يأتي مجلس التنسيق المشترك بين السودان والمملكة العربية السعودية كخطوة متقدمة تنقل العلاقة من إطارها التقليدي إلى شراكة أكثر مؤسسية وفاعلية، وتحول التعاون من مساحات عامة إلى مبادرات ومشروعات ذات مخرجات واضحة.فليست كل الاتفاقات بين الدول سواء ، فبعضها يضيف بنداً إلى سجل العلاقات، وبعضها يؤسس لمرحلة جديدة. ومن هذا المنظور، فإن العلاقة السودانية السعودية أعمق من السياسة؛ لأنها صنيعة الجغرافيا والتاريخ والدين والمصالح المشتركة. وظل البحر الأحمر، رغم أنه يفصل بين البلدين جغرافياً، جسراً للتواصل والتجارة والتفاعل الحضاري. وتطورت هذه الروابط إلى علاقات سياسية واقتصادية راسخة، ومن محطاتها المهمة التعاون حول استغلال موارد البحر الأحمر الذي تُوج باتفاقية عام 1974 التي وقعت في الخرطوم ..
واليوم تأتي أهمية مجلس التنسيق الثنائي في أنه يمنح هذه العلاقة إطاراً مؤسسياً قادراً على تحويل الإرادة السياسية إلى برامج، والتفاهمات إلى مشروعات، والمصالح المشتركة إلى شراكات مستدامة.
ويمثل الاقتصاد والاستثمار والتنمية المجال الأوسع لعمل المجلس. فالسودان يمتلك موارد ضخمة في الزراعة والثروة الحيوانية والتعدين والطاقة، وموقعاً استراتيجياً على البحر الأحمر، بينما تمتلك المملكة قدرات استثمارية وتمويلية وتقنية كبيرة. ومن شأن التكامل بين هذه الإمكانات أن يفتح آفاقاً واسعة أمام القطاع الخاص في البلدين.
والأهم أن المجلس يمكن أن يصبح بوابة لإعمار السودان بعد الحرب، ليس عبر المساعدات وحدها، وإنما من خلال الاستثمارات والشراكات التي تعيد تشغيل الاقتصاد، وتدعم البنية التحتية، وتوجد فرص العمل، وتحول موارد السودان إلى مشروعات منتجة ومعطاءة ..
كما أن التشاور حول مستجدات الإقليم والقضايا المشتركة يضيف للمجلس بعداً سياسياً واستراتيجياً مهماً، في ظل منطقة مضطربة تتقاطع فيها المصالح الدولية والإقليمية، ويحتل فيها البحر الأحمر موقعاً بالغ الحساسية.
لكن نجاح المجلس لن يقاس بعدد الاجتماعات والبيانات، وإنما بما يخرج من أبوابه إلى أرض الواقع من مشروعات تنفذ، واستثمارات تتحقق، وعقبات تزال، وفرص عمل تتوفر ، واقتصادان يتكاملان في أرض الواقع ..
إن السودان والسعودية لا يحتاجان إلى بناء علاقة جديدة؛ فالعلاقة موجودة ومتجذرة. لكنهما بحاجة إلى إعادة صياغة قوتها الكامنة بلغة المصالح والتنمية والاستثمار.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية لمجلس التنسيق ، لابد أن يكون قوة دفع للعلاقة السودانية السعودية، ونقلها من دفء التاريخ إلى شراكة المستقبل، ومن تقارب المواقف إلى تكامل المصالح.
فإذا نجح المجلس في تحويل التاريخ المشترك إلى مشروعات مشتركة، فإن هذه الخطوة لن تكون اتفاقاً إدارياً فحسب ، ولكن ستكون فصلاً جديداً في تاريخ علاقة صنعتها الجغرافيا، وحمتها المصالح، ويمكن أن يصنع مستقبلها التكامل.
