الخميس, أغسطس 13, 2026
الرئيسيةمقالاتزراعة نهر النيل بين الإرث والموروث… من يبدأ الحصاد؟ الكاتبة الإعلامية: عبير...

زراعة نهر النيل بين الإرث والموروث… من يبدأ الحصاد؟ الكاتبة الإعلامية: عبير نبيل محمد

لم تكن زيارة مجموعة مؤسسة «إعلاميون من أجل الاستقرار» إلى وزارة الزراعة والثروة الحيوانية والري بولاية نهر النيل، أمس، مجرد زيارة بروتوكولية؛ فقد امتد اللقاء لنحو ساعتين مع المهندس عبد الوهاب سليمان عمر، وزير الزراعة والثروة الحيوانية والري بولاية نهر النيل، بحضور عدد من المنصات الإعلامية والمراسلين المنضوين تحت مظلة المجموعة، إلى جانب حضور مميز لإذاعة القوات المسلحة.

وكانت حفاوة الاستقبال وفتح مساحة واسعة للحوار محل تقدير، لكن الأهم كان ما طُرح على طاولة النقاش من ملفات تمس صميم حياة الولاية: الزراعة والري، الطاقة، الاستثمار، الثروة الحيوانية، الغابات، والموسم الشتوي، إلى جانب سؤال أكثر اتساعًا يتعلق بالمناخ ومستقبل الزراعة.

فالولاية تواجه تحديات متراكمة في عدد من المشاريع الزراعية، من بينها العطش وتوفير الوقود لتشغيل وابورات الري، ومشكلات في بعض الترع، بينما تتجه الاستعدادات للموسم الشتوي إلى استكمال ما يلزم من أعمال، مع معالجة بعض الإشكالات التي تواجه مشروعات الأمن الغذائي.

وفي ملف الطاقة، برز التوجه نحو التوسع في الطاقة الشمسية ومصادر الطاقة البديلة، باعتبارها خيارًا مهمًا لاستدامة تشغيل المشاريع الزراعية وتقليل الارتهان لمشكلات الكهرباء والوقود. وهي تجربة بدأت ملامحها في الولاية قبل المرحلة الحالية، وبالتالي فإن قيمتها اليوم تكمن في تطويرها وتوسيع الاستفادة منها، لا في تقديمها باعتبارها فكرة وليدة اللحظة.

أما على مستوى الإنتاج، فقد شهدت الولاية بالفعل تجارب في زراعة محاصيل زيتية جديدة، من بينها السمسم وفول الصويا وعباد الشمس، إلى جانب ما تتميز به من إمكانات في إنتاج القمح والأرز الهوائي وغيرها من المحاصيل. وهذه التجارب تفتح بابًا مهمًا أمام تنويع التركيبة المحصولية، ورفع القيمة الاقتصادية للقطاع الزراعي.

ولا تنفصل عن ذلك الثروة الحيوانية والسمكية والدواجن، خاصة في ظل الأعداد الكبيرة من القطعان التي دخلت الولاية خلال سنوات الحرب. فهذه القطاعات ليست ملفات إضافية إلى جانب الزراعة، وإنما مكونات أساسية في منظومة الأمن الغذائي والاقتصاد المحلي، وتحتاج إلى الرعاية الصحية والتنظيم والاستثمار.

أما الغابات والمراعي، فقد كشفت الحرب عن أهميتها بصورة عملية؛ إذ أصبحت الأشجار في فترات انقطاع الغاز والكهرباء مصدرًا بديلًا للطاقة، كما أن الاهتمام بالمراعي ونثر البذور فيها يفتح مجالًا لحماية الموارد الطبيعية ودعم الثروة الحيوانية، مع ضرورة تحقيق التوازن بين الاستخدام والحفاظ على البيئة.

لكن أكثر ما يستحق التوقف في حديث الوزير كان ما يتعلق بالمناخ ومواقيت الزراعة.

فالإشارة إلى تغيرات طرأت على نمط الأمطار والفيضان والظروف البيئية، وما يمكن أن يترتب عليها من ضرورة إعادة النظر في مواقيت الزراعة والتركيبة المحصولية، ليست مسألة عابرة.

إذا تغيرت الظروف التي اعتاد عليها المزارع، فهل يمكن أن تبقى روزنامة الزراعة كما هي؟

السؤال يستحق دراسة علمية جادة، تجمع خبراء المناخ والمياه والري والزراعة، حتى تتحول الملاحظات الميدانية إلى بيانات وسياسات تساعد المزارع بدل أن تتركه أسيرًا لمواعيد قديمة.

وهنا نصل إلى مسألة أخرى لا تقل أهمية: الإرث والموروث.

فالوزير الجديد لم يتسلم أرضًا خالية، ولم تبدأ وزارة الزراعة مع توليه المنصب. هناك مشروعات قائمة، وتجارب بدأت، وملفات تراكمت، وأفكار طُرحت في مراحل سابقة.

ومن الإنصاف هنا أن يُذكر الوزير السابق المهندس صلاح كربكة بما يستحقه من حق في المرحلة التي تولى فيها المسؤولية، دون أن يكون ذلك انتقاصًا من الوزير الحالي.

فبعض الملفات التي يجري الحديث عنها اليوم لها جذور سابقة، ومنها تنويع الإنتاج والتوجه نحو الطاقة الشمسية، وهي قضايا كانت حاضرة في أجندة الولاية الزراعية قبل انتقال المسؤولية إلى المرحلة الحالية.

وهذا هو معنى الإرث والموروث في العمل العام.

من بدأ مشروعًا لا ينبغي أن يُمحى اسمه من تاريخه، ومن تسلم مشروعًا لا ينبغي أن يُحرم من حق تطويره، ومن سيضيف جديدًا فليُحسب له ما أضافه.

فالإنصاف لا يعني أن ننسب كل ما هو قائم إلى السابق، ولا أن نمنح الجديد إنجازات لم تتحقق في عهده.

بل يعني أن يعرف كل مسؤول ماذا وجد، وماذا سيحافظ عليه، وماذا سيصحح، وماذا سيضيف.

وهنا تحديدًا تبدأ مسؤولية الوزير الجديد.

فالمطلوب ليس أن يبدأ من الصفر، وإنما أن يقرأ ما ورثه جيدًا، وأن يحافظ على ما نجح، ويعالج ما تعثر، ويطور ما يحتاج إلى تطوير، ويحول الرؤى التي طُرحت إلى نتائج يشعر بها المزارع في أرضه.

ومن موقعنا كإعلاميين، فإن الاستقرار الذي ننشده لا يعني المجاملة، كما أن المهنية لا تعني التجريح.

نحن بحاجة إلى أن نعطي كل مرحلة حقها، وأن نحفظ للوزير السابق ما أنجزه، ونترك للوزير الجديد مساحة ليصنع إنجازه الخاص.

ففي النهاية، لا الوزارة وحدها تحكم على الوزير، ولا الإعلام وحده يملك الحكم.

الواقع هو الحكم، والأرض هي الشاهد، والموسم الزراعي هو الاختبار.

وما قيل في لقاء الأمس يظل بداية حديث، أما ما سيُنجز على الأرض فهو الذي سيكتب الفصل التالي من حكاية زراعة نهر النيل.

الأرض لا تجامل، والموسم لا يجامل؛ فمن أحسن الزراعة، كان حصاده شاهدًا عليه.

وهنا يبقى السؤال مفتوحًا:

من يبدأ الحصاد؟

هل هو من غرس البذرة، أم من تسلّم الأرض، أم من استطاع أن يحوّل ما ورثه إلى إنجازٍ جديد؟

في النهاية، لن تكون الإجابة في المكاتب، ولا في التصريحات، ولا في العناوين؛ ستكون هناك، حيث يقف المزارع أمام أرضه، منتظرًا أن يرى ثمرة ما قيل.

✍️ توقيعي….

سلام وأمان… فالعدل ميزان
أنا الرسالة حين يضيع البريد
أنا امرأة من حبر النار

✒️ عبير نبيل محمد

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات