الخرطوم: حفية نورالدائم
مع استمرار تداعيات الحرب وتعقيدات المشهد السياسي، تتزايد الدعوات إلى حوار سوداني ـ سوداني يفتح الطريق أمام توافق وطني واسع، ويضع أسساً واضحة لإدارة المرحلة المقبلة، بعيداً عن المحاصصات والاستقطاب، وصولاً إلى صيغة سياسية أكثر استقراراً تضع مصلحة الدولة والمواطن في مقدمة الأولويات.
ويرى خبراء وأكاديميون أن أهمية الحوار لا تكمن في جمع القوى السياسية حول طاولة واحدة فحسب، وإنما في قدرته على معالجة جذور الأزمة، وتصحيح أخطاء المراحل الانتقالية السابقة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، ووضع الاقتصاد وتحسين معاش المواطنين في صدارة الأولويات.
حوار بلا محاصصات
ويؤكد د. محمد الناير، أستاذ بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، تأييده للحوار السوداني ـ السوداني، مشدداً على ضرورة أن يكون واسعاً ويناقش مختلف القضايا المرتبطة بمستقبل البلاد، وألا يتحول إلى مدخل جديد للمحاصصة السياسية.
ويرى الناير أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى فترة انتقالية محددة زمنياً، تتولى خلالها حكومة من الكفاءات والتكنوقراط إدارة شؤون الدولة، بينما تستعد القوى السياسية للانتخابات.
ويشدد على أن مهام الحكومة الانتقالية ينبغي أن تتركز في تحسين الوضع الاقتصادي ومعاش المواطنين، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتهيئة المناخ لانتخابات حرة ونزيهة، بعيداً عن القضايا التي تتجاوز طبيعة المرحلة الانتقالية.
إعادة ترتيب شكل الحكم
ويمتد طرح الناير إلى شكل الدولة، داعياً إلى إعادة النظر في مستويات الحكم وتوحيد البنية الإدارية، بما يحقق اتساقاً أكبر بين المركز والأقاليم والمستوى المحلي.
ويرى أن العلاقة بين الحكومة المركزية والأقاليم والمستوى المحلي يجب أن تكون ضمن الملفات الأساسية للحوار، إلى جانب قضايا توزيع الموارد وتحقيق التنمية المتوازنة، باعتبارها من القضايا المرتبطة مباشرة باستقرار الدولة.
الاقتصاد في قلب الحوار
ويضع الناير الملف الاقتصادي في صدارة الأولويات، مشيراً إلى امتلاك السودان موارد طبيعية وزراعية ومعدنية كبيرة لم تستثمر بالصورة التي تتناسب مع إمكاناته.
ودعا إلى إشراك الاقتصاديين وأساتذة الجامعات والخبراء من الداخل والخارج في إعداد خارطة طريق للإصلاح الاقتصادي، مؤكداً أن تكامل الخبرات يمكن أن يساعد في معالجة الأزمة وتحسين الإنتاج وتحقيق الاستقرار.
حوار أكثر شمولاً
من جانبه، يرى د. مزمل الضي، الأستاذ بكلية التجارة بجامعة النيلين، أن الحوار ينبغي أن يشمل مختلف القوى السياسية، سواء داخل السودان أو خارجه، إلى جانب منظمات المجتمع المدني والمهنيين والتكنوقراط غير المنتمين إلى أحزاب والشباب.
ويؤكد أن توسيع قاعدة المشاركة يمكن أن يقلل من الاستقطاب السياسي، ويوفر رؤى أكثر تخصصاً لمعالجة القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويحول دون إعادة إنتاج صراعات المرحلة السابقة.
ويربط الضي نجاح الحوار بتهيئة المناخ المناسب، وفي مقدمته وقف إطلاق النار وإنهاء معاناة المواطنين، محذراً من أن استمرار الحرب قد يقود إلى حلول جزئية لا تعالج جذور الأزمة.
كما يشدد على أهمية الحفاظ على وحدة السودان ومنع نشوء واقع سياسي أو إداري منفصل بين المناطق التي تسيطر عليها أطراف مختلفة.
السر عبدالقادر: الحوار ضرورة وطنية
وفي رؤية ثالثة، يرى د. السر عبدالقادر، أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة الخرطوم، أن الحوار السوداني ـ السوداني يمثل ضرورة لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع وتجاوز الانقسام السياسي والاجتماعي.
ويؤكد أن الحوار يجب ألا ينحصر في التفاوض حول السلطة والمواقع، وإنما يتحول إلى عملية تأسيسية تبحث في أسباب الأزمة وتضع قواعد جديدة لإدارة الاختلاف السياسي، بما يمنع إعادة إنتاج الصراع بعد انتهاء الحرب.
ويشدد عبدالقادر على أهمية الاتفاق حول القضايا الكبرى، وفي مقدمتها شكل الدولة ونظام الحكم والعلاقة بين المركز والأقاليم وإدارة الموارد وإصلاح مؤسسات الدولة.
كما يضع الاقتصاد ضمن أولويات الحوار، مؤكداً أن السودان يمتلك موارد يمكن أن تشكل قاعدة للتعافي إذا توافرت الإدارة الرشيدة والسياسات الاقتصادية المستقرة.
من التسوية إلى التأسيس
وتتقاطع رؤى الناير والضي وعبدالقادر عند ضرورة أن يتجاوز الحوار فكرة تقاسم السلطة إلى مشروع أوسع لإعادة بناء الدولة وتصحيح المسار السياسي والاقتصادي.
ويتمثل التحدي الحقيقي في تحويل التوافق إلى برنامج عملي يحدد مهام المرحلة الانتقالية ومدتها، ويعيد بناء مؤسسات الدولة، ويضع خارطة طريق للإصلاح الاقتصادي، ويمهد لانتخابات حرة ونزيهة.
فالسودان لا يحتاج إلى حوار ينتهي عند البيانات والاتفاقات، وإنما إلى عملية وطنية تؤسس لقواعد جديدة لإدارة الاختلاف، وتعيد بناء الثقة، وتضع الاقتصاد في خدمة الاستقرار والتنمية.
ومن هنا، يمكن أن يشكل الحوار السوداني ـ السوداني فرصة لإعادة تأسيس الدولة على قاعدة التوافق والكفاءة وسيادة القانون، وفتح الطريق أمام مرحلة جديدة يحتكم فيها السودانيون إلى إرادتهم عبر انتخابات حرة ونزيهة.
