الخميس, أغسطس 6, 2026
الرئيسيةمقالاتدموعٌ على سفح الجبل: عقودٌ من التجارة بقضايا جبال النوبة ورهن المصير...

دموعٌ على سفح الجبل: عقودٌ من التجارة بقضايا جبال النوبة ورهن المصير للخارج بقلم/ محمد سيد


​بقلم/ محمد سيد
​في مساءات جبال النوبة الكاهلة، يدرك المتابع المتأمل لمسار الأحداث أن الأزمة لم تبدأ اليوم، بل تمتد جذورها إلى عقود خلت؛ يوم أُقحمت المنطقة في أتون مشاريع أيديولوجية غريبة عن بنيتها الاجتماعية، وحُوّلت قضايا الإقليم العادلة إلى مجرد شعارات تُرفع لخدمة أجندات خارجية ومخططات غربية وصهيو-صليبية تُدار عبر أدوات محلية. لقد أظهرت الوقائع والمحطات التاريخية متتابعة أن الحركة الشعبية لتحرير السودان (شمال)، منذ نشأتها، لم تكن سوى منظومة تعمل خارج سياق المصلحة الوطنية الشاملة، متخذة من عزلة المنطقة وسيل دماء أبنائها وسيلة لتغني قياداتها وتمرير إملاءات أجنبية تستهدف الدولة المركزية واستقرارها.
​ولعل القراءة المتأنية لمسار الحركة في جبال النوبة تكشف عن منهجية ممنهجة تعتمد على تجهيل المجتمع وإبقائه بعيداً عن أسباب النهضة والتعليم الحديث؛ إذ ظلت الحركة تحرص على إبقاء أبناء المنطقة في حالة من الانغلاق الفكري والأميّة الوظيفية، لمنع نشوء وعي نقد حقيقي يكشف حجم الاستغلال الذي يمارس بحقهم. وبدلاً من بناء المدارس والجامعات أو التأسيس لبنية تحتية تنقل المواطن من وطأة الفقر، جرى تكريس منطق “البندقية بلا مشروع تنموي”، مما جعل الإقليم ساحة مغلقة لاستنزاف الموارد الطبيعية والثروات التي تزخر بها الأرض، وتجييرها لصالح حسابات خاصة وشبكات تمويل عابرة للحدود تتقاطع مع مصالح قوى إقليمية ودولية تسعى لتفتيت السودان وتضعيف سلطته المركزية.
​ومع تطورات الأزمة السودانية الشاملة، تجلت صراحةً طبيعة هذه التحالفات والارتهانات؛ حيث لم تتوانَ قيادات الحركة عن التقاطع العملياتي والسياسي مع المليشيات المتمردة وعلى رأسها الدعم السريع، في خطوة كشفت البوصلة الحقيقية التي تحرك هذه التنظيمات. فلم يعد الأمر يتصل بدعاوى “رفع التهميش” أو “تحقيق العدالة الاجتماعية”، بل أضحى صراعاً مكشوفاً لتنفيذ مخططات تقويد الدولة الوطنية وتفكيك مؤسساتها السيادية. وقد أدى هذا التنسيق إلى إتاحة المجال للمليشيات لممارسة الانتهاكات ضد المواطنين العُزّل في مناطق التماس بكردفان والجبال، ليجد المواطن البسيط نفسه ضحيةً مرتين: مرة بسياسات الإفقار والتجهيل الممتدة لعقود، ومرة بوضعه كبيدق في معارك لا تخدم سوى أطماع النفوذ الخارجي وداعميه.
​غير أن هذا الليل الممتد لم يدم دون أن ينبثق من رحم الجبال فجرٌ جديد؛ فقد شهدت المنطقة ميلاد حركة شبابية ووطنية صادقة من أبناء جبال النوبة الذين يفيضون عشقاً لهذا الوطن وإيماناً بكرامته. هؤلاء الشباب الأحرار قرروا الخروج الشجاع من تحت عباءة الحركة الشعبية والانفكاك الكلي من سجن التجهيل والانغلاق الأيديولوجي الذي فُرض عليهم لسنوات. لقد نفضوا عن كاهلهم غبار الوصاية والارتهان للخارج، ونذروا أنفسهم لحمل هموم إقليمهم الحقيقية، مدركين أن طريق التحرر الوطني يبدأ بالانحياز إلى الدولة ومؤسساتها الرسمية.
​واليوم، يقف هؤلاء الفرسان الأوفياء جنبًا إلى جنب مع قواتنا المسلحة الباسلة، يخوضون معها معارك الشرف والكرامة في مختلف الجبهات دفاعاً عن أرضهم وشعبهم. إن ذود هؤلاء الشباب عن حياض الوطن ورسمهم لملحمة التلاحم مع جيش الشعب لم يكسر فقط طوق العزلة والارتهان، بل أعاد تصحيح البوصلة التاريخية للمنطقة بأكملها، مؤكدين أن النوبة كانت وستظل قلعة من قلاع الوطنية السودانية الشامخة.
​إن القراءة الواقعية للتاريخ تؤكد أن الشريحة الأكبر من أبناء جبال النوبة بدأت تدرك حجم الفجوة بين الخطاب الإعلامي المزوق وبين الممارسات الفعلية على الأرض. فالمشاريع التي تُدار من الصالونات المغلقة في العواصم الغربية وتُغذى بالأيديولوجيات العابرة للحدود لن تصنع استقراراً، ولن تمنح الشعوب حقوقها التنموية المشروعة. ويبقى الرهان الحقيقي مسنداً إلى وعي هؤلاء الشباب الثائر وتطلع مجتمع الجبال للاندماج في الفضاء الوطني الجامع، بعيداً عن وصاية الحركة والتحالفات المليشياوية المشبوهة، لبناء مستقبل يقوم على العلم والتنمية والمواطنة الحقيقية تحت مظلة الوطن الواحد.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات