الثلاثاء, أغسطس 11, 2026
الرئيسيةمقالاتلن تنتهي الحرب… تغيّر الماعون فقط. ...

لن تنتهي الحرب… تغيّر الماعون فقط. الكاتبة الإعلاميه: عبير نبيل محمد

لن تنتهي الحرب هكذا…

ربما تتغير اللعبة، وتتبدل الوجوه، وتتغير الأجندات، ويغادر أصحاب القرار مقاعدهم ليجلس عليها آخرون، لكن المشهد نفسه قد يُعاد إنتاجه من جديد.

وجوه جديدة…

شخصيات جديدة…

خطابات جديدة…

وقناع جديد فوق وجه قديم.

والمخيف ليس أن يتغير الأشخاص، بل أن تبقى الطريقة ذاتها.

أتذكر أمي زمان…

كانت أحيانًا، وقبل موعد الطعام بقليل، حين يكون الجميع قد حضر وانتظر وجبته، تأخذ ما تبقى من طعام الأمس، وتضعه في إناء آخر، وتضيف إليه قليلًا من البهارات والتوابل، وربما تغير طريقة تقديمه، ثم تضعه أمامنا وكأنه طعام جديد.

ومن لا يأكل الطعام البائت… كان يأكل!

ليس لأن الطعام قد تغير فعلًا، وإنما لأن الماعون تغير شكله، والرائحة تغيرت، والبهارات خدعت العين والأنف.

وكان التوقيت جزءًا من الحيلة الجميلة…

فالجميع جائع، والجميع حاضر، والطعام أمامهم، والوقت لا يسمح بكثير من الأسئلة.

وهذا، في ظني، يشبه حالنا اليوم.

قد لا تكون الطبخة جديدة…

قد يكون الماعون هو الذي تغير.

قد تتغير الوجوه، وتتغير الأسماء، وتتغير العبارات، وتضاف إليها كثير من البهارات السياسية والإعلامية، حتى ننظر إليها ونقول:

«هذه المرة مختلفة».

لكن هل هي مختلفة فعلًا؟

أم أننا ندعى مرة أخرى إلى المائدة نفسها، بالطعام نفسه، ولكن في إناء جديد؟

في الفترة التي انشغلنا فيها بمعركة الكرامة، كنا نحن حطبًا في نارها؛ نحمل أحلامًا معلقة بين السماء والأرض، ونركض خلف وطن نحلم أن نراه واقفًا على قدميه.

كنا ننتظر أن تصل أحلامنا إلى السماء…

فإذا بها تسقط قبل أن تجد طريقها.

وكنا نظن أن آخر قطرة دم تراق ستكون بداية لعودة الحياة، فإذا بالأرض تزداد عطشًا، والمواطن يزداد إنهاكًا، وعرقه لا يجف، وبيته لا يأمن، وقلبه لا يجد مكانًا يستريح فيه.

معركة كرامة؟

لا أقول ذلك إنكارًا لتضحيات من قاتلوا أو فقدوا أرواحهم، ولا انتقاصًا من دم شهيد أو جريح أو أسير؛ وإنما أقولها من قلب مواطن يسأل عن الحصيلة:

إذا كانت الكرامة هي الغاية، فأين كرامة الإنسان التي خرجنا من أجلها؟

لقد ذُبحت كرامتنا قبل أن ننطق بالشهادة.

ولا أدري…

أكان مكتوبًا علينا أن نموت بهذه الطريقة؟

أم أن بعض العقول قررت أن تجعل من الوطن مختبرًا لأفكارها، ومن المواطن وقودًا لصراعاتها؟

أم أنها حربٌ تحولت إلى قاعدة:

العصا لمن عصى…

ثم انكسرت العصا، وضاع التلميذ وسط الزحام، وضاعت معه هيبة المدرسة.

وفي قلب هذه المعركة، لم يكن الدم وحده هو الثمن.

كانت هناك نساء سودانيات دُفعت بهن الحرب إلى أبشع صور الانتهاك، ونساء فُقدن، وأخريات تعرضن للاستغلال والاتجار، حتى عاد بنا المشهد إلى صورة كان الإنسان يظن أن التاريخ قد دفنها إلى الأبد؛ نساء يعاملن كسلعة، في مشاهد تشبه أسواق النخاسة.

فأي كرامة نبحث عنها، إذا كانت المرأة السودانية نفسها قد أصبحت في بعض مناطق الحرب هدفًا للانتهاك والاستغلال؟

وأي نصر يمكن أن يكتمل، إذا كان الإنسان هو الخاسر الأكبر؟

ثم نعود إلى الثورة…

قيل لنا إنها وعي.

فأسأل اليوم، لا اعتراضًا على حلم الثورة، وإنما خوفًا على ما تبقى منه:

أين ذهب ذلك الوعي؟

كيف تحولت الشعارات إلى اصطفافات؟

وكيف تحولت الأسئلة إلى تخوين؟

وكيف تحولت العقول التي كان يفترض أن تفكر وتسأل وتراجع إلى عقول تردد ما يقال لها؟

ثورة تصنع من العدم…

وشعارات تكبر…

وأحلام تباع…

ثم تتدهور البلاد أكثر فأكثر.

أنا لا أنكر حلم الثورة، ولا أتنكر لتضحيات من آمنوا بها، لكن الثورة التي لا تنتج وعيًا يحمي الإنسان، ولا دولة تحفظ كرامته، ولا تمنع تكرار المأساة، تصبح في حاجة إلى مراجعة نفسها قبل أن يكتب التاريخ حكمه عليها.

نحن لا نحتاج ثورة جديدة في الوجوه والشعارات…

نحتاج ثورة في طريقة التفكير.

نحتاج عقولًا لا تقاد بالهتاف، ولا تشترى بالخوف، ولا تخدع بتغيير الماعون والبهارات.

فقد تعب السودان من الوجوه التي تتغير، بينما تبقى الوصفة ذاتها.

وتعب المواطن من أن يكون دائمًا هو الثمن.

وهنا أتذكر التلميذ…

التلميذ الذي كان يفترض أن يدخل مدرسة يتعلم فيها، ويجد مجلسًا يحميه ويؤدب من يخطئ، ويعيد الأمور إلى نصابها.

لكن ماذا يحدث عندما يختل مجلس المدرسة نفسه؟

عندما يتحول من يفترض أن يحمي التلميذ إلى جزء من الفوضى؟

عندها لا يعود التلميذ يعرف من المعلم ومن المخطئ، ولا أين يقف، ولا لمن يشكو.

يضيع التلميذ وسط الزحام.

وهذا هو حال المواطن اليوم.

مجلس المدرسة الذي كان يفترض أن يكون مجلسًا للتأديب والإصلاح وحماية الحقوق، أصبح جزءًا من الأزمة نفسها؛ حتى أصبح من العادي أن تصافح من انتهك عرضك، وأن تصفق لمن خان، وأن يجلس من أوجع وسرق الوطن في الصف الأول، بينما يطلب من الضحية أن تصمت باسم المصلحة.

أي مصلحة هذه؟

وأي وطن يمكن أن يبنى فوق ذاكرة مكسورة، وقلوب لم تداو، وحقوق لم ترد؟

ثم نأتي إلى أصحاب القرار…

من سيغادر؟

ومن سيأتي؟

ومن سيحمل القناع الجديد؟

ومن سيجلس على المقعد الذي تركه الآخر؟

قد تتبدل الأسماء، لكن السؤال الحقيقي ليس:

من سيأتي؟

بل:

ماذا تعلمنا؟

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد الحرب ليس أن تعود الحرب بالسلاح…

بل أن تعود بالعقول نفسها، والأجندات نفسها، والطريقة نفسها.

الرحمة والمغفرة لشهداء الوطن.

أنتم السابقون، ونحن اللاحقون، إن شاء الله.

ونسأل الله الشفاء العاجل لكل جريح، ولكل رجل عاهد الله، ونعم العهد ونعم الإيمان.

أما أنتم، يا من أسرتم…

فنسأل الله لكم الخلاص والعودة القريبة.

نريدكم أحياء بيننا.

نريد أن نراكم، أن نسمع أصواتكم، أن تعودوا إلى أهلكم، لا أن تكونوا مجرد أسماء في دفتر حرب طويل.

وأما أنتم، يا من فقدناكم…

فاحملي يا رياح الشوق دعاءنا وسلامنا إليكم.

قولي لهم إننا لم ننسي .

قولي لهم إننا ما زلنا نحاول أن نفهم كيف صار الوطن الذي أحببناه بهذا الوجع.

ونسأل الله الحفظ والستر، وأن يجمع شملنا قبل أن يصبح الفقد هو اللغة الوحيدة التي يعرفها السودان.

لقد ظلمنا…

وجاءتنا الحرب…

وفقدنا الكثير.

فقدنا البيوت، والأمان، والأحلام، والأحبة، وأشياء كثيرة لا تعوض.

لكن الأخطر من كل ذلك…

أننا الآن نقف أمام فصل جديد من الكتاب نفسه.

الأحزاب تعود…

والشخصيات تعود…

والخطابات تعود…

والوجوه تستعد لارتداء الأقنعة من جديد.

فهل تغيرت الوصفة؟

أم أننا فقط أمام إناء جديد لطعام بائت؟

هل تعلمنا شيئًا من كل هذا الخراب؟

أم سنتركهم يضعون قليلًا من البهارات فوق جراحنا، ثم يقدمون لنا المشهد ذاته باعتباره سودانًا جديدًا؟

أنا لا أخاف من الوجوه الجديدة…

أنا أخاف من أن تكون الوجوه جديدة، والعقول قديمة، والأجندات ذاتها، والضحية ذاتها.

فإذا كان هذا فصلًا جديدًا…

فليكن فعلًا جديدًا.

لا نريد قناعًا جديدًا فوق وجه قديم.

لا نريد إناءً جديدًا للطعام البائت.

نريد وطنًا جديدًا في معناه…

دولة لا يكون المواطن فيها وقودًا للحرب، ولا ورقة في يد السياسي، ولا رقمًا في نشرة الأخبار.

وطنًا لا تقاس فيه الكرامة بالشعارات…

بل بما يعيشه الإنسان.

فقد تعبنا من الحرب…

وتعبنا أكثر من الذين يتقنون صناعة الحروب، ثم يتقنون صناعة الوجوه التي تأتي بعدها.

وتعبنا من أن يطلب منا أن ننسى، قبل أن نفهم.

وأن نصفق، قبل أن نحاسب.

وأن نفتح صفحة جديدة، بينما الصفحات القديمة لم تقرأ بعد.

وهكذا…

بين فصل يغلق وفصل يفتح، يبقى السؤال معلقًا فوق سماء السودان:

هل نحن أمام نهاية الحرب… أم أمام إعادة تدويرها بأسماء ووجوه ورايات جديدة؟

وإن كانت الحرب لم تنته…

فليتوقفوا على الأقل من تغيير الماعون.

فهذا الشعب لم يعد يحتمل وجبة أخرى من الوجع.

ولم يعد يحتمل أن يجلس إلى المائدة نفسها، فيجد الطعام ذاته، والوجع ذاته، والنتيجة ذاتها…

ثم يقال له:

هذه المرة… طبخة جديدة.

✍️ توقعي….
سلامٌ وأمان… فالعدلُ ميزان.
أنا الرسالة حين يضيع البريد…
أكتب ما يعجز الخوف عن قوله، وأحمل وجع وطنٍ لم يجد بعد طريقه إلى السلام.

لن تنتهي الحرب تغيرالماعون_فقط

#السودان

#وجع_وطن #كرامة_الإنسان #وعي_لا_شعارات #لا_لتدوير_المشهد#وجوه_جديدة_بعقول_قديمة #صوت_المواطن

#عبيرنبيل محمد

✒️ امرأةٌ من حبر النار

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات