حاورها : هاني عثمان
الإعلامية القديرة المتميزة هيام الطاهر حسن من بورتسودان بدأت الحكاية، وبين أمواج البحر والنوارس تشكل شغفي بالإعلام. و«إذاعة بلادي» رفعت اسم السودان عاليًا في منصات التتويج العربية.
أين كانت البداية؟
أنا من مواليد مدينة بورتسودان، عروس البحر الأحمر، ونشأت فيها، وفيها تشكلت شخصيتي بين أمواج البحر والنوارس والسفن، وبين الأهل والجيران والأحبة في شوارع حي سلبونا بالبر الشرقي للمدينة.
ذلك الحي كان عالمًا متنوعًا اجتمع فيه السياسيون والفنانون بمختلف فنونهم، والمعلمون والأطباء والبحارة ولاعبو كرة القدم والصيادون والموظفون والعمال. كانت البيوت الخشبية مفتوحة على الحب والمودة وحسن الجوار، وكانت النفوس من ذهب لا يصدأ ولا يتغير.
هناك مشيت خطواتي الأولى، وإليه أعود في كل مرة، فأعود تلك الطفلة المدللة المشاغبة، وكأنني لم أغادر ذلك الزمن الجميل.
مسيرتك التعليمية؟
درست مراحلي التعليمية الأولى في بورتسودان، ثم تخرجت حاملة درجة البكالوريوس من كلية الآداب، قسم اللغة العربية، بجامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية.
بعد ذلك حصلت على البكالوريوس الثاني من جامعة أم درمان الأهلية، كلية الآداب، قسم علوم الاتصال، ثم نلت درجة ماجستير العلوم في علوم الاتصال من جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا.
وما زلت أواصل دراساتي العليا، إلا أن الحرب وما ترتب عليها من ظروف أخرت إكمال المشوار. لكن لدي من العزيمة والإصرار ما يدفعني إلى مواصلة الطريق حتى النهاية.
كيف تنظرين إلى الإعلام مهنة أم شغف؟
الإعلام ليس مهنة مثل الطب والهندسة وبقية المهن فقط؛ إنه هواية تسندها الموهبة، وتستوي على البحث والتعلم، وهو عشق يسكن مجرى الدم، فتظل تنميه بالقراءة والاطلاع والتجربة دون توقف.
كلما أعطيته منحك، وكلما منحته فاض عليك.
المهن نتكسب منها فتعطينا، لكن الإعلام يطلب منك أكثر مما يعطيك. والإعلام رسالة ينبغي أن تؤخذ بحقها، لأن الإنسان سيُسأل يومًا عن الرسالة التي بثها بين الناس: هل كانت قيمة ومجدية، أم كانت خلاف ذلك؟
والإعلامي ينبغي أن يكون قدوة ومثالًا لما ينبغي أن يكون عليه الإنسان، بغض النظر عن مدى نجاحه الفعلي في الوصول إلى ذلك.
متى بدأ شغفك بالإعلام؟
تسلل الإعلام إليّ منذ كنت يافعة، خلال سنوات التعليم الأولى، مع بداية مشاركتي في النشاطات غير الصفية.
كانت الجمعيات الأدبية بالنسبة لي بمثابة الهواء الذي نفخ في الشعلة وأذكاها، وظلت تلك الشعلة متقدة حتى يومنا هذا.
ثم جاءت التجربة المهنية الأولى عبر تلفزيون بورتسودان، ومنها انتقلت إلى الإذاعة السودانية، وتلفزيون السودان، وإذاعة البحر الأحمر، ثم هيئة إذاعة وتلفزيون الخرطوم، وقناة النيل الأزرق، وراديو الرابعة، ومن جديد تلفزيون السودان، ثم قناة الشروق الفضائية، إلى أن استقر بي المقام أخيرًا في إذاعة بلادي 96.6 FM.
مستقبل الإعلام في ظل التحولات الكبيرة التي يشهدها العالم؟
المستقبل للإعلام بالتأكيد؛ فحيثما وجد الإنسان وجد الاتصال والإعلام، ولذلك لا يوجد بديل عنه.
لكن علينا في السودان أن نعيد ترتيب مشهدنا الإعلامي بصورة أفضل، وأن نعزز من خلاله وحدتنا، ونبين كيف يمكن أن نجعل بلادنا نسيجًا واحدًا، يتخذ من التنوع سبيلًا للاتحاد.
ينبغي أن نعلي شأن مصلحة الوطن، وأن يكون الوطن أولًا حقيقة وليس شعارًا. وأن ننظر إلى حدود بلادنا الممتدة، فنقيم علاقات قائمة على المصالح والمنافع المتبادلة مع من يحيطون بنا.
كل شأن يخص بلادنا وأهلها هو شأن عام، ويجب أن نتعامل معه باعتباره مسؤولية مشتركة، وأن نضع نصب أعيننا وطنًا يستحق أن يكون عالي الشأن بجهد أبنائه وعملهم الدؤوب.
الإعلام يستطيع أن يخترق هذه المساحات وأكثر؛ فهو قادر على ترسيخ الحق وتوحيد الجميع على قدم المساواة والمكانة، بحيث لا يعلو أحد على آخر، ولا يسعى ابن إلى خراب بيته الكبير.
الإعلام هو السلطة حاليًا؟
نحن نعيش عصر الإعلام، والإعلام أصبح قوة مؤثرة في تشكيل الوعي وصناعة الرأي العام وتوجيه النقاش المجتمعي.
نحن من رواده، ولذلك إما أن ننتبه ونصنع مستقبلًا يليق بنا وببلادنا، وإما أن نترك الساحة لغيرنا، وعندها ندفع جميعًا ثمن غياب الدور المهني المسؤول.
إذاعة بلادي حققت حضورًا لافتًا في المنافسات العربية.. ماذا يعني لك هذا النجاح؟
إذاعة بلادي حملت اسم السودان ورفعته عاليًا في منصات التتويج الإعلامي العربية.
ومنذ انضمامها إلى اتحاد إذاعات الدول العربية، حققت أكثر من جائزة في المسابقات الإذاعية الموازية. والفوز ليس حديثًا عليها ولا جديدًا؛ فقد سبق لها الفوز في العام الماضي بثلاث جوائز، وقبل ذلك بجائزتين، وقبلها بثلاث جوائز، ثم أضافت هذا العام جائزة جديدة.
نحن نتحدث عن تسع جوائز جاءت من منافسات محتدمة، شاركت فيها مؤسسات عربية ومنظمات كبيرة ومشهورة يشار إليها بالبنان.
لذلك ليس غريبًا أن تواصل بلادي حضورها في منصات التتويج.
وما تفاصيل الجائزة الأخيرة؟
جاء الفوز هذا العام تحت فئة البرامج الاجتماعية، عن عمل بعنوان «أبجدية عبر الحدود – سلسلة أطفال الغربة».
وهذا الفوز هو نتاج عمل جماعي دؤوب من طاقم إذاعة بلادي، رغم ظروف الحرب التي انعكست على العمل في الأجهزة الإعلامية كافة، وليست بلادي استثناءً من ذلك.
وفي ظل هذه الظروف، نهضت بلادي وواصلت حضورها وصدحت في ربوع السودان، في وقت تعذر فيه عمل عدد من الإذاعات الأخرى.
كانت قريبة من حال أهل السودان، تحكي عنهم، وتحمل صوت الحقيقة والواقع، وتوضح التحديات، وتصنع الفرق.
ولهذا كانت بحق 96.6 FM.. صوت السودان.
كيف أثرت الحرب على العمل الإعلامي من وجهة نظرك؟
الحرب ألقت بظلالها على كل شيء، والإعلام من أكثر القطاعات التي تأثرت بها؛ لأن الإعلام يعمل وسط الناس ويرصد حياتهم وتفاصيلهم وآلامهم وآمالهم.
لكن رغم الظروف الصعبة، تبقى مسؤولية الإعلام قائمة، بل تصبح أكبر. وفي الأزمات يحتاج الناس إلى إعلام مهني ومسؤول، ينقل الحقيقة، ويمنح المجتمع مساحة للفهم، ويقاوم الشائعات وخطابات الكراهية، ويساعد في الحفاظ على تماسك المجتمع.
ما رسالتك إلى الإعلاميين ؟
أقول لهم: اعلموا أن الكلمة رسالة، وستُسألون عنها ذات يوم، والتاريخ لا يرحم.
كونوا على قدر التحدي، واحرصوا على أن تكون مهنتكم جسرًا للوعي، لا أداة للفرقة، وأن تكون الكلمة عندكم مسؤولية قبل أن تكون مهنة.
أمنياتك؟
أتمنى أن تكون مصلحة السودان وشعبه هي البوصلة، وأن يدرك الجميع أن الوطن أكبر من الأشخاص والمواقع والمصالح العابرة.
رسالة للمسؤوليين؟
وقف الشعب كله معكم وما يزال.
انظروا ماذا ترون، وأصلحوا حاله، وتفقدوا معاشه، ولا تنسوا صحته وتعليمه وأبناءه.
هذا هو الادخار الحقيقي للمستقبل؛ أن نبني إنسانًا قادرًا على صناعة مكان لبلده حيث يستحق أن يكون.
ماذا تقولين للشعب السوداني؟
إلى شعبنا الأبي، الذي صبر وما زال ينافح الظلم والعدوان والبغي: لك الإجلال والعز والفخار.
وأقول للسودان: دمت يا وطننا الحبيب.
وستظل الكلمة الصادقة، والعمل المخلص، والإيمان بهذا الوطن، هي الطريق الذي يمكن أن يقودنا إلى المستقبل الذي يستحقه السودان وأهله.
