، في ظل موجات التضخم المرتفعة، إلى جانب ضبط سوق النقد الأجنبي والحد من المضاربات من خلال سياسات واضحة وتشريعات فعالة.
إعادة الأسواق المخفضة وبرامج الدعم
ودعا أبو صالح إلى إعادة تجربة الأسواق الاقتصادية التي كانت معمولاً بها قبل الحرب، بما يسهم في توفير السلع الغذائية بأسعار في متناول المواطنين.
كما اقترح إعادة برنامج «ثمرات» أو استحداث برامج دعم اجتماعي أخرى للتقليل من آثار الحرب وما تبعها من ارتفاع معدلات التضخم والأسعار.
وشدد على ضرورة توفير ودعم الخدمات الأساسية، وعلى رأسها التعليم والصحة والمياه والكهرباء، لمساعدة الشرائح الضعيفة على تجاوز «الظرف الاستثنائي».
ودعا إلى تشجيع مشروعات التمويل الأصغر والصغير وتوجيهها نحو القطاعات الإنتاجية، مع منحها ميزات تفضيلية مقارنة بالتمويلات الأخرى.
وأشار إلى أن تمويل هذه المشروعات يمكن أن يساعد الفئات الفقيرة والنشطة اقتصادياً، ويسهم في توفير جزء من السلع والخدمات وزيادة الناتج المحلي الإجمالي.
وفي ما يتعلق بالأجور، دعا أبو صالح إلى زيادة الحد الأدنى للأجور بما يتوافق مع معدل التضخم السائد، مع مراعاة قدرة الدولة على زيادة الإنتاج والإيرادات، مؤكداً أن رفع الأجور يرتبط بصورة أساسية بزيادة الإنتاج وتحسين الإيرادات.
توافق اقتصادي.. ومعاش الناس في صدارة الحوار
واتفق الخبراء على أن تحسين معاش السودانيين لن يتحقق عبر إجراء منفرد، وإنما يحتاج إلى معالجة متزامنة لثلاثة مسارات رئيسية: زيادة الإنتاج والدخل، وضبط الأسواق والأسعار، وتوفير الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر ضعفاً.
ويبرز، في هذا السياق، الحوار السوداني–السوداني كمسار يمكن أن يضع أساساً لتوافق وطني حول أولويات الاقتصاد ومعاش المواطنين، من خلال الاتفاق على سياسات واضحة لدعم الإنتاج والزراعة والصناعة والتجارة، وإعادة بناء الأسواق، وحماية القوة الشرائية، وتوفير فرص العمل.
فإنهاء الحرب، وفق هذا المنظور، لا يكتمل بمجرد وقف القتال، بل يحتاج إلى مشروع اقتصادي وطني يعيد عجلة الإنتاج، ويخفف أعباء المعيشة، ويمنح السودانيين أملاً عملياً في استعادة حياتهم ودخولهم وقدرتهم على بناء مستقبلهم.
