تحقيق : انتصار فضل الله
في بلد أنهكته الحرب، لم تعد مهمة الهلال الأحمر السوداني تقتصر على تقديم المساعدات الإنسانية في أوقات الطوارئ، بل امتدت إلى الإسعاف، وإدارة الجثامين، ودعم المدارس، وتوفير مستلزمات الوقاية، وتنشيط العمل التطوعي، وإعادة بناء قدرات الفروع التي تضررت أو تعطلت خلال الحرب.
ومنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، واصل الهلال الأحمر السوداني العمل عبر متطوعيه في مناطق مختلفة من البلاد، رغم اتساع رقعة الاحتياج وصعوبة الحركة والمخاطر الأمنية.
وبحسب بيانات منشورة عن الجمعية، قدمت تدخلاتها الإنسانية خلال الفترة من أبريل 2023 وحتى نهاية 2024 مساعدات لنحو 1.35 مليون شخص، فيما استمر العمل الإنساني خلال 2025 عبر برامج الغذاء والدعم النقدي والصحة والمياه والإسعافات الأولية وغيرها.
وفي ولاية الخرطوم، اتخذت الاستجابة أشكالاً متعددة؛ من دعم التكايا وتوزيع الغذاء والمياه، إلى الإسعاف والتدخلات الصحية، وإدارة الجثامين، وتدريب المتطوعين، والمشاركة في الاستجابة للطوارئ.
لكن قبل وصول هذه المساعدات، كانت مناطق واسعة من الخرطوم تواجه واقعاً إنسانياً بالغ القسوة؛ خدمات صحية متعثرة، إسعاف محدود، نقص في الغذاء والمياه والدواء، وصعوبة في الوصول إلى المصابين والتعامل مع الجثامين، فيما جعلت العمليات العسكرية الحركة بين الأحياء والمناطق المتضررة محفوفة بالمخاطر.
في هذا الفراغ الإنساني، بدأت جمعية الهلال الأحمر ومتطوعوها التحرك، وفق شهادات مواطنين ومسؤولين ومتطوعين، في محاولة للوصول إلى الأسر الأكثر احتياجاً وتقديم ما يمكن من مساعدات وخدمات.
وتكشف مذكرة تسليم وتسلم بفرع الهلال الأحمر السوداني بولاية الخرطوم، مؤرخة في 24 يوليو 2025، عن حزمة من الأعمال التي قالت الإدارة السابقة إنها نفذتها خلال الفترة من نوفمبر 2024 وحتى 7 يوليو 2025، وشملت الجوانب الإدارية واللوجستية والإغاثية والتطوعية والصحية.
لكن خلف هذه الأرقام والإنجازات المعلنة، تبرز أسئلة أخرى: إلى أي مدى وصلت الخدمات إلى المواطنين؟ وهل انعكست عمليات إعادة ترتيب الفرع وتجهيزه على العمل الميداني؟ وكيف عاش المتطوعون هذه التجربة؟ وهل كانت الاستجابة بحجم الاحتياج؟
فراغ إنساني
منذ اندلاع الحرب، وجد المدنيون في مناطق واسعة بالخرطوم أنفسهم أمام واقع إنساني شديد القسوة. تعطلت الخدمات الصحية، وتراجعت قدرة المرافق الطبية على العمل، وتوقفت أو تعثرت خدمات الإسعاف، واضطر آلاف السكان إلى النزوح من مناطقهم بحثاً عن الأمان.
وفي المناطق التي شهدت عمليات عسكرية، أصبحت الحاجة إلى الإسعافات الأولية ونقل المصابين والتعامل مع الجثامين وتوفير مستلزمات الوقاية أكثر إلحاحاً، في وقت كانت فيه المؤسسات الصحية والإنسانية تعمل وسط مخاطر أمنية ولوجستية كبيرة.
ولم تكن المشكلة التي واجهت ادارة الجمعية وقتها مرتبطة فقط بالنازحين. فهناك كثير من السكان المقيمين فقدو مصادر دخلهم، ووجدوا أنفسهم مضطرين إلى تقاسم ما لديهم مع أسر نازحة لجأت إليهم.
وهذه النقطة يؤكدها المدير السابق لفرع الهلال الأحمر بولاية الخرطوم، المهندس أسامة مصطفى سليمان، الذي قال ل” المجد نيوز ‘ إن الاحتياج كان كبيراً، وإن ما قدم من دعم لم يكن متناسباً مع حجم المطلوب.
وأوضح أن التركيز في بداية الاستجابة كان على النازحين، قبل أن تتجه الجمعية إلى توسيع نطاق تدخلها ليشمل السكان المقيمين، باعتبار أن كثيراً منهم فقدوا مصادر دخلهم واستضافوا نازحين في منازلهم.
ويقول سليمان إن متطوعي الخرطوم عملوا خلال الحرب في نطاقات جغرافية محدودة بسبب صعوبة الحركة، وإن بعضهم كان يقطع مسافات طويلة عبر مناطق آمنة للوصول إلى مواطنين يحتاجون إلى خدمة طبية أو غذاء أو مساعدة إنسانية.
وبحسب إفادته، بلغ عدد المستفيدين من تدخلات فرع الهلال الأحمر السوداني بولاية الخرطوم 2,895,500 فرد، أي ما يعادل نحو 579,100 أسرة خلال الفترة الأولى من الاستجابة.
ويشير سليمان إلى أن التركيز في الفترة الأولى كان داخل محلية كرري، قبل أن تتوسع التدخلات لتشمل كل محليات ولاية الخرطوم السبع.
ويكشف هذا التوسع الجغرافي عن انتقال الاستجابة من نطاق محلي محدود إلى تغطية أوسع، مع بقاء حجم الاحتياج الإنساني وتفاوت القدرة على الوصول بين منطقة وأخرى من أبرز التحديات التي واجهت العمل.
«طرق الأبواب»..المساعدة تصل إلى الأحياء
في أم درمان ومحلية كرري، يقول مواطنون إن دور الهلال الأحمر والمتطوعين تعاظم خلال فترة الحرب، خلال عهد المهندس اسامه خصوصاً في المناطق التي شهدت مواجهات وأصبحت الخدمات الأساسية فيها محدودة أو متوقفة.
ويشير مواطنون إلى أن متطوعي الجمعية كانوا يتحركون بين الأحياء ويطرقون أبواب السكان لتوزيع الغذاء والكساء والمواد التموينية، إلى جانب تقديم المساعدات والإسعافات الأولية وفق الإمكانات المتاحة.
ويقول أحمد حسين، أحد سكان أم درمان القديمة، وهي من المناطق التي شهدت القتال، إن تدخلات الهلال الأحمر أسهمت في إنقاذ حياة أسر في المنطقة، واصفاً الوضع الإنساني قبل وصول المساعدات بأنه «مأساوي».
ويضيف ل” المجد نيوز ” أن وصول المساعدات والتدخلات الإنسانية أحدث فرقاً لدى السكان الذين كانوا يواجهون صعوبات في الحصول على الغذاء والدواء والخدمات الأساسية.
وتدعم وقائع ميدانية منشورة جانباً من هذه الرواية؛ ففي نوفمبر 2024 وزع فرع الهلال الأحمر بولاية الخرطوم مواد غذائية على عشر تكايا في أمبدة، استفادت منها 1304 أسر، كما أعلن الفرع في اليوم التالي عن توزيع مساعدات غذائية على تكايا في أم درمان استفادت منها 4720 أسرة، إلى جانب توزيع مياه ومواد نظافة على عدد من المستشفيات.
وفي أكتوبر 2024، دشّن الفرع تكية للوافدين في الدروشاب والكوداب، وبلغ عدد المستفيدين في اليومين الأول والثاني 185 مستفيداً، بمشاركة 40 متطوعاً ومتطوعة.
هذه الأرقام لا تعني أن الاحتياج انتهى؛ لكنها تكشف أن التدخل لم يكن نشاطاً رمزياً، وإنما وصل فعلياً إلى آلاف الأسر في مناطق متضررة.
حضور ميداني وسط العمليات العسكرية
ويقول المك حسن موسى فضل توفيق، قائد كتائب قطاع غرب امدرمان ل” المجد نيوز ” ، إن الوضع خلال تلك الفترة كان يحتاج إلى تدخلات عاجلة، مشيراً إلى وجود شراكة وتنسيق مع الهلال الأحمر امتدت منذ فترة مبكرة من الحرب.
ويصف دعم الجمعية والمتطوعين بأنه كان «قوياً» خلال تلك المرحلة، مشيراً إلى أن الهلال الأحمر كان حاضراً، بحسب إفادته، منذ نوفمبر 2023 وأن دعمه استمر خلال ما وصفه بـ«معركة الكرامة».
ويشيد بالدور الذي قدمه المدير السابق للجمعية قائلا إنه ساندهم خلال تلك الفترة،
ويعرب توفيق عن تقديره لكل من أسهم في دعم جهودهم خلال الحرب، مؤكداً أن تلك المواقف «لن تُنسى»، وفق تعبيره.
وتقدم هذه الإفادة شهادة من منطقة كانت تشهد عمليات عسكرية، وتسلط الضوء على الظروف التي عمل فيها الهلال الأحمر والمتطوعون، لكنها في الوقت ذاته تضع العمل الإنساني أمام سؤال حساس يتعلق بكيفية الحفاظ على استقلاليته وحياده أثناء التعامل مع واقع تسيطر عليه أطراف مسلحة.
بين الحياد ومخاطر الوصول
لا يمكن قراءة شهادة قائد قطاع الغرب بمعزل عن طبيعة العمل الإنساني في مناطق النزاع.
فالعامل الإنساني لا يواجه نقص الموارد فقط، وإنما يواجه أيضاً صعوبة الوصول، ومخاطر الحركة، والحاجة إلى التنسيق لتأمين المرور، فضلاً عن التعامل مع أطراف متعددة ومواقع تتغير بفعل العمليات العسكرية.
ويؤكد المدير السابق للجمعية أسامة مصطفى أن الأمان كان أحد أكبر التحديات أمام المتطوعين، وأن العمل في المناطق غير الآمنة كان يتم بالتنسيق مع الجهات الموجودة في المنطقة، وفق ما تسمح به الظروف والقواعد المنظمة للعمل الإنساني.
وقال إن بعض المتطوعين توقفوا عن العمل بسبب ضعف الأمان وعدم وجود ضمانات كافية، مؤكداً أن أولوية الجمعية هي سلامة المتطوع.
كما أشار إلى وجود تنسيق مع الجهات ذات الصلة لتحديد المناطق الآمنة، معتبراً حماية المتطوعين أولوية أساسية.
وهنا تكمن إحدى أكثر القضايا حساسية في تجربة الهلال الأحمر خلال الحرب: كيف استطاع الوصول إلى المحتاجين دون أن يتحول التنسيق الضروري للسلامة إلى ما يمس استقلال العمل الإنساني؟
من «سجلات فقط» إلى مركز للاستجابة
خلف التدخلات الميدانية، كانت هناك معركة أخرى لإعادة بناء الفرع نفسه.
وبحسب إفادة المتطوع محمود محمد عبدالله، لم يكن الفرع عند تولي الباشمهندس أسامة مصطفى سليمان إدارته سوى «سجلات فقط»، قبل أن تبدأ عملية إعادة تأسيسه وتجهيزه وإعادة تفعيل دوره.
وشملت عملية إعادة التأسيس إنشاء مقر متكامل وتجهيز المكاتب باحتياجاتها الأساسية، إلى جانب توفير الطاقة البديلة وخدمة الإنترنت المجانية للموظفين والمتطوعين.
وفي ظل الإظلام التام الذي شهدته الخرطوم، تحول المقر إلى ملاذ للموظفين والمتطوعين لشحن الهواتف والحفاظ على التواصل مع الأهل.
كما جرى تفعيل نظام «الموظف الإلكتروني» من خلال تزويد الموظفين بأجهزة حاسوب محمولة وخدمة الإنترنت، بما أتاح استمرار العمل في ظروف الحرب.
ماذا تقول مذكرة التسليم والتسلم؟
تكشف مذكرة التسليم والتسلم المؤرخة في 24 يوليو 2025 عن تفاصيل واسعة لعملية إعادة بناء الفرع وتجهيزه خلال الفترة من نوفمبر 2024 وحتى 7 يوليو 2025.
وتشير المذكرة إلى أن الإدارة السابقة عملت على إعادة ترتيب مقر الفرع وتجهيزه، بعد العثور على عدد من قطع الأثاث المكتبي المفقودة من المكتب القديم، شملت مركبتين، ودولاباً قديماً، و«ترابيزة» وطقم جلوس كامل، جرى نقلها وتجهيزها بالمكتب الجديد.
كما تضمنت الأعمال شراء بقية أثاث المكتب من مدينة عطبرة، واختيار فريق عمل لإدارة الفترة، وفتح حساب خاص بالفرع في بنك الخرطوم.
واستأجرت الإدارة مكتباً يتكون من ثلاث شقق، جرى تجهيز اثنتين منها كمكاتب، فيما خصصت الثالثة للاستراحة، وتتكون من غرفتين، في ظل عدم توفر فنادق بمحلية كرري، مع عدم ضمان السكن خارج المكتب.
وشملت التجهيزات إنشاء أربعة مكاتب بكافة أدواتها وأثاثها، وتوفير ثمانية أجهزة حاسوب محمولة للإدارات والأقسام، بينها الإمداد والحسابات والإعلام والطوارئ وتنمية المتطوعين والصحة والسكرتارية، إضافة إلى جهاز احتياطي.
كما تم توفير أربع طابعات وآلتي تصوير، وتجهيز قاعة للاجتماعات بشاشة، ومكتب وشاشة لمكتب المدير، وتركيب نظام للطاقة الشمسية وجهاز «ستارلنك».
وجرى كذلك استئجار مكتب خاص بالمتطوعين يضم مكتباً وقاعة تدريب مجهزة، إلى جانب غرفة استراحة احتياطية للضيوف.
التمويل.. مواد عينية وإنفاق على البرامج
وبحسب إفادة أسامة ، لم يكن التمويل الذي اعتمد عليه الفرع في تنفيذ تدخلاته من مصدر واحد، وإنما اتخذ شكلين رئيسيين، كان الجزء الأكبر منه في صورة مواد عينية، تمثلت في المواد الغذائية وغير الغذائية.
وفي ما يتعلق بحجم التمويل، أوضح سليمان أن التمويل الخارجي كان محدوداً، وإن نسبة التمويل في العام السابق كانت أقل من 20%، فيما شكل ضعف التمويل أحد أكبر العقبات التي تواجه الجمعية.
مؤكداً أن المعينات التي وصلت إليه تم توزيعها مباشرة ، أما تكلفة البرامج، فقد بلغت، وفق إفادته، 537,097,387.82 جنيه سوداني، وهي تكلفة غير شاملة مبلغ الكاش الموزع، باعتبار أن هذا المبلغ كان يتم توزيعه مباشرة من حسابات الأمانة العامة.
وعلى مستوى توزيع الإنفاق، أوضح سليمان أن نسبة الإنفاق على البرامج وصلت إلى 93%، مقابل 7% فقط للمصروفات الإدارية.
وتوفر هذه الأرقام مؤشراً مهماً على حجم الموارد التي يقول الفرع إنها وجهت إلى العمل البرامجي، لكنها في الوقت ذاته تطرح الحاجة إلى إتاحة بيانات تفصيلية حول مصادر التمويل وقيمة المواد العينية وقيمة الدعم النقدي المباشر وآليات التحقق من التوزيع.
المتطوعون.. الذراع التي حملت الاستجابة
لا يمكن الحديث عن الهلال الأحمر دون المتطوعين، الذين شكلوا الذراع الميدانية الأساسية للجمعية خلال الحرب.
وفي إطار إعادة تنظيم العمل، جرى تخصيص مقر متكامل لإدارة تنمية المتطوعين، وحصر وتصنيف المتطوعين بولاية الخرطوم، وتكوين فرق طوارئ في المحليات والمناطق الآمنة.
وزُودت فرق الطوارئ بمعينات العمل، من أجهزة كمبيوتر وطابعات وحقائب إسعاف طارئ، كما تم شراء حافلة لتسهيل حركة المتطوعين في العمل الميداني.
وشملت برامج دعم المتطوعين الدعم النفسي والاجتماعي، والزيارات المنزلية وتكريم المتطوعين تقديراً لخدماتهم، إلى جانب الدعم المادي وتوظيف عدد كبير من المتطوعين بالفرع.
وتشير مذكرة التسليم والتسلم إلى تفعيل وتنشيط قاعدة بيانات المتطوعين بالولاية، عبر توزيع استمارات تسجيل المتطوعين الموجودين داخل الولاية، وربطها بالتوقيع على مدونة السلوك وإعادة هيكلة الوحدات، إلى جانب إعادة الثقة بين المجتمع والجمعية.
كما تضمنت الإجراءات حل معظم خلافات المتطوعين وسداد المديونيات القديمة المعروفة، وتحسين العلاقات مع الجهات الرسمية عبر مشاركة المتطوعين في أنشطة الجمعية والاجتماعات المستمرة، وتفعيل عضوية الجمعية في اللجان الولائية والمحلية.
لكن حجم الاعتماد على المتطوعين يكشف أيضاً عن تحديات المؤسسة نفسها.
فأسامة سليمان قال إن إدارة فرع الخرطوم كانت تعتمد بنسبة 95% على المتطوعين مقابل 5% من الموظفين، مشيراً إلى وجود نحو 6 آلاف متطوع بالولاية، وأن المتطوع كان «القائد والمحرك الفعلي للعمل الإنساني» خلال الحرب.
كما أعلن أن الجمعية فقدت ثلاثة متطوعين أثناء أداء عملهم، وأن لديها نظام تأمين للمتطوعين في ولايات السودان.
وعلى المستوى القومي، تشير بيانات الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر إلى وجود 168,174 متطوعاً مسجلاً في الهلال الأحمر السوداني عبر 18 فرعاً و1,660 وحدة محلية.
الاستجابة الصحية.. من الإسعاف إلى مواجهة الكوليرا
مع اتساع الاحتياجات الإنسانية، جرى تدريب فرق طوارئ في مناطق النزوح والانتشار الميداني المباشر، وتشبيكها مع السلطات المحلية لتفعيل الاستجابة السريعة.
وفي مواجهة وباء الكوليرا، جرى التنسيق مع وزارة الصحة وفتح مركز عزل بمستشفى محمد الأمين حامد للأطفال، إلى جانب توفير معينات الوقاية الشخصية للمتطوعين العاملين في الميدان على مدار 24 ساعة.
وامتدت الاستجابة إلى تنفيذ مشروعات شملت العيادات الجوالة، والدعم النفسي والاجتماعي، وبرنامج «الكاش»، ودعم التكايا، وتوزيع المساعدات الغذائية وغير الغذائية.
وفي القطاع الصحي، شملت جهود الفرع دعم عدد من المستشفيات بالطاقة البديلة والمعينات الدوائية ومعينات الوقاية الشخصية، إلى جانب توزيع «لاب كوت» باسم الهلال الأحمر السوداني للكوادر الطبية.
الشراكات.. الهلال الأحمر لم يعمل منفرداً
منذ تدخل الفرع في الخرطوم عمل على بناء شراكات مع عدد من المنظمات، من بينها أطباء بلا حدود ومنظمة رعاية الطفولة، إلى جانب استضافة وفود ومديري الهلال الأحمر السوداني بالفرع.
كما تشير مذكرة التسليم والتسلم التي تمت بين المهندس اسامة ودكتور محمد المدير الحالي للفرع إلى توقيع اتفاقية مع وزارة الصحة الولائية لمدة عامين، إلى جانب تفعيل عضوية الجمعية في اللجان الولائية والمحلية.
وفي قطاع التعليم، ارتبطت تدخلات الفرع بوزارة التربية والتعليم، بينما جرى التنسيق مع هيئة الطب العدلي في ملف الجثامين، ومع الدفاع المدني في عمليات النقل.
وفي مايو 2025، قال أسامة سليمان إن الجمعية كانت عضواً في لجنة الطوارئ التابعة لوزارة الصحة لتغطية امتحانات الشهادة السودانية، وإنها نفذت التغطية عبر 325 متطوعاً، مع توفير أكثر من 100 حقيبة إسعافات أولية للمراكز.
كما تحدث عن التزام الجمعية بدعم 60 مركزاً صحياً بالدواء، في إطار الاستعداد لاستعادة الخدمات الصحية بالولاية.
ألف حقيبة مدرسية.. حين امتدت الاستجابة إلى المدارس
لم تتوقف تدخلات الهلال الأحمر عند الاستجابة المباشرة للحالات الطارئة، بل امتدت إلى المدارس.
ففي محلية الكاملين والحصاحيصا، تضمنت التدخلات توزيع ألف حقيبة مدرسية باسم مبادرة «بسمة طفل»، إلى جانب توزيع مواد إسعافات أولية للمدارس، ومغاسل للأيدي، وتدريب «المعلم الرائد الصحي»، وتوزيع حقائب إسعافية بالتنسيق مع وزارة التربية والتعليم.
كما شملت الأنشطة تقديم محاضرات توعوية في طابور الصباح وتوزيع الصابون.
وتحاول هذه التدخلات الجمع بين الدعم التعليمي والتوعية الصحية والوقاية من الأمراض، في ظل بيئة تعليمية تأثرت بالحرب والنزوح وتراجع الخدمات.
ولا تقاس المبادرة بعدد الحقائب فقط، وإنما بمدى وصولها إلى المدارس الأكثر احتياجاً، واستمرار أثر المستلزمات الصحية بعد انتهاء التوزيع.
معدات الطوارئ.. ماذا تم توفيره؟
تكشف بيانات التسليم عن حزمة من المعدات والوسائل التي جرى توفيرها لتعزيز القدرة التشغيلية للفرع.
فقد تم توفير 975 «جكت»، منها 700 لفريق الطوارئ بالأرقام المتسلسلة.
كما تم توفير عربة إسعاف من الأمانة العامة لفريق الطوارئ للتدخل، و«دفار» من الأمانة العامة للعمل مع فريق الإدارة السليمة والكرامة والأمن للرفاه، فضلاً عن شراء حافلة تضم 30 راكباً للمكتب.
وتوفر هذه المعدات قدرة تشغيلية مهمة للفرق، لكن قيمتها الإنسانية لا تتحدد بمجرد وجودها في سجلات الأصول، وإنما بمدى استخدامها فعلياً، وجاهزيتها، وصيانتها، وقدرتها على الوصول إلى المحتاجين في الوقت المناسب.
إدارة الجثامين.. المهمة الأكثر حساسية
من أكثر الملفات حساسية خلال الحرب ملف الجثامين.
وتشير المذكرة إلى تفعيل وتنشيط فريق إدارة الجثث وتقوية علاقته مع هيئة الطب العدلي لتوفير اللبس الواقي، إلى جانب التنسيق مع الدفاع المدني لتوفير «دفار» لنقل الجثامين.
وكان أسامة سليمان قد كشف في مايو 2025 عن وجود فريق مكون من 60 متطوعاً لإدارة رفاة المتوفين، يعمل بالشراكة مع الطب العدلي والأدلة الجنائية لجمع الجثامين ودفنها بالطرق السليمة.
ويكشف هذا الملف عن جانب بالغ الصعوبة من العمل الإنساني؛ فالجثامين ليست مجرد حالات تحتاج إلى نقل، وإنما ملف يرتبط بالكرامة الإنسانية، والتعرف على الضحايا، وحقوق الأسر، والصحة العامة.
التعليم والتدريب.. بناء قدرات لا تقل أهمية عن الإغاثة
إلى جانب الاستجابة الميدانية، عمل الفرع على دعم مراكز امتحانات الشهادة السودانية بعدد من المتطوعين.
وفي محور التدريب، جرى حصر وتصنيف المدربين واستخراج الشهادات وتوحيد المنهج، إلى جانب تنفيذ ورش حول مخاطر الألغام، وبرنامج «الكاش»، وأمراض الخريف.
وتشير هذه الأنشطة إلى أن بناء قدرات المتطوعين لم يكن منفصلاً عن الاستجابة الإنسانية، وإنما كان جزءاً من محاولة تجهيز فرق قادرة على التعامل مع مخاطر الحرب والأوبئة والكوارث.
الإعلام.. من التوثيق إلى استقطاب الدعم
على المستوى الإعلامي، نظم الفرع ورشاً للصحفيين والإعلاميين، إلى جانب تكريم المبدعين والداعمين.
كما شارك الفرع وقتها في الاحتفال باليوم العالمي للحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر، وعرض حجم الدمار الذي لحق بالخرطوم جراء الحرب، بهدف تعريف المجتمع الدولي والجهات الداعمة بحجم الاحتياجات الإنسانية والعمل على استقطاب مزيد من الدعم.
ويمثل الإعلام في مثل هذه الظروف أكثر من مجرد نشاط اتصالي؛ فهو أداة لتوثيق الأضرار، وإظهار حجم الاحتياج، وتعريف المجتمع بالدور الذي تقوم به فرق الاستجابة.
أصول مستردة.. ماذا حدث لممتلكات الفرع؟
من بين الملفات اللافتة في عملية التسليم الإشارة إلى استلام خمس عربات مسروقة.
كما تضمنت العملية نقل أجهزة كهربائية من حواسيب وطابعات وآلة تصوير وثلاجات من الأمانة العامة، إلى جانب صيانة ونظافة المبنى القديم بالأمانة العامة، واستخدام جزء منه كمخزن، وتعيين ثلاثة خفراء للعمل بنظام يومين.
وفي المقابل، فإن استرداد جزء من ممتلكات الجمعية يمثل خطوة مهمة في إعادة بناء قدرتها التشغيلية، خاصة بعد الخسائر الكبيرة التي قال الفرع إنه تعرض لها خلال الحرب.
حسابات مفتوحة.. أين ذهبت الموارد؟
على المستوى المالي والإداري، تقول مذكرة التسليم والتسلم إن الإدارة السابقة سددت حقوق كافة العاملين السابقين، وحلت مديونية الفرع منذ عام 2023، عدا مديونية التأمين الاجتماعي.
كما أُعد التقرير المالي للفترة، متضمناً الإيرادات والمصروفات والمتبقي، إلى جانب مستندات مالية أخرى أرفقت ضمن إجراءات التسليم والتسلم.
وفي هذا الجانب، توفر إفادة أسامة سليمان أرقاماً أكثر تفصيلاً بشأن الإنفاق؛ إذ قال إن تكلفة البرامج بلغت 537,097,387.82 جنيه سوداني، من دون احتساب مبلغ الكاش الموزع مباشرة من حسابات الأمانة العامة.
كما أوضح أن 93% من الإنفاق ذهب إلى البرامج، مقابل 7% للمصروفات الإدارية.
مؤكداً أن المعينات التي وصلت إليه تم توزيعها مباشرة.
كما قال إن التمويل الخارجي كان محدوداً، وإن نسبة التمويل في العام السابق كانت أقل من 20%، وإن ضعف التمويل كان من أكبر العقبات التي تواجه الجمعية.
ليس من السهل حصر حجم الأعمال التي نفذها فرع الهلال الأحمر بولاية الخرطوم خلال الفترة محل التحقيق.
فالإفادات والوثائق تشير إلى إعادة بناء المقر، وتوفير الطاقة البديلة والإنترنت، وتجهيز المكاتب، وتوفير أجهزة الحاسوب والطابعات، وتنشيط قاعدة المتطوعين، وتكوين فرق طوارئ، ودعم المستشفيات، والاستجابة للكوليرا، وتشغيل العيادات الجوالة، ودعم التكايا، وتوزيع المساعدات، والمشاركة في امتحانات الشهادة السودانية، وتنفيذ برامج تدريبية، وإدارة ملف الجثامين.
وتضيف إفادة أسامة سليمان رقماً مهماً إلى قياس نطاق الاستجابة؛ إذ بلغ عدد المستفيدين 2,895,500 فرد، أي نحو 579,100 أسرة، مع توسع التغطية من محلية كرري في الفترة الأولى إلى محليات ولاية الخرطوم السبع.
أرقام موثقة.. وأرقام ما زالت غائبة
تكشف المعلومات المتاحة عن حجم التدخلات التي نفذها الهلال الأحمر السوداني خلال فترة الحرب، إذ استفاد نحو 1.35 مليون شخص من تدخلات الجمعية خلال الفترة من أبريل 2023 وحتى نهاية 2024، وفق بيانات منشورة عن الجمعية.
وبحسب إفادة المدير السابق لفرع الهلال الأحمر السوداني بولاية الخرطوم، المهندس أسامة سليمان، بلغ عدد المستفيدين من تدخلات الفرع 2,895,500 فرد، أي نحو 579,100 أسرة، موضحاً أن التدخلات ركزت في الفترة الأولى داخل محلية كرري قبل أن تتوسع لتشمل كل محليات الولاية السبع.
وأشار سليمان إلى أن عدد المتطوعين في ولاية الخرطوم بلغ نحو 6 آلاف متطوع، وأن فرع الخرطوم كان يعتمد بنسبة 95% على المتطوعين مقابل 5% من الموظفين، فيما فقدت الجمعية ثلاثة متطوعين أثناء أداء عملهم.
وفي الجانب المالي، أوضح سليمان أن تكلفة البرامج بلغت 537,097,387.82 جنيه سوداني، غير شاملة مبلغ الكاش الموزع مباشرة من حسابات الأمانة العامة، مشيراً إلى أن نسبة الإنفاق على البرامج وصلت إلى 93%، مقابل 7% للمصروفات الإدارية.
وأوضح أن الجزء الأكبر من التمويل كان في صورة مواد عينية متمثلة في المواد الغذائية وغير الغذائية، فيما كانت نسبة التمويل الخارجي في العام السابق أقل من 20%.
وعلى صعيد التدخلات الغذائية، وزع فرع الهلال الأحمر في نوفمبر 2024 مساعدات غذائية على 1304 أسر في عشر تكايا بأمبدة، فيما استفادت 4720 أسرة من توزيع غذائي على تكايا في أم درمان.
كما استفاد 185 شخصاً من تكية الوافدين في الحوشاب والكوداب خلال اليومين الأول والثاني من تدشينها، بمشاركة 40 متطوعاً ومتطوعة، إلى جانب توزيع 1000 حقيبة مدرسية ضمن مبادرة «بسمة طفل».
وفي مجال الطوارئ، تم توفير 975 جكتاً، منها 700 لفريق الطوارئ، كما شارك 325 متطوعاً في تغطية مراكز امتحانات الشهادة السودانية، مع توفير أكثر من 100 حقيبة إسعافات أولية للمراكز.
وشملت التدخلات الصحية دعم 60 مركزاً صحياً بالدواء، بحسب إفادة أسامة سليمان، فيما ضم فريق إدارة رفاة المتوفين 60 متطوعاً.
وفي إطار إعادة تجهيز فرع الهلال الأحمر بولاية الخرطوم، تم توفير 8 أجهزة حاسوب محمولة للإدارات والأقسام، إضافة إلى جهاز احتياطي، إلى جانب 4 طابعات وآلتي تصوير، وشراء حافلة سعة 30 راكباً.
كما شهدت عملية التسليم استلام 5 عربات مسروقة ضمن الممتلكات التي تمت استعادتها.
وعلى المستوى القومي، تشير بيانات الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر إلى وجود 168,174 متطوعاً مسجلاً في الهلال الأحمر السوداني عبر 18 فرعاً و1,660 وحدة محلية، بما يعكس اتساع قاعدة العمل التطوعي التي تستند إليها الجمعية في تنفيذ تدخلاتها الإنسانية في السودان.
الخلاصة: من «طرق الأبواب» إلى بناء الثقة
لا يمكن تجاهل حجم التحديات التي واجهت جمعية الهلال الأحمر السوداني خلال الحرب في الخرطوم، ولا الجهود التي بذلتها الإدارة السابقة والعاملون والمتطوعون لإبقاء العمل الإنساني قائماً في ظل ظروف أمنية وإنسانية بالغة التعقيد.
فالوثائق والإفادات المتاحة توثق جهوداً شملت إعادة تشغيل المكاتب، وتوفير الأجهزة والمركبات، وتفعيل قاعدة بيانات المتطوعين، وتسوية المديونيات، وتوفير المعدات اللازمة لفريق الطوارئ، ودعم المدارس، وتوفير الإسعافات الأولية ومستلزمات النظافة، إلى جانب تفعيل فريق إدارة الجثامين وتعزيز قدرته على أداء مهامه.
كما شهدت عملية التسليم والتسلم بين الإدارة السابقة والإدارة اللاحقة تسليم عدد كبير من الموجودات والمستلزمات والأجهزة والمعدات التي كانت بحوزة الفرع، والتي تم حصرها وإثباتها ضمن إجراءات التسليم والتسلم، بما في ذلك عدد من الأصول والتجهيزات التي دعمت القدرة التشغيلية للفرع خلال فترة الحرب.
وتتضمن مستندات التحقيق صوراً وبيانات توثق جانباً من هذه الموجودات وعمليات التسليم والتسلم، بما يوفر سجلاً مادياً مكملاً للإفادات والبيانات الواردة في التحقيق
.فبعد أن طرق متطوعو الهلال الأحمر أبواب الأسر في زمن الخوف، يبقى الاختبار الأكبر في مرحلة ما بعد الحرب هو الحفاظ على تلك الثقة، وتحويل الخبرة التي تراكمت خلال سنوات الطوارئ إلى عمل إنساني أكثر استدامة وقدرة على الاستجابة.
ويبقى السؤال الأهم: هل يستطيع الهلال الأحمر السوداني أن يحافظ على الثقة التي صنعتها تلك الطرقات، وأن يحول الاستجابة الطارئة إلى عمل إنساني مستدام؟
