نقطة البداية
نقف اليوم أمام حالة الجدل الواسعة التي أعقبت مشاركة الفنان مامون سوار الدهب في مهرجان الإذاعة والتلفزيون العربي بتونس. وهي زوبعة محتدمة وسيل من الاتهامات السطحية تتكرر للأسف مع كل إشراقة إبداع سوداني يُراد لها أن تمثل الوطن في المحافل العربية والدولية.
إن القراءة الفنية المتأنية لاختيار مأمون لأغنية «أخوي تومي» تؤكد أنه كان اختياراً موفقاً وذكياً؛ فالعمل يتكئ أساساً على «إيقاع السيرة» الخالد، وهو الإيقاع الأكثر شعبية وحيوية والأقدر على إبراز هويتنا الموسيقية ونقل نبض الشارع السوداني لجمهور عربي متطلع للتعرف على تنوعنا الثقافي. تقديم هذا الإيقاع الثري برفقة أوركسترا موسيقية ضخمة كان محاولة جادة لتوزيع الجملة الموسيقية السودانية بقالب عالمي يستحق الاحتفاء والدعم، لا التجريح والتقليل.
لكن المؤلم في الأمر هو أن معظم السهام التي وُجّهت لهذه المشاركة لم تكن تقييماً فنياً مجرداً، بل كانت للأسف نتاج «حقد طبقي» وعدم دراية بأسس التذوق الموسيقي. لقد تناسى المنتقدون أن المشاركة حظيت بإشادات واسعة وقبول ملحوظ داخل أروقة المهرجان وبين الجماهير الحاضرة، إلا أن ظاهرة (تكسير المجاديف)وسوء النوايا التي تفشت مؤخراً في وسائطنا هي التي طفت على السطح. أصبحنا نرى ترصداً مريضاً لكل مبدع يحاول تقديم شيء للوطن، حيث يتعالى صخب «المغرضين» ليحجب كل صوت إيجابي ومشجع.
ومع كل هذا الدفاع المستحق عن القيمة الفنية للمشاركة، تبقى هناك نقطة جوهرية واحدة كان بإمكانها حسم المعركة مبكراً وقلب الطاولة حتى على أولئك المرضى بداء النقد والترصد؛ وهي (الهوية البصرية والمظهر).
لو أن مأمون سوار الدهب أطلّ على المسرح التونسي بالزي القومي السوداني أصيل المعالم (الجلابية والعمة)، لتغيرت الموازين تماماً ولضجت منصات التواصل الاجتماعي بالافتخار والاعتزاز. إن الحضور البصري بالزي القومي في مثل هذه المحافل الرسمية يمنح الفنان هيبة استثنائية، وكان سيقطع الطريق أمام كل مترصد، ويجبر الجميع على الوقوف احتراماً للهوية السودانية الشامخة.
نقطة اخيرة
أقوله ليكم وللزمان
(صفّوا النية)، واشتغلوا على تطوير أنفسكم بدلاً من ممارسة الأستاذية المجانية على المبدعين. اتركوا التقييم والتصنيف الفني لأهل الاختصاص والنقاد عبر منابرهم العلمية. إن التمثيل الخارجي للبلاد يحتاج إلى التكاتف والتشجيع، لا إلى تحويل منصات التواصل إلى مقاصل لإعدام الطموح والإبداع
