الجمعة, أغسطس 28, 2026
الرئيسيةمقالاتحين يعود حقّ المواطن: من قرعة الإسكان إلى استعادة الثقة ...

حين يعود حقّ المواطن: من قرعة الإسكان إلى استعادة الثقة بقلم: م. الصادق عباس نجّار مهندس معماري | مخطط عمراني

هناك ملفات إدارية قد تبدو صغيرة إذا نظرنا إليها من بعيد، لكنها عند المواطن ليست صغيرة أبدًا. قد يكون وراء المعاملة الواحدة سنوات من الانتظار، ووراء الاسم في كشف المستحقين أسرة بنت آمالها على وعدٍ قديم.

وملف الإسكان الشعبي بولاية الخرطوم واحد من هذه الملفات.

فقد توقفت إجراءات القرعة عند التاسع عشر من ديسمبر 2016م، ثم جاءت الحرب بما حملته من نزوح وتدمير وتعطل للمؤسسات، لتضيف سنوات أخرى إلى انتظار المواطنين.

واليوم، مع استئناف إجراءات القرعة، أرى أن المسألة أكبر من مجرد سحب أسماء أو استكمال إجراء إداري تأخر لسنوات.

إنها ببساطة عودة مؤسسة إلى ملف من ملفات المواطنين.

المواطن الذي دفع مقدم السكن وانتظر كل هذه السنوات لا ينتظر قرعة فقط. هو ينتظر أن يجد مؤسسته الحكومية قد عادت إليه، وأن ما دفعه لم يذهب مع الزمن، وأن الاستحقاق الذي طال انتظاره ما زال محفوظًا ويمكن الوصول إليه عبر إجراءات واضحة وعادلة.

وهنا تأتي أهمية الخطوة التي بدأت في صندوق الإسكان والتعمير.

فقد بدأ الصندوق نشر كشوفات المستحقين الذين سددوا مقدماتهم، وكانت البداية بكشف يضم 666 مستحقًا ممن سددوا مقدماتهم خلال الفترة من 19 إلى 29 ديسمبر 2016م، على أن تتواصل عملية النشر تباعًا وفق الأسبقية الزمنية للسداد والمراحل المعتمدة.

قد يبدو ترتيب الأسماء بحسب تاريخ السداد مسألة إجرائية، لكنه بالنسبة للمواطن هو جزء أساسي من العدالة.

فعندما ينتظر الناس سنوات طويلة، يصبح من حقهم أن يعرفوا كيف تم ترتيب الاستحقاقات، وما هي القواعد التي تحكم الإجراءات، وأين يقف كل ملف.

ولهذا أعتقد أن استئناف القرعة يجب أن يقوم على ثلاثة أمور واضحة: العدالة في ترتيب الاستحقاقات، والشفافية في الإجراءات، والمساواة في تطبيق الضوابط.

هذه ليست شعارات إدارية. هي الطريقة التي يمكن بها أن نعيد بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة.

لكن القرعة في حد ذاتها ليست نهاية الطريق.

هي بداية الطريق.

فالاستحقاق ينبغي أن ينتقل بعد ذلك إلى مراحل واضحة: تخصيص يصحبه تنفيذ، ثم تسليم، بحيث يعرف المواطن في كل مرحلة أين وصل ملفه، وما الذي تم إنجازه، وما الذي تبقى عليه.

هذه هي الإدارة التي نحتاجها اليوم؛ إدارة لا تكتفي بإعلان الإجراءات، وإنما تستطيع أن تجعل المواطن يرى مسار معاملته ونتيجتها.

وفي تقديري، فإن أهمية هذه الخطوة تتجاوز ملف الإسكان الشعبي نفسه.

فالدولة لا تستعيد حضورها فقط عندما تفتح مكاتبها، وإنما عندما تعود إلى الملفات التي توقفت، وتستعيد التزاماتها تجاه المواطنين، وتحول الإجراءات والقرارات إلى نتائج يلمسها الناس.

ومن هنا يمكن أن يصبح الإسكان أحد المداخل العملية لإعادة تشغيل الدولة.

لكن هناك أمرًا آخر يجب ألا نغفله.

الخرطوم التي نعمل على إعادة الحياة إليها اليوم ليست هي الخرطوم التي كانت في عام 2016م.

الحرب غيّرت توزيع السكان، وأثرت في الخدمات والبنية الأساسية، وغيّرت احتياجات الأسر، وأعادت تشكيل كثير من أولويات المدينة.

لذلك فإن استكمال برامج الإسكان التي توقفت لا ينبغي أن يعني العودة فقط إلى ما كان، وإنما ينبغي أن يكون فرصة لنتعلم مما حدث ونطور طريقة تعاملنا مع الإسكان في المرحلة القادمة.

فالمسكن ليس أربعة جدران وسقفًا فقط.

الأسرة تحتاج إلى حي تستطيع أن تعيش فيه، وطريق تصل عبره إلى عملها، وماء وكهرباء وتصريف، ومدرسة قريبة، وخدمة صحية، ومساحات عامة، ووسائل حركة، وبيئة آمنة ومستقرة.

وهنا بالضبط يظهر الفرق بين الإسكان والتعمير.

الإسكان يوفر المسكن، أما التعمير فيوفر البيئة التي تجعل هذا المسكن جزءًا من مدينة قابلة للحياة.

وهذا هو المعنى الذي أراه مهمًا في عمل مؤسسات الإسكان والتعمير خلال المرحلة المقبلة: ألا ننظر إلى الوحدة السكنية باعتبارها منتجًا منفصلًا، وإنما باعتبارها جزءًا من منظومة عمرانية واقتصادية واجتماعية أكبر.

فعندما نخطط لمشروع سكني، ينبغي أن نسأل أيضًا: أين يعمل السكان؟ كيف يصلون إلى أعمالهم؟ أين مدارس أبنائهم؟ أين الخدمات؟ وما قدرة شبكات المياه والكهرباء والطرق والتصريف على استيعاب المشروع؟

هذه الأسئلة هي التي تحول الإسكان من مجرد بناء وحدات إلى صناعة مكان.

ومن هنا أرى أن مؤسسات الإسكان والتعمير أمام فرصة حقيقية لتطوير دورها في مرحلة التعافي.

ليس المطلوب أن نتخلى عن المشروعات القائمة أو عن الالتزامات السابقة، وإنما أن نستكملها بطريقة أفضل، وأن نقرأ نتائجها، وأن نربط المشروعات الجديدة باحتياجات المدينة الفعلية، وأن نحسن إدارة الأراضي والأصول والموارد المتاحة.

فالنجاح لا ينبغي أن يقاس بعدد الوحدات التي تم إنتاجها فقط.

السؤال الأهم هو: ماذا أضاف المشروع إلى حياة الناس؟ وماذا أضاف إلى المدينة؟

قد تنتج المؤسسة عددًا كبيرًا من الوحدات، لكن إذا كانت بعيدة عن الخدمات، أو ضعيفة الاتصال بشبكة الطرق، أو غير قادرة على استيعاب احتياجات سكانها، فإننا نكون قد أنجزنا مباني ولم نصنع عمرانًا ناجحًا.

وهذا هو التحول الذي تحتاجه المرحلة المقبلة: من إدارة المشروع إلى إدارة أثر المشروع.

فالمواطن لا يريد وحدة سكنية معزولة عن الحياة. يريد مكانًا يستطيع فيه أن يعيش ويعمل ويتعلم ويتحرك ويشعر بالاستقرار.

ولذلك فإن الإسكان والتعمير وإعادة الإعمار تلتقي في النهاية عند هدف واحد: إعادة بناء بيئة يستطيع الإنسان أن يستقر فيها ويواصل حياته.

أما بالنسبة للمواطنين الذين طال انتظارهم، فأعتقد أن الرسالة الأهم اليوم هي أن استئناف القرعة لا يمثل نهاية الانتظار، وإنما بداية مرحلة جديدة يجب أن تكون أكثر وضوحًا وتنظيمًا.

والمسؤولية هنا لا تقع على المواطن وحده في متابعة ملفه.

على المؤسسة أن تيسر الوصول إلى المعلومة، وأن توضح الإجراءات، وأن تحافظ على ترتيب الاستحقاقات، وأن تتابع الملف حتى يصل إلى النتيجة التي ينتظرها صاحبه.

وهذا أمر أضعه ضمن أولويات العمل في الصندوق.

فنحن لا نريد أن يكون المواطن مضطرًا إلى معرفة شخص داخل المؤسسة حتى يعرف أين وصل ملفه، ولا أن يعتمد على السؤال المتكرر للحصول على معلومة يفترض أن تكون متاحة له أصلًا.

المعلومة حق.

ووضوح الإجراء حق.

وحفظ الاستحقاق مسؤولية.

وهذه في تقديري من أبسط صور الإدارة التي تعيد الثقة.

ولعل أحد الدروس المهمة التي يمكن أن نتعلمها من ملف الإسكان هو أن التعافي لا يبدأ دائمًا بالمشروعات الكبيرة.

أحيانًا يبدأ من ملف قديم، أو كشف مستحقين، أو معاملة توقفت، أو أرشيف يحتاج إلى إعادة ترتيب، أو حق ينتظر أن تعود إليه المؤسسة.

لكن عندما تعالج هذه الملفات وفق منهج واضح، فإنها تتحول من معاملات منفردة إلى جزء من عملية أكبر: إعادة تشغيل الدولة.

وهنا يصبح ملف الإسكان الشعبي أكثر من برنامج إسكان.

إنه اختبار لقدرة المؤسسة على استعادة التزاماتها، وتنظيم معلوماتها، وحماية حقوق المواطنين، وإدارة مواردها، وتحويل ما توقف إلى عمل يمضي إلى الأمام.

وفي الوقت نفسه، فإن علينا أن ننظر إلى المستقبل.

لا نريد فقط أن نستكمل ما بدأناه قبل الحرب، وإنما نريد أن نخرج من تجربة الحرب بمؤسسات أكثر قدرة على التخطيط، وأكثر ارتباطًا بالمدينة، وأكثر استخدامًا للبيانات، وأكثر وضوحًا في إجراءاتها، وأكثر قدرة على قياس أثر مشروعاتها.

فالخرطوم التي تعود إليها الدولة تحتاج إلى أكثر من عودة المكاتب.

تحتاج إلى عودة الثقة.

والثقة لا تُطلب من المواطن، وإنما تُبنى معه.

تُبنى عندما يرى أن اسمه محفوظ، وأن حقه لا يضيع، وأن الإجراءات واحدة على الجميع، وأن المؤسسة تقول ما تستطيع فعله وتلتزم بما تقول.

لهذا فإنني أنظر إلى استئناف قرعة الإسكان الشعبي باعتباره خطوة في طريق أطول.

طريق يبدأ باستعادة حقوق المواطنين، ويمر باستعادة قدرة المؤسسات على العمل، ثم يتسع إلى تطوير الإسكان والتعمير وإعادة بناء المدينة على أسس أكثر كفاءة واستدامة.

نستعيد ما توقف، ونحفظ ما هو قائم، ونتعلم مما حدث، ثم نبني للمستقبل.

فالإعمار لا يبدأ بالخرسانة وحدها.

يبدأ عندما تستعيد المؤسسة قدرتها على الوفاء بالتزاماتها.

وتبدأ الثقة عندما يشعر المواطن أن الدولة عادت إليه كما عادت مؤسساتها إلى العمل.

ومن قرعة الإسكان إلى إعادة إعمار الخرطوم، يبقى الهدف واحدًا: أن تتحول عودة الدولة إلى حياة أفضل للمواطن، ومدينة أكثر قدرة على الاستقرار والاستمرار.

م. الصادق عباس نجّار
مهندس معماري | مخطط عمراني

https://www.facebook.com/share/p/1DM5NhCEk3
مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات