السبت, أغسطس 8, 2026
الرئيسيةمقالاتانتهاكات مليشيا الدعم السريع.. حينما غض المجتمع الدولي النظر

انتهاكات مليشيا الدعم السريع.. حينما غض المجتمع الدولي النظر

كتب: بدر الدين عبد الرحمن
وثّقت مجموعة من التقارير الصادرة عن مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بانتظام ارتكاب مليشيا الدعم السريع انتهاكات جسيمة، تشمل القتل الميداني، والاغتصاب والعنف الجنسي،والنهب الواسع، والحصار الممنهج في مناطق مثل(دارفور وكردفان والجزيرة)،وسط اتهامات دولية بوجود أزمة حماية غير مسبوقة وتقاعس عالمي عن ردع الجرائم.
قتلت المليشيا آلاف المدنيين عبر هجمات عشوائية ومباشرة وإعدامات ميدانية في المدن والقرى ومخيمات النازحين، فضلاً عن استخدام الاغتصاب الفردي والجماعي وأشكال الاستعباد الجنسي كأداة ممنهجة لبث الرعب وترويع المدنيين.
يضاف إلى ذلك نهب الممتلكات العامة والخاصة،وحرق المنازل، وتدمير البنى التحتية والمرافق الصحية لتعطيل الحياة وجعل المناطق غير صالحة للسكن.
في المقابل،اقتصر موقف المجتمع الدولي تجاه هذه الفظائع على إصدار بيانات الإدانة وتقارير التحقيق من مجلس حقوق الإنسان وبعثات تقصي الحقائق؛ وهي التقارير التي وثّقت هذه الانتهاكات واعتبرت بعضها يرقى إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية.
يرى مراقبون وضحايا أن رد فعل المجتمع الدولي ومجلس الأمن الدولي لم يتجاوز بيانات القلق والإدانة النظرية، دون فرض تدابير رادعة قوية، أو توفير قوة حماية فعلية للمدنيين، أو وقف تدفق الإمدادات للمليشيا بغرض تطويل أمد الحرب.

  • تقرير حقوقي أممي: فظائع الفاشر ترقى لجرائم حرب:
    في 13 فبراير 2026،أفاد تقرير لمكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، نُشر على موقع الأمم المتحدة ووسائل إعلام أخرى،بأن مليشيا الدعم السريع شنت موجة عنف مروعة خلال هجومها الأخير للسيطرة على مدينة الفاشر في أكتوبر الماضي،مرتكبة فظائع واسعة النطاق ترقى إلى جرائم حرب وجرائم محتملة ضد الإنسانية.
    وأوضح مكتب حقوق الإنسان أنه بناءً على مقابلات مع أكثر من 140 ضحية وشاهداً أجريت في الولاية الشمالية بالسودان وشرق تشاد أواخر عام 2025،وثق المكتب أكثر من 6000 قتيل في الأيام الثلاثة الأولى من هجوم مليشيا الدعم السريع على الفاشر،وذلك بعد 18 شهراً من الحصار المتواصل.
    وقدّر تقرير المكتب كذلك أن ما لا يقل عن 4400 شخص قُتلوا داخل المدينة خلال تلك الأيام القليلة، وأكثر من 1600 آخرين على طرق الخروج أثناء فرارهم، مشيراً إلى أن العدد الفعلي للقتلى خلال الهجوم الذي استمر أسبوعاً أعلى بكثير من ذلك.
    وخلص التقرير إلى أن مليشيا الدعم السريع والمليشيات العربية التابعة لها نفذت هجمات واسعة النطاق،شملت عمليات القتل الجماعي،والإعدام والعنف الجنسي والاختطافات مقابل فدية، والتعذيب وسوء المعاملة، والاعتقال، والاختفاء، والنهب، واستخدام الأطفال في الأعمال العدائية.
    وأضاف أنه في كثير من الحالات، استهدفت الهجمات المدنيين والأشخاص العاجزين عن القتال بناءً على أصلهم العرقي أو انتماءاتهم المزعومة.
    وفي هذا السياق،كان مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك،قد صرح فى وقت سابق بأن”الانتهاكات المتعمدة التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع والميليشيات العربية التابعة لها في الهجوم الفاشر،تؤكد أن الإفلات المستمر من العقاب يغذي دوامات العنف المتواصلة.”
    ودعا تورك إلى إجراء تحقيقات موثوقة ونزيهة لتحديد المسؤولية الجنائية، بما في ذلك مسؤولية القادة وغيرهم من كبار المسؤولين، بما يفضي إلى محاسبة حقيقية لمرتكبي الجرائم الخطيرة للغاية من خلال جميع الوسائل المتاحة.
    وفصّل التقرير وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن مليشيا الدعم السريع والميليشيات العربية التابعة لها ارتكبت أفعالاً ترقى إلى جرائم حرب، تشمل القتل،والهجوم ضد المدنيين وتدمير الأعيان المدنية،بجانب شن هجمات عشوائية، واستخدام تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب،فضلا عن قيادة هجمات موجهة ضد العاملين في المجال الطبي والإنساني، وممارسة العنف الجنسي بما في ذلك الاغتصاب، والتعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية،وأعمال النهب، فضلاً عن تجنيد الأطفال واستخدامهم في الأعمال العدائية.
    وأكد المفوض السامي لحقوق الإنسان أن”الحجم غير المسبوق وشدة وحشية العنف الذي مُورس أثناء الهجوم قد فاقم بشكل كبير الانتهاكات المروعة التي كان قد تعرض لها سكان الفاشر بالفعل خلال أشهر الحصار الطويلة، والأعمال العدائية والقصف المستمر.”
    وأشار تورك إلى زيارته الأخيرة إلى السودان، حيث استمع إلى شهادات مباشرة من ناجين تظهر كيف اسْتُخْدِم العنف الجنسي بشكل منهجي كسلاح حرب.
  • شهادات مروعة وثقتها منظمة العفو الدولية:
    الى ذلك،قال ناجون فرّوا من الفاشر لمنظمة العفو الدولية،إن مقاتلي مليشيا الدعم السريع أعدموا عشرات الرجال العزّل، واغتصبوا عشرات النساء والفتيات خلال استيلائهم على المدينة.
    وأفاد الناجون الذين قابلهم فريق البحث في المنظمة بأنهم شهدوا ضرب مجموعات من الرجال أو إطلاق الرصاص عليهم، واحتجاز بعضهم كرهائن مقابل فدية.
    كما وصفت ناجيات كيفية تعرضهن للعنف الجنسي على أيدي مقاتلي المليشيا، وأشرن إلى أن بعض بناتهن كنّ أيضاً ضحايا لانتهاكات مماثلة.
    وقال العديد ممن أُجريت معهم المقابلات إنهم شاهدوا مئات الجثث ملقاة في شوارع الفاشر وعلى الطرق العامة المؤدية إلى خارج المدينة.
    تُعد هذه الشهادات المروّعة من أوائل روايات شهود العيان الذين فرّوا من الفاشر بعد سقوطها، إذ أجرت منظمة العفو الدولية مقابلات مع 28 ناجياً وناجية تمكنوا من الوصول إلى بر الأمان في بلدتي طويلة (غرب الفاشر) والطينة (على الحدود مع تشاد)،وذلك بعد قيام قوات الدعم السريع بمحاصرة المدينة واقتحامها في 26 أكتوبر الماضي.
    أُجريت ثلاث من المقابلات في تشاد، بينما أُجريت المقابلات الأخرى عن بُعد عبر الهاتف.
    وقالت أنياس كالامار، الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية”يتعين على العالم ألا يغض الطرف بينما تتكشف المزيد من التفاصيل حول الهجوم الوحشي الذي شنته مليشيا الدعم السريع على مدينة الفاشر.
    روى لنا الناجون الذين قابلناهم أهوالاً لا تُصدّق عاشوها أثناء فرارهم من المدينة. يجب أن يُحاسب جميع المسؤولين عن هذه الانتهاكات على أفعالهم.
    لقد سهّل دعم الإمارات العربية المتحدة لمليشيا الدعم السريع ارتكاب هذه الفظائع. ويؤجج الدعم المتواصل الذي تقدمه الإمارات العربية المتحدة لمليشيا الدعم السريع دوامة العنف المستمرة ضد المدنيين في السودان. يتعين على المجتمع الدولي ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة مطالبة الإمارات العربية المتحدة بوقف دعمها لمليشيا الدعم السريع.”
    وأضافت أنياس كالامار:
    “مع استمرار النزاع، تُشكل روايات الناجين والناجيات دليلاً إضافياً على إخفاق المجتمع الدولي في السودان. وينبغي للمجتمع الدولي تكثيف جهوده لضمان المساءلة، وحماية الأشخاص المعرّضين للخطر، ومطالبة جميع الدول التي تدعم مليشيا الدعم السريع بشكل مباشر أو تيسّر لها ارتكاب الانتهاكات بأن تُغير مسارها فوراً.”
  • شهادات حية من قلب الأحداث:
    في 26 أكتوبر من العام الماضي،وهو اليوم الذي سقطت فيه مدينة الفاشر،كان ما يُقدَّر بـ 260,000 مدني لا يزالون محاصرين داخل المدينة.
    ” أحمد”الذي يبلغ من العمر (21 عاماً)حاول الفرار برفقة زوجته وطفليه وشقيقه الأكبر. وبعد أن قُتلت زوجته بشظايا انفجار وانفصل عن طفليه،اضطر إلى مواصلة التحرك شمالاً برفقة شقيقه.
    وفي طريقهما اصطحبا فتاتين (3 و4 سنوات) قُتل والدهما على ما يبدو.
    وعند وصولهم إلى أطراف مدينة قولو برفقة ثلاثة رجال آخرين وامرأة كبيرة السن، وقعوا في كمين لمليشيا الدعم السريع.
    قال “أحمد”سألونا:هل أنتم جنود أم مدنيون؟. وأخبرناهم أننا مدنيون. ردّوا علينا قائلين:في الفاشر لا يوجد مدنيون، الجميع جنود.
    ثم أُمر شقيقه والرجال الثلاثة بالانبطاح أرضاً وإعدامهم فوراً.
    وأُطلق سراح أحمد والفتاتين والمرأة المسنة لأسباب يجهلونها، لييسيروا مسافة 60 كم إلى بلدة طويلة، بينما توفيت المرأة المسنة في الطريق نتيجة الجفاف.
    في غضون ذلك أفاد “داود”(19 عاماً)بانه فرّ من الفاشر برفقة سبعة من أصدقائه،وأن أصدقاءه جميعاً قُتلوا بعد إلقاء القبض عليهم عند الساتر الترابي المحيط بالمدينة. “أطلقوا النار علينا من جميع الاتجاهات،شاهدت أصدقائي يموتون أمام عينيّ”.
    بينما أكد “خليل”(34 عاماً) أنه فرّ في 27 أكتوبر ونجح في تجاوز الساتر الترابي مع 20 شخصاً قبل أن تعترضهم سيارات الدعم السريع.
    وأوضح أن المقاتلين أمروا الجميع بالانبطاح وأطلقوا النار وقتلوا 17 من أصل 20 رجلاً.
    ونجا “خليل” فقط لأنه تظاهر بالموت، متسائلاً بنحيب: “كانوا يقتلون الناس كما لو كانوا ذباباً… كانت مجزرة”.
  • استمتاع بالقتل واختطاف من أجل الفدية:-
    “بدر”الذي يبلغ من (26 عاماً)حاول نقل عمّه المصاب ومريضين كبار السن على عربة يجرها حمار.
    وعند قرية شقرة طوقتهم شاحنة للدعم السريع. وأوضح بدر أن المقاتلين أطلقوا النار مباشرة على المسنين الثلاثة المصابين وعلى الحمير وقتلوهم لمجرد أنهم يستغرقون وقتاً في الصعود للشاحنة، “كانوا يستمتعون بذلك، كانوا يضحكون”.
    ثُم اقتيد بدر واحتُجز لمطالبة ذويه بفدية تجاوزت 20 مليون جنيه سوداني (نحو 8,880 دولاراً).
    وخلال أسره، شاهد جندياً يصور عملية إعدام رجل عبر مكالمة فيديو مع أقاربه لترهيبهم ودفع الفدية.
    فيما قالت “ابتسام”أنها غادرت حي أبو شوك مع أطفالها الخمسة، واعترضهم ثلاثة مقاتلين قام أحدهم باغتصابها، لتكتشف لاحقاً أن ابنتها ذات الـ 14 عاماً تعرضت هي الأخرى للاغتصاب وتوفيت لاحقاً في عيادة ببلدة طويلة إثر تدهور حالتها الصحية.
    أما “أم كلثوم” (29 عاماً)،فقد أُوقفت مع ابنتها (12 عاماً) ومئة وخمسين آخرين عند بوابة “باب الأمل”،أُعدم 5 رجال ميدانياً،واقتيدت النساء إلى مخيم زمزم للنازحين، وهناك فُصلت 11 امرأة ونُقلن إلى ملاجئ مؤقتة حيث تعرضن جميعاً للاغتصاب المتكرر تحت تهديد السلاح.
    ومابين هذه وتلك،وثّقت منظمة العفو الدولية هذه الأفعال كجرائم حرب ارتكبتها مليشيا الدعم السريع والمليشيات العربية المتحالفة معها، مشيرة إلى اشتراكها في شن هجمات موجهة قائمة على العرق ضد أفراد قبيلة المساليت وغيرهم،بجانب انتشار العنف الجنسي الذي يرقى لجرائم حرب وقد يشكل جرائم ضد الإنسانية.
  • لجنة تقصي الحقائق: جرائم ترقى للإبادة الجماعية:
    وفي تقرير أممي آخر بعنوان “قوات الدعم السريع ارتكبت جرائم ترقى إلى الإبادة الجماعية في الفاشر”(كتبه: بندر الدوشي،ونشر في 09 يوليو 2026):كشفت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة بشأن السودان،أن مليشيا الدعم السريع ارتكبت انتهاكات جسيمة في مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور، شملت عمليات قتل جماعي، واختطاف نساء وفتيات، واغتصاباً جماعياً واسع النطاق، وفرض التجويع على المدنيين، وذلك في إطار سياسة متعمدة ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية.
    وأوضح التقرير أن المليشيا ارتكبت هذه الجرائم أثناء حصارها الطويل للمدينة قبل السيطرة عليها العام الماضي.
    ونقل شهادات مروعة لنشطاء وناجين أفادوا بأن نساءً تعرضن للاغتصاب داخل غرف كانت لا تزال تضم جثث مدنيين قُتلوا حديثاً، بينهم أفراد من أسر الضحايا أنفسهم.
    كما خلص التحقيق إلى أن مليشيا الدعم السريع وحلفاءها ارتكبوا جريمة حرب تتمثل في استخدام التجويع كسلاح عبر فرض حصار مطول، ومنع وصول المساعدات الإنسانية، واستهداف منظومات إنتاج الغذاء بالقصف، إلى جانب أنماط من الإعدامات الميدانية والتعذيب والعنف الجنسي في المناطق المحيطة بالمدينة.
    وكان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قد قرر فتح تحقيق عاجل في هذه الانتهاكات المروعة، بينما حذرت بريطانيا وعدد من الدول من خطر وقوع فظائع واسعة النطاق.
    وأشارت تقارير إلى أن بعثة تقصي الحقائق كانت قد خلصت في تقرير سابق صدر في فبراير الماضي إلى أن عمليات القتل الجماعي التي استهدفت المجتمعات غير العربية تحمل سمات الإبادة الجماعية.
    وأكد التقرير الجديد أنه توصل إلى أدلة إضافية تثبت أن نمط الانتهاكات الواسع والمنهجي كان جزءاً من سياسة مقصودة.
    وقال رئيس بعثة تقصي الحقائق، محمد شاندي عثمان،فى وقت سابق:
    “إن الأنماط التي وثقناها في الفاشر، بما في ذلك حصار المدينة، واستهداف البنية التحتية المدنية، وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية، والانتهاكات الواسعة بحق المدنيين، تمثل تحذيراً صارخاً للمجتمع الدولي الذي يجب أن يتحرك عاجلا لمنع وقوع كارثة جديدة في السودان.

مصادر:

  • تقرير موثق للأمم المتحدة .
  • تقرير موثق لمكتب حقوق الإنسان.
  • وثائق تم إيداعها الأمم المتحدة ومجلس الأمن.
  • (استُخدمت أسماء مستعارة لحماية هويات الضحايا).
مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات