الجمعة, أغسطس 7, 2026
الرئيسيةمقالاتعزفٌ على أوتار الخلود.. "ود الأشبة" يوقظ شجن الربابة في ظلال "أبو...

عزفٌ على أوتار الخلود.. “ود الأشبة” يوقظ شجن الربابة في ظلال “أبو الهول” بقلم: حمد يوسف حمد


​ليس غريباً أن تتحول الموسيقى في لحظات الشتات والنزوح إلى ما يشبه “الوطن البديل”؛ فالنغم حين يتجاوز جغرافية المكان، يصبح الملاذ الأخير للروح، والحبل السري الذي يربط المغترب بأرضه وتاريخه ووجدانه.
​في هذا السياق التأثيلي الشجي، تأتي الاستضافة المرتقبة لـ “ملك الربابة” الفنان بلة ود الأشبة بالقاهرةضمن فعاليات “ليالي هوم نايتس لتكون أكثر من مجرد حفل غنائي عابر؛ إنها تظاهرة وجدانية واحتفاء رفيع باستعادة الذات الوطنية في قلب العاصمة المصرية.
​تكمن أهمية هذه الليلة الاستثنائية في الرمزية الثقافية التي يحملها ود الأشبة. ففي الوقت الذي تشهد فيه الساحة الفنية تحولات متسارعة، استطاع هذا الفنان أن يعيد اعتبار “الربابة تلك الآلة الموغلة في القدم والأصالة لتكون لساناً حالاً لأشواق الشارع، وراوياً صادقاً لتفاصيل الحياة والألم والأمل. لقد حوّل النغم الداري من حدود الإقليمية الضيقة إلى فضاءات أرحب، موجهاً البوصلة نحو أصالة الكلمة وصدق التعبير.
​وفي الخامس عشر من أغسطس، ولأول مرة في قلب القاهرة، لن يكون اللقاء مجرد حفل غنائي يُقام في قاعة شيراتون الهرم، بل مواجهة رمزية مكثفة بين عملاقين: صمت “أبو الهول” الحجري الممتد عبر آلاف السنين، وشجن “ربابة” بلة ود الأشبة المتدفق بكبرياء الأرض والوديان.
​يقف “أبو الهول” حارساً للزمن وشاهداً على تحولات التاريخ، بينما يأتي “ملك الربابة” محمولاً بأشواق الملايين، ليطلق من أنامله صوتاً لا يعرف السكون؛ نغماً يروي حكايات النيل، ووحشة الغربة، ودفء البيوت البعيدة. إنه لقاء بين ثبات الحجر وسيولة الوتر، بين التاريخ حين يُكتب على الصخر، والذاكرة حين تُعزف على شريان مشدود.
​حين يصدح ود الأشبة بـ “الربابة” على مقربة من شاهد الحضارة الخالد، تبدو المقطوعات وكأنها خطاب مباشر من أصالة إلى أصالة. فالربابة التي رافقت الإنسان الأفريقي والعربي منذ فجر التاريخ عادت لتتكلم بلغة يفهمها الجبل والنهر والجدار.
​لقد نجحت فعاليات “ليالي هوم نايتس” في خلق هذه اللحظة البصرية والوجدانية؛ لحظة يمتزج فيها شماريخ الهرم بنبرة الشوق السوداني الأصيل، لتؤكد أن الفعل الثقافي في الأزمنة الاستثنائية يُشكل جسراً حقيقياً للتعافي والترابط، وأن الفن الصادق هو العابر الأكبر للحدود والمترجم الأصدق لما تعجز عنه الجغرافيا.
​آخر الكلام
​إن احتفاء القاهرة بـ “ملك الربابة” في ظلال الأهرامات ليس مجرد شريط غنائي يُطوى بانقضاء السهرة، بل هو بيان ثقافي ووجداني ناصع: أن الفن الصادق هو الجغرافيا الوحيدة التي لا تُنتزع، والوطن العصي على الشتات.
​حين تصمت الأبواق الشاحبة ويبقى الوتر وحده يتكلم، ندرك أن الأصالة لا تموت، وأن ذاكرة شعوبنا المفعمة بالشجن والكبرياء أقوى من كل المسافات. لقد أثبتت هذه الليلة أن الربابة ليست مجرد سلك مشدود على خشب، بل هي شريان يربط بين ضفتين، ورمز لهوية تعزف حنينها بشموخ أمام التاريخ.. وسيبقى النغم حاضراً، يرمم فينا ما أفسده الغياب، ويكتب بالصوت والوتر أن الجمال دائماً ينتصر.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات