الأحد, أغسطس 9, 2026
الرئيسيةمقالاتثورة المناهج والإدارة.. كيف نستعيد السودان من دوامة الهدر والشتات؟ ...

ثورة المناهج والإدارة.. كيف نستعيد السودان من دوامة الهدر والشتات؟ بقلم/ محمد حسن سفيان

​يمتلك السودان من الثروات الطبيعية والميزات التفضيلية ما يجعله في مقدمة القوى الاقتصادية في المنطقة، مناخات متعدِّدة، وأراضٍ زراعية شاسعة، وثروات حيوانية ،بترول ومعادن هائلة، وأنهار جارية ومياه جوفية، إلى جانب حيازته لأهم منافذ البحر الأحمر وحصريته في إنتاج الصمغ العربي، وموقعه الجغرافي الآمن بعيداً عن حزام الزلازل والبراكين. غير أن هذا التنوع البيئي والسكاني المتميز لم يترجم – حتى اليوم – إلى تنمية حقيقية أو استقرار ملموس، مما يحتم اعترافاً شجاعاً بأن الخلل الأساسي يكمن في طريقة إدارتنا للشأن العام والخاص، وفي فشل الحكومات المتعاقبة في بناء الإنسان عبر مناهج تعليمية وتربوية توحد الوجدان الوطني حول مفهوم السودانوية.
​صراعات الهامش والمركز وأوهام الخدمة المدنية
​إن الناظر في واقع المدن والأرياف السودانية يلمس حالة بيّنة من التضاد والاستقطاب المنهك، فالصراع المحتدم بين المجتمع الرعوي والمجتمع الزراعي، والتنافس الاحتكاري بين مدن الولاية الواحدة على أحقية القيادة، والتكتلات المناطقية المرتكزة على تقسيمات شمال الولاية وجنوب الولاية أو الهيمنة القبيلة، كلها لغات خلافية جمدت قطارات التنمية وعطلت الإنتاج.
​يضاف إلى ذلك ارتهان الهيكل الإداري للدولة لنظام خدمة مدنية خلّفه الاستعمار لإدارة مستعمراته وتخلّى عنه هو نفسه في دولة الرفاه الحديثة، بينما لا نزال نتمسك بأدواته التقليدية دون تطوير يواكب مستجدات العصر والتكنولوجيا.
​مأساة الإدارة الحالية لا تقف عند الممارسات البيروقراطية، بل تتعداها إلى تغليف التردد والجبن الخائف على المصالح الشخصية برداء الحكمة والتعقل. لقد أدى هذا النهج إلى تساهل مفرط ومداهنة ناعمة مع القوى الخارجية التي تطمع في موارد البلاد، في مقابل صرامة وخصومة وفجور شديد في الخلاف الداخلي بين أبناء الوطن الواحد. إن إدارة الدول تقتضي توازناً شجاعاً بين الحكمة والردع، فالحياة والواقع يتطلبان امتلاك القوة لحماية الحقوق وإقرار النظام، جنباً إلى جنب مع الحكمة والتروي لجمع الصف، وهو الدرس الصريح الذي تؤكده القيم والمبادئ الإنسانية والدينية في التعاطي مع إكراهات الواقع.
​خريطة الطريق: ثورة جذرية في السلوك والمؤسسات
​إن الخروج من هذه الدائرة المغلقة يتطلب إعلان ثورة شاملة في إدارة الدولة والمجتمع، تتلخص محاورها في الآتي:
​إعادة هيكلة المؤسسات وإلغاء الفوارق: البدء فوراً بإزالة الفوارق الشاسعة في المخصصات والامتيازات الوظيفية بين سلطات الدولة ومؤسساتها، لرد الاعتبار لقيمة العمل والمواطنة العادلة.
​إصلاح التعليم لبناء السودانوية: صياغة مناهج تعليمية وتربوية حديثة تُعنى ببناء السلوك القومي، وغرس مفهوم المواطنة الموحدة، وتجاوز العصبية الجهوية والقبيلة.
​تحديث القطاع الإنتاجي: إدخال التقانات الحديثة في الزراعة والرعي، وتحويل الإنتاج من نمطه التقليدي إلى نمط صناعي حديث يرفع القيمة المضافة للسلع الوطنية.
​سيادة الموارد والشراكات البراغماتية: حظر تصدير أي مواد خام سودانية بشكل مطلق، والاستعاضة عن ذلك بتصنيعها او تحويلها محلياً أو الدخول في شراكات دولية براغماتية قائمة على الندّية والمصالح المتبادلة دون ارتهان.
​إن حماية الأرض وبناء الإنسان لا يتحققان بالأماني، بل بإرادة سياسية ومجتمعية تصحح المفاهيم وتضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبارات مناطقية أو حزبية ضيقة.

​دعوة ثابتة:
بالسودانوية نلتقي، وبالعمل الصادق نتحد، فلا شتات يبني وطناً، ولا فرقة تصنع غداً.. لنحمِ الأرض ونبنيَ الإنسان.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات