ما راج عن تحركات ووساطات لطلب العفو من رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة عن قيادات في صمود ، أعاد إلى الواجهة سؤالاً أكبر من مجرد عفو عن أشخاص ، عفوٌ عن ماذا؟ ومن يملك حق طلبه؟ ومن يملك حق منحه؟ ،
ولأن عمر الدقير القيادي في صمود ، خرج بحسب ما نُقل عنه رداً على ما قيل عن طلب العفو، ليقول: «لسنا مجرمين عشان نطلب العفو من البرهان» ، كيًة للمارقوت على قرار المثل الشعبي ، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً ، إذا لم يكونوا مجرمين ، فما الذي يستدعي أصلاً الحديث عن العفو؟ ، وإذا كانت هناك وساطات ، فما الذي يُراد منها تحديداً؟ ،
المسألة ليست خصومة سياسية بين البرهان وقيادات صمود ، ولا مباراة في المواقف والتصريحات.
السودان عاش حرباً سالت فيها الدماء في الشوارع والقرى والمدن ، وارتُكبت خلالها انتهاكات مروعة بحق المدنيين ، من قتل وتشريد ونهب وانتهاك للأعراض ، وهي جرائم لا ينبغي أن تتحول إلى مادة للمساومة السياسية أو أن تُدفن تحت عبارات المصالحات السياسية ، والأكثر إيلاماً أن صمود التي يطلبون العفو عنها اختارت في لحظات كان فيها الصمت يمكن أن يكون موقفاً، أختارت أن تتحدث بمواقف بدت لكثير من السودانيين متماهية مع خطاب مليشيا الدعم السريع ، بينما كانت الوقائع على الأرض تقول شيئاً آخر ، وحين كان المواطن يبحث عن صوت يدين حمامات الدم ، كان الخطاب السياسي لـصمود منشغلاً بتجريم القوات المسلحة ، الجيش الذي اختاره قطاع واسع من السودانيين ملاذاً في مواجهة المليشيا واستعادة المدن وحماية الدولة ، وهنا لا بد من التفريق بين أمرين النقد للجيش إن تقاعس وقصر وهو حق مشروع ، وبين تجاهل جرائم المليشيا أو تبريرها أو مساواتها بواجب القوات المسلحة في حماية الدولة والمواطنين.
لكن يا سيادة البرهان إذا كان الحديث عن العفو قد أصبح مطروحاً ، فالسؤال الذي يفرض نفسه ، من أحق بالعفو؟
أقيادات المؤتمر الوطني الذين ما زالوا حبيسي السجون منذ سنوات ، أم قيادات صمود التي يُقال إن بعض رموزها تعرض الآن وساطات من أجل العفو عنها؟ ،
أيّهما أحق بالعفو: البشير وقيادات الوطني الذين انخرط شبابهم وطلابهم في جبهات القتال ، ودخلوا الخنادق إلى جانب القوات المسلحة دفاعاً عن البلاد ، فسقط منهم شهداء ، وأُسر آخرون ، وجُرح آخرون؟ أم قيادات صمود التي اختارت الاصطفاف السياسي مع مليشيا كانت تخوض حرباً ضد الدولة والشعب؟ ، من احق بالعفو قائدك في الجيش البشير ام المجرم حمدوك.
إن كان معيار العفو هو الموقف من الدولة في زمن الحرب ، فهنا لا بد من مراجعة الموازين ، وإن كان معيار العفو هو المصلحة الوطنية ، فالمصلحة الوطنية لا ينبغي أن تكون انتقائية ، لا يُفتح باب التسامح لفئة لأنها تمتلك علاقات ووساطات ، بينما يبقى آخرون خلف القضبان رغم أن أبناءهم كانوا ومازالوا في الخنادق يقاتلون إلى جانب الجيش ،
ولست هنا بصدد الدفاع عن أخطاء أي حزب أو تبرئة أي شخص من مسؤولية تستوجب المحاسبة ، لكن العدالة التي تُطبق على خصم وتُرفع عن حليف محتمل ليست عدالة ، والعفو الذي يصبح امتيازاً سياسياً لا مصالحة وطنية ، فالسياسة لا تمنح أحداً حصانة أخلاقية ، كما أن الانتماء إلى أي تيار لا يجعل صاحبه فوق المساءلة ، وإذا كان ثمة حديث عن مصالحة وطنية ، فالمصالحة الحقيقية لا تبدأ بالعفو عن القيادات قبل أن تتضح المسؤوليات ، ولا تكون بإعادة تدوير المشهد السياسي نفسه الذي سبق الحرب ، وإنما تبدأ بالحقيقة والاعتراف بالضحايا ومحاسبة من تثبت مسؤوليته عن الجرائم ، وليس من العدل أن يُطلب من السوداني الذي فقد منزله ، أو شُرّد من قريته ، أو فقد قريباً ، أن يسمع عن عفو سياسي بينما لم يسمع حتى اعتذاراً واضحاً ممن اختاروا مواقف سياسية أثارت غضبه وألمه خلال الحرب.
أما البرهان، فإن قراره إن كان ثمة طلب حقيقي للعفو ينبغي ألا يُبنى على حسابات الأشخاص أو الضغوط السياسية ، بل على مصلحة الدولة وحق الشعب في العدالة ، فالقائد الذي قاد جيشه لاستعادة الأرض وحماية المواطنين لا يمكن أن يتعامل مع العفو باعتباره صفقة سياسية تعيد إلى المشهد من ساهموا ، بمواقفهم أو خطابهم ، في تعميق الانقسام ، السودان يحتاج إلى مصالحة ، نعم ، لكنه يحتاج قبلها إلى ذاكرة لا تخون الضحايا ، وعدالة لا تميز بين صاحب نفوذ ومواطن أعزل ، وسياسة لا تكافئ من أخطأ لمجرد أن موازين القوة تغيرت ، لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يعفو البرهان عن قيادات صمود؟ ،
السؤال هو هل يستحق المشهد السياسي السوداني أن يعاد إنتاجه بالطريقة ذاتها ، قبل أن يُقال للضحايا إن دماءهم لم تكن ثمناً رخيصاً لتسوية سياسية؟ ،
فالبرهان قد يعفو عن خصم سياسي ، لكن الشعب هو الذي يملك ذاكرة الدم والذاكرة ، مهما حاولت السياسة طمسها ، لا تنسى من وقف معها حين اشتدت المحنة ، ومن اختار الوقوف بعيداً عنها… لنا عودة.
