أحسب أنه حين ينطق الرجل الذي تُقاس كلماته بعيار البارود ووزن الثبات في أعتى الميادين، فإن الصمت أولى بالرجرجة والدهماء، والإصغاء واجب على كل ذي عقل ونهى. فلم تكن تصريحات الفريق أول ركن ياسر العطا -وهو من هو في جسارة الموقف وثقل التأثير- مجرد قراءة يومية في كتاب المعركة، ولكنها كانت زلزالاً يعصف بأوهام المترددين، وشهاباً يقطع دابر المرجفين؛ إذ أعلنها صريحة لا لبس فيها: إن نهاية العام الحالي هي الشاهد العدل على اقتلاع شأفة الجنجويد ومحو وجودهم من خارطة هذا الوطن المعطاء . لقد ملأت كلماته الفضاء ضجيجاً واهتزازاً، لا لأنها تحمل البشرى فحسب، وإنما هي الصدى الصادق لعهد الجيش مع الشهداء ووعده الذي لا ينتكث مع شعبه ؛ بتطهير هذه الأرض الطاهرة المباركة من رجس ونجس “آل دقلو” ومن حاف حولهم من شرذمة البغي والعدوان والعمالة والارتزاق.
غير أن الحصيف الذي يسبر غور هذا الحديث، يدرك أن القائد لم يرد صناعة خدرٍ مؤقتٍ للمشاعر، ولكنه أراد أن يستفز الوعي الجمعي، ويوقظ المواطن على باب مسؤولية أعظم وواجب أقسى. لقد كان لسان حاله يقول: نحن نفي بعهدنا في الميدان.. فماذا أنتم فاعلون غداً؟ وهنا تبرز الحقيقة العارية: هل بعد أن يرتد السيف إلى غمده، وتُطفأ أمواج الفتنة، سيكتفي المواطن بإقامة السرادق، وعزف القيان، وشدو المغنيات، ونحر الجزور في طقس احتفالي خُطَّاف؟ أم أن شعباً كريم المحتد نبيل الأعراق كالشعب السوداني سيدنو من ميلاده الحقيقي، فيشمر بنوه عن ساعد الجد، ليبنوا سوداناً جديداً، شامخاً، لا يتكئ في وجوده إلا على الله تعالى، ثم على أعماق موارده ومكنون ثرواته؟
وهنا نوجه رسالة صريحة ومباشرة لحكومة الأمل ، إن هذه التصريحات ليست حديثاً يُتلى في المجالس ليُنسى، ولا حبراً على ورق فيطوى ، بل يجب أن تكون حجراً ثقيلاً يُلقى بقوة ليُحرك بركة التخطيط الاستراتيجي الراكدة . إن المسؤولية التاريخية تقتضي ألا تنتظر مؤسسات الدولة صمت المدافع، ولكن عليها التقاط القفاز فوراً، واستثمار هذا الزلزال الميداني لتحويله إلى سوانح حقيقية وفرص نهضوية كبرى. وحتى يتم ذلك يتطلب هذا الأمر اتخاذ خطة عمل طموحة ومقدسة، تستنفر أصحاب العقول النيرة والرؤى السديدة لإعادة هيكلة العقل السياسي والاقتصادي، وتستدعي ذوي النهى والتجارب المرموقة، وصناع الإرادات المضاءة والعزائم التي لا تلين، لتشييد ما هدمته الحرب في النفوس والبنى.
إن السودان الذي ينهض اليوم من وسط الرماد وتحديات المحنة، يتعالى على ضيق الفرز الأيديولوجي وحزازات التمييز الفئوي إلى رحابة الفكر والوعي . لقد آن الأوان لبسط ثوب النماء والانتماء الواسع، والدعوة الصادقة لكل غيور على كرامة هذا التراب؛ إذ لا فضل اليوم ولا غداً لامرئ على آخر، ولا لأبيض على أسود، إلا ببذله وعطائه، وما يقدمه من عرق يغسل جراح الوطن ورأي سديد . لقد حسم الميدان قضيته، وسيفي الجيش بوعده باذن الله ، فلا بقاء للمليشيا على جسد السودان. لكن التحدي الأكبر يبدأ يوم تلك النهاية؛ فإما أن نكون أمة تستحق هذا النصر فتبني مجدها بأيديها، وإما أن نهدر دم الشهداء في ساعة لهو. والرهان -كل الرهان- على شعب لا تبليه النوائب، وإنما تصنعه المكاره ليولد من جديد.
