في زمن التحول الرقمي، لم يعد الرقم الوطني مجرد سلسلة أرقام مطبوعة على بطاقة شخصية، ولا وسيلة لإثبات هوية المواطن عند استخراج جواز السفر أو فتح حساب مصرفي. الرقم الوطني، في مفهوم الدولة الحديثة، يمكن أن يكون مفتاحاً لقاعدة بيانات وطنية ضخمة، تتيح للحكومة أن تعرف شعبها: كم عددهم؟ أين يسكنون؟ كم عدد الأطفال والشباب وكبار السن؟ كم عدد النساء والرجال؟ وما الخدمات التي يحتاجون إليها، وأين؟
السودان خطا بالفعل خطوة مهمة عندما أنشأ منظومة الرقم الوطني والسجل المدني. فالرقم الوطني هو رقم مرجعي فريد يتيح الوصول إلى بيانات المواطن المسجلة لدى الإدارة العامة للسجل المدني. كما أصبح مستخدماً في مجالات متعددة، منها التعاملات المصرفية والتحقق من هوية العملاء.
لكن السؤال الأهم ليس هل يمتلك السودان الرقم الوطني؟ بل هل حوّل السودان هذه المنظومة إلى أداة حقيقية للتخطيط وإدارة الدولة؟
فالرقم الوطني يمكن أن يساعد الدولة في بناء صورة دقيقة ومحدثة عن المجتمع. إذا عرفت الدولة، مثلاً، عدد الأطفال في سن التعليم ومواقع وجودهم، تستطيع أن تحدد أين تحتاج إلى بناء مدرسة جديدة، وأين تحتاج إلى توسعة مدرسة قائمة، وكم معلماً تحتاج إليه كل منطقة.
وإذا عرفت توزيع السكان حسب الأعمار، يمكنها أن تتنبأ بالاحتياجات الصحية أين ترتفع الحاجة إلى خدمات الأمومة والطفولة؟ وأين تزداد الحاجة إلى الرعاية الطبية لكبار السن؟ وأين ينبغي إنشاء مراكز صحية جديدة؟
والأمر نفسه ينطبق على الشباب. معرفة أعدادهم وتوزيعهم الجغرافي ومستوياتهم التعليمية والمهنية يمكن أن تجعل سياسات التشغيل والتدريب أكثر واقعية، بدلاً من الاعتماد على التقديرات العامة.
بل يمكن أن يصبح الرقم الوطني أساساً لمعادلة أكثر دقة في توزيع الوظائف والخدمات عدد محدد من السكان يحتاج إلى مدرسة، وعدد آخر يحتاج إلى مركز صحي، وكل مجموعة سكانية تحتاج إلى قدر معين من الشرطة والخدمات البلدية والمياه والكهرباء وغيرها.
وهذه ليست فكرة نظرية. فالتقارير الرسمية السودانية تشير إلى أن البيانات السكانية، بما فيها السجلات المدنية وسجلات المواليد والزواج، يفترض أن تُستخدم في رسم وتحديث الخطط والسياسات الخاصة بالأطفال والشباب والمرأة وكبار السن وغيرهم. لكنها تشير في الوقت نفسه إلى تعثر جمع البيانات السكانية، وعدم إجراء التعداد السكاني السادس الذي كان مقرراً، نتيجة الاضطرابات ومشكلات التمويل.
وهنا يجب التفريق بين الرقم الوطني والتعداد السكاني. الرقم الوطني لا يغني وحده عن التعداد؛ لكنه يستطيع أن يكون أحد أهم مصادر البيانات المستمرة التي تجعل الدولة أكثر قدرة على تحديث معلوماتها بين تعداد وآخر، بشرط أن تكون سجلات الميلاد والوفاة والزواج وتغيير محل الإقامة محدثة ومترابطة.
المشكلة أن هذه المنظومة تحتاج إلى ربط حقيقي بين مؤسسات الدولة. الرقم الوطني ينبغي ألا يبقى محصوراً في وزارة الداخلية أو معاملات البنوك، بل يصبح جسراً إلكترونياً بين التعليم والصحة والعمل والضمان الاجتماعي والشرطة والانتخابات والتخطيط والمالية والإحصاء.
حتى اليوم، نجد أن استخدام الرقم الوطني في القطاع المصرفي مثلاً أصبح جزءاً من عملية التحقق من هوية العملاء وربط البيانات بالسجل المدني، وهو نموذج يوضح قيمة الربط بين قواعد البيانات الحكومية والقطاعات المختلفة.
لكن الحرب جاءت لتضاعف المشكلة. فقد تعرضت مكاتب للسجل المدني للتدمير أو التعطيل، وأصبح الوصول إلى خدمات الوثائق المدنية أكثر صعوبة في مناطق واسعة من البلاد.
لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس فقط: كم سودانياً يحمل رقماً وطنياً؟ بل ماذا تفعل الدولة بكل هذه البيانات؟
إذا كانت الدولة تمتلك ملايين السجلات التي تحمل أعمار المواطنين وأماكن ميلادهم وإقامتهم وبياناتهم الأساسية، ثم تظل تخطط للمدارس والمستشفيات والوظائف والخدمات اعتماداً على تقديرات متباعدة أو بيانات قديمة، فإننا أمام ثروة معلوماتية مهدرة.
الرقم الوطني يمكن أن يتحول من «بطاقة لإثبات الشخصية» إلى عقل رقمي للدولة السودانية؛ يرى السكان لا كأرقام جامدة، وإنما كخريطة بشرية متحركة تحدد أين يوجد الناس، وماذا يحتاجون، وكيف يمكن توزيع موارد الدولة بعدالة وكفاءة.
السودان لا يحتاج فقط إلى رقمنة المواطن، بل إلى رقمنة القرار. فالمعلومة الصحيحة في المكان الصحيح، وفي الوقت الصحيح، قد توفر مدرسة قبل أن يكتظ الأطفال، ومستشفى قبل أن تتفاقم الحاجة إليه، وفرصة عمل قبل أن يتحول الشباب إلى طاقة معطلة. وهنا تحديداً تكمن القيمة الحقيقية للرقم الوطني ليس في الرقم نفسه، وإنما في ما تستطيع الدولة أن تفعله بهذا الرقم.
