الثلاثاء, أغسطس 25, 2026
الرئيسيةتقاريرصوت الحقيقة ...

صوت الحقيقة حلمٌ تحقق… وبصمةُ رجلٍ لا تُنسى القنصلية الجديدة بجدة: حجرُ الأساس يُوضع وسيرةُ عطاءٍ تبقى في ذاكرة الوطن جدة: الإعلامية أسماء إدريس

في حياة الأوطان لحظات لا تمر مروراً عابراً، لأنها تختصر سنوات من الصبر والعمل والتحديات، وتكشف معدن الرجال الذين حملوا المسؤولية بإيمان وتجرد. وفي بعض الأيام تختلط المشاعر بين الفرح والحزن؛ فتأتي الفرحة ممزوجة بحزنٍ عميق، فرحة تحقيق حلم ظل ينتظره أبناء الجالية السودانية بجدة طويلاً، وحزن على مرحلة ارتبطت برجل ترك أثراً لا يُنسى في قلوب الناس.
فالأحلام الوطنية لا تتحقق صدفة، بل تقف خلفها إرادة رجال آمنوا بأن خدمة الوطن والمواطن رسالة لا تنتهي بانتهاء المواقع. والتاريخ لا يحفظ فقط المباني التي تُشيّد، بل يحفظ أصحاب المواقف الذين صنعوا الطريق، وأثبتوا أن المسؤولية الحقيقية هي أن يكون الإنسان قريباً من الناس، حاضراً في احتياجاتهم، ومخلصاً في أداء واجبه.
ويأتي الخميس 27 أغسطس 2026 يوماً تاريخياً لأبناء الجالية السودانية بجدة، مع وضع حجر الأساس لاستكمال مبنى القنصلية العامة لجمهورية السودان بجدة، ذلك الحلم الذي ظل يراود السودانيين طويلاً، حتى أصبح حقيقة تقترب من الاكتمال.
إن القنصلية الجديدة ليست مجرد مبنى من الحجر والإسمنت، بل هي رمز لمرحلة جديدة من العمل المؤسسي، وعنوان لطموح أبناء السودان في الخارج نحو مؤسسة أكثر قدرة على خدمة المواطن، وأكثر قرباً من احتياجاته.
فهذا الصرح يأتي ثمرة جهود رجال صبروا وصمدوا واجتهدوا، وجعلوا خدمة أبناء السودان هدفاً نصب أعينهم، مؤمنين بأن المسؤول الحقيقي هو من يؤثر مصلحة المواطن والوطن، ويعمل بإخلاص حتى في أصعب الظروف.
ويأتي وضع حجر الأساس لاستكمال مبنى القنصلية العامة لجمهورية السودان بجدة كخطوة مهمة نحو اكتمال هذا الصرح، بما يشمله من أعمال البناء والتشطيب والتجهيز، ليصبح مقراً حديثاً يليق برسالة القنصلية ودورها في خدمة أبناء السودان بالمملكة العربية السعودية.
وسيضع السفير محي الدين سالم أحمد إبراهيم، وزير الخارجية والتعاون الدولي بجمهورية السودان، حجر الأساس باسم حكومة جمهورية السودان، في مناسبة تحمل دلالات وطنية كبيرة، تؤكد اهتمام الدولة بتطوير مؤسساتها الخارجية وتعزيز دورها في خدمة المواطنين السودانيين بالخارج.
إن وضع حجر الأساس ليس مجرد بداية لأعمال إنشائية، بل هو تتويج لمسيرة عمل، ورسالة بأن المؤسسات الوطنية تُبنى بالإخلاص والعمل والصبر، وأن خدمة المواطن هي الغاية الأولى لكل مسؤول يحمل الأمانة.
وفي هذه المناسبة العظيمة، لا بد من تقديم التحية والتقدير لكل أفراد القنصلية العامة لجمهورية السودان بجدة، من دبلوماسيين وموظفين وعاملين، الذين ظلوا يؤدون واجبهم في ظروف استثنائية، خاصة خلال فترة الحرب، وتحملوا ضغوطاً كبيرة من أجل خدمة أبناء السودان وتسهيل معاملاتهم.
لقد كانت المرحلة الماضية اختباراً حقيقياً للعمل القنصلي، وأثبت منسوبو القنصلية حرصهم على أداء واجبهم، والعمل من أجل المواطن السوداني الذي كان يحتاج إلى من يقف معه في ظروف صعبة واستثنائية.
لكن من الوفاء أن نقف عند رجل أصبح اسمه مرتبطاً بهذه المرحلة، رجل لم يكن مجرد مسؤول دبلوماسي، بل كان عنواناً للإنسانية والعطاء، إنه سعادة القنصل العام لجمهورية السودان بجدة الدكتور كمال علي عثمان طه.
الحديث عن الدكتور كمال هو حديث عن تجربة إنسانية قبل أن يكون حديثاً عن منصب. فقد جمع بين هيبة المسؤول وتواضع الإنسان، وبين الحزم الإداري والقرب من الناس. لم يكن قنصلاً خلف الأبواب المغلقة، بل كان قريباً من أبناء الجالية، يسمع لهم، ويتابع قضاياهم، ويشاركهم أفراحهم وأتراحهم.
فتح مكتبه للجميع، وقبل ذلك فتح قلبه للجميع. لم يجعل البروتوكول حاجزاً بينه وبين المواطنين، ولم ينظر إلى الناس من خلال مناصبهم أو مواقعهم، بل كان الجميع عنده أبناء وطن واحد. كان حاضراً في ساحات العمل العام، يصافح الجميع دون فرز أو حواجز، ويستمع للجميع، ويسعى لخدمة الجميع.
كان مع موظفيه موظفاً، ومع أبناء جاليته مواطناً، ومع كل من قصده طالب خدمة أخاً يسعى لبذل الجهد من أجله. ولذلك أصبح قريباً من قلوب أبناء السودان بجدة.
ولعل أول موقف جمعني به كان خير دليل على معدنه الحقيقي وإنسانيته ووطنيته الصادقة. ففي ذلك الموقف وجدت نفسي أمام رجل بقامة وطن، رجل إنسان قبل أن يكون مسؤولاً، رجل يحمل في داخله معنى المسؤولية والرحمة والحرص على خدمة الآخرين.
ذلك الموقف جعلني أدرك أنني أمام شخصية مختلفة، وأن المنصب عنده لم يكن حاجزاً بينه وبين الناس، بل كان وسيلة لخدمتهم والوقوف معهم.
وكان الموقف الذي أكد لي إنسانيته وأصالته ووطنيته هو موقف طلاب الشهادة السودانية الذين وصلوا إلى جدة في ظروف صعبة.
فقد كان هناك عدد من الطلاب السودانيين القادمين لأداء امتحانات الشهادة السودانية، وصل بعضهم في وقت متأخر، ومنهم من حضر قبل أيام قليلة فقط من موعد الامتحانات، وهم يحملون الخوف والقلق من ضياع مستقبلهم بسبب ظروف الحرب.
كنت شاهدة على ذلك الموقف، ورأيت كيف تعامل الدكتور كمال معهم. لم يرَ فيهم مجرد طلاب أو معاملات، بل رأى أبناء وطن يحتاجون إلى الاحتواء والدعم. تحرك بكل مسؤولية، وسعى إلى ترتيب جلوسهم لامتحانات الشهادة السودانية، حتى لا تكون الحرب سبباً في ضياع أحلامهم ومستقبلهم.
في ذلك اليوم أدركت أن الوطنية ليست كلمات تُقال، بل مواقف تظهر عندما تكون الظروف صعبة. أدركت أنني أمام رجل يحمل الوطن في قلبه، وأن المسؤولية عنده ليست وظيفة، بل رسالة.
لقد كان هذا الموقف دليلاً على إيمانه بأن العلم هو أساس بناء الأوطان، وسبب تقدمها ورفعتها، وأن الحفاظ على مستقبل الطلاب هو حفاظ على مستقبل السودان نفسه.
وخلال فترة الحرب التي مر بها السودان، كانت مسؤوليات الدكتور كمال علي عثمان طه مضاعفة، فقد وقف إلى جانب أبناء السودان القادمين إلى جدة، وحرص على متابعة أوضاعهم، وساهم في استيعاب النازحين القادمين من مناطق الحرب، والعمل على تسهيل الإجراءات والخدمات لهم.
كما أولى اهتماماً كبيراً بملف الطلاب والامتحانات في مختلف المراحل، حتى لا يدفع الأبناء ثمن ظروف لم يكونوا سبباً فيها، وحتى يواصلوا مسيرتهم التعليمية رغم قسوة الظروف.
وشهدت القنصلية خلال فترة عمله اهتماماً واضحاً بتطوير الخدمات، خاصة في سرعة استخراج الجوازات، وإنجاز الوثائق الرسمية، وتسهيل المعاملات، والعمل على تقريب المؤسسة من المواطن، حتى يشعر كل مراجع بأن هناك من يستمع إليه ويحترم احتياجاته.
كما كان للدكتور كمال علي عثمان طه دور مقدّر في دعم مسيرة العمل العام داخل الجالية السودانية بجدة، من خلال الإسهام في تكوين لجنة التسيير للتوافق والإعمار، التي جاءت بهدف توحيد الجهود وتهيئة الأجواء لمرحلة جديدة من العمل المؤسسي، تمهيداً لتكوين الجمعية العمومية للجالية السودانية بجدة، والتي ستنعقد في الأول من شهر أكتوبر، بعد غياب دام أكثر من أحد عشر عاماً.
ويُعد هذا الحراك خطوة مهمة نحو ترسيخ مبدأ التوافق، وتعزيز المشاركة، وإعادة بناء مؤسسات الجالية على أسس أكثر فاعلية لخدمة أبناء السودان بالمملكة العربية السعودية.
لقد كان الدكتور كمال نموذجاً للمسؤول الذي يرى المنصب تكليفاً لا تشريفاً، ولذلك لم يكن غريباً أن يطالب أبناء الجالية السودانية بجدة بتمديد فترة عمله، تقديراً لما قدمه من جهود كبيرة ومواقف وطنية وإنسانية خلال مرحلة استثنائية من تاريخ السودان.
كما كان للأسرة الإعلامية السودانية بجدة موقف خاص، فقد طالبت بتمديد فترة عمله تقديراً لما لمسته من قربه من الناس، وتعاونه مع الإعلاميين، وحرصه على دعم كل ما يخدم قضايا الوطن والجالية.
فالإعلاميون كانوا شهوداً على هذه المرحلة، والإعلام رسالة تقوم على توثيق الحقائق وحفظ مواقف الرجال الذين تركوا أثراً في حياة الناس.
لكن جاء رد وزارة الخارجية صادماً أحزن الكثيرين، بأن انتهاء مهمته في المملكة العربية السعودية جاء بناءً على طلبه الشخصي نسبة لظروفه الصحية.
ورغم أن أبناء الجالية كانوا يتمنون أن يستمر حتى يشهد اكتمال هذا الصرح وافتتاحه، فإن الجميع احترم قراره، لأن الصحة فوق كل اعتبار، ولأن الرجل ظل يؤدي رسالته بكل إخلاص حتى آخر لحظة.
إن مغادرة الموقع لا تعني غياب الأثر، فالرجال لا تُقاس قيمتهم بمدة بقائهم في المناصب، بل بما يتركونه من مواقف وذكريات في حياة الناس. وسيظل اسم الدكتور كمال علي عثمان طه حاضراً في ذاكرة أبناء الجالية السودانية بجدة، لأنه لم يكن فقط قنصلاً عاماً، بل كان أخاً وسنداً وشريكاً في الهم الوطني.
وفي هذه المناسبة، لا بد من توجيه التحية والتقدير إلى حكومة المملكة العربية السعودية، ممثلةً في خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، على ما ظلت تقدمه من مواقف وطنية وإنسانية، وعلى التعاون والتسهيلات التي تقدمها للمؤسسات السودانية، بما يعكس عمق العلاقات التاريخية والأخوية بين السودان والمملكة.
لقد كانت المملكة العربية السعودية، قيادةً وحكومةً، حاضرة بمواقفها المشرفة تجاه السودان وشعبه، وقدمت نموذجاً في التعاون والتنسيق، وتعاملت مع القنصلية السودانية بجدة بكل احترام وتقدير، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي مر بها السودان.
إن يوم وضع حجر الأساس لاستكمال مبنى القنصلية الجديدة ليس مجرد يوم للبناء، بل هو يوم للوفاء؛ يوم نحتفي فيه بحلم تحقق، ونستذكر رجالاً صنعوا الطريق للوصول إليه.
وسيظل هذا الصرح شاهداً على مرحلة من العمل والعطاء، وسيظل اسم الدكتور كمال علي عثمان طه مرتبطاً بمرحلة مضيئة من تاريخ القنصلية السودانية بجدة، لأنه جعل خدمة المواطن والوطن رسالته الأولى.
نسأل الله أن يوفقه في كل مكان تخطو فيه قدماه، وأن يمنحه الصحة والعافية، وأن يكتب له الخير في خطواته القادمة.
فالحجر الذي يوضع اليوم يبني صرحاً للمستقبل، أما الرجال الذين يخدمون بإخلاص فيبنون ذاكرة لا تسقط أبداً… ويخلدها التاريخ.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات