الأربعاء, أغسطس 5, 2026
الرئيسيةمقالاتحرب الأقلام… صراع النفوذ بين رأس المال والإعلام

حرب الأقلام… صراع النفوذ بين رأس المال والإعلام

إسماعيل شريف

في عالم السياسة والاقتصاد، لا يملك رجال الأعمال المال وحده، بل يملكون كذلك المعلومات، وشبكات العلاقات، والقدرة على صناعة النفوذ. فالمال يمنح القدرة على الحركة، لكن المعلومات تمنح القدرة على التأثير، وعندما يجتمع الاثنان في يد شخصية اقتصادية كبيرة، فإنها تصبح رقماً يصعب تجاوزه في أي معادلة سياسية أو اقتصادية.

وفي السودان، يمثل رجل الأعمال أسامة داؤود نموذجاً لهذه الحالة. فبعيداً عن الجدل الدائر حوله، فإن حضوره لا يستند إلى ثروة مالية فحسب، وإنما إلى شبكة واسعة من المؤسسات والشركات التي يعمل بها آلاف المديرين والمهندسين والفنيين والإداريين والعمال، وهو ما يمنحه امتداداً مجتمعياً يتجاوز حدود النشاط الاقتصادي إلى فضاءات اجتماعية ومهنية واسعة.

ولا تقتصر دوائر تأثيره على العاملين في مؤسساته، بل تمتد إلى علاقاته الرأسية مع مؤسسات الدولة والمسؤولين، وإلى شبكة واسعة من العلاقات الخارجية والشخصية والعائلية، في مجتمع لا تزال تلعب فيه الاعتبارات الاجتماعية والجهوية والإثنية دوراً مهماً في تشكيل موازين القوى.

كما أن شريحة معتبرة من الشباب تنظر إليه بوصفه أحد رجال الأعمال الذين ارتبطت أسماؤهم بدعم الحراك الثوري في ديسمبر، وهو ما أكسبه حضوراً وسط قطاعات تختلف في رؤيتها السياسية، لكنها تتفق على أهمية الدور الذي لعبه القطاع الخاص في تلك المرحلة.

لهذا، فإن الحملة الإعلامية التي تصاعدت في الأيام الأخيرة ضد أسامة داؤود لا تبدو مجرد خلاف عابر بين رجل أعمال وعدد من الصحفيين، بل تبدو أقرب إلى فصل جديد من صراع النفوذ الذي تعيشه البلاد. ويلاحظ أن بعض الأقلام التي دخلت على خط المواجهة تنتمي أو تُحسب على تيارات ارتبطت بالنظام السابق، وهو ما منح السجال أبعاداً سياسية تتجاوز شخص الرجل نفسه.

ويبدو أن الضربة الأولى قد وُجهت بالفعل، وأن الرجل يحاول احتواء آثارها، غير أن من الصعب تصور أن تنتهي المعركة عند هذا الحد. فمن يملك المال والمعلومات والعلاقات، يملك أيضاً أدوات الرد، سواء عبر توضيح الوقائع أو عبر المنصات الإعلامية أو من خلال شبكة واسعة من المؤثرين والكتّاب. وفي زمن أصبحت فيه وسائل الإعلام التقليدية والرقمية جزءاً من معارك النفوذ، فإن الكلمة لم تعد مجرد رأي، بل أصبحت سلاحاً مؤثراً في تشكيل الرأي العام.

وللأسف، فإن واقع الإعلام السوداني اليوم لا يخلو من الاستقطاب، وأصبحت بعض الأقلام تُتهم بالانحياز لهذا الطرف أو ذاك، بينما يظل القارئ هو الباحث عن الحقيقة وسط سيل من الروايات المتضاربة.

وقد سبق أن تناولنا هذه الأجواء في مقال بعنوان “سباق الغنائم”، وقلنا يومها إن معركة أحد ينبغي أن تبقى درساً ملهماً لكل من يتنافسون على المكاسب قبل اكتمال المعركة. فما حدث في أحد لم يكن هزيمة بسبب قوة الخصم وحدها، وإنما كان نتيجة الانشغال بالغنائم وترك مواقع الحراسة، وهو درس يتكرر في التاريخ بأشكال مختلفة.

واليوم تبدو الصورة وكأنها حرب داخل حرب. فبينما لا تزال البلاد تواجه واحدة من أخطر أزماتها السياسية والإنسانية، تتصاعد في المقابل معارك أخرى على النفوذ والسمعة والمواقع، مستخدمة الإعلام ساحةً، والأقلام أسلحةً، والرأي العام ميداناً للمواجهة.

لقد تجاوزت الحرب في السودان حدود الميدان العسكري، وأصبحت معركة متعددة الجبهات؛ جبهة السلاح، وجبهة الاقتصاد، وجبهة الإعلام، وجبهة الرأي العام. وفي مثل هذه الأجواء يصعب الفصل بين النقد المشروع وحملات الاستهداف، وبين كشف الحقائق وتصفية الحسابات، وبين الدفاع عن المصلحة العامة والدفاع عن المصالح الخاصة.

ولذلك فإن ما يجري اليوم لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره خلافاً شخصياً بين رجل أعمال وعدد من الصحفيين، وإنما باعتباره جزءاً من إعادة تشكيل موازين القوى في السودان، حيث يسعى كل طرف إلى تثبيت موقعه في المشهد القادم مستخدماً ما يملك من أدوات؛ فهذا يمتلك رأس المال وشبكات العلاقات، وذاك يمتلك المنبر والقلم، وبينهما يقف المواطن السوداني متطلعاً إلى الحقيقة.

فالدول لا تُبنى بحروب الإقصاء، ولا بمعارك التشهير، ولا بتصفية الحسابات عبر وسائل الإعلام، وإنما تُبنى بسيادة القانون، وشفافية المعلومات، واستقلال الصحافة، وعدالة المؤسسات. وما عدا ذلك، فلن يكون سوى فصل جديد من حرب داخل الحرب، يدفع السودان ثمنها من استقراره ومستقبله، في وقت هو أحوج ما يكون فيه إلى تغليب الحكمة على الصراع، والمصلحة الوطنية على سباق الغنائم.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات