يحبس الشرق الأوسط أنفاسه مع دخول الصراع الإقليمي مرحلة مفصلية تتشابك فيها خيوط السياسة الميدانية مع كواليس الطاولة الدبلوماسية.
العنوان الابرز للمشهد الراهن هو “الدبلوماسية في مواجهة النار” حيث تتبادل واشنطن وطهران رسائل الردع الخشن تزامناً مع حراك خلف الكواليس لإبقاء قنوات التواصل مفتوحة.
المشهد الراهن بين حافة الهاوية وطاولة التفاوض
- هدوء حذر على وقع التصعيد: بعد أسابيع من المواجهات العنيفة والاختبارات الميدانية لقواعد الاشتباك لا سيما حول ملف الملاحة وأمن الممرات الحيوية كمضيق هرمز خيم هدوء نسبي على جبهات التوتر أثر تراجع وتيرة الضربات المتبادلة.
- لغة الإدارة الأمريكية: توازن واشنطن بين إبقاء الآلة العسكرية في حالة جاهزية قصوى (locked and loaded) وبين منح الفرصة لمسارات التفاوض، مع إشارات رئاسية أمريكية بوجود اتصالات جادة ومستمرة للوصول إلى تسوية تضمن حرية التجارة العالمية وتقليم الأظافر النووية والصاروخية لإيران.
- الموقف الإيراني: تتمسك طهران بمعادلة الرفض التام للضغوط والتهديدات، مشددة على أن أي مسار دبلوماسي يجب ألا ينتقص من سيادتها أو حقوقها الإستراتيجية، وسط اتهامات متبادلة بشأن محاولات فرض وقائع منفصلة على الأرض.
من يكسب جولة المحادثات المقبلة: واشنطن أم طهران؟
الإجابة عن هذا التساؤل لا تحمل غالباً طابع النصر المطلق أو الهزيمة الكاملة، بل تقاس بميزان المكاسب الإستراتيجية وتجنب السقوط في الهاوية الشاملة:
- فرص واشنطن في الحسم الدبلوماسي:
تسعى الإدارة الأمريكية إلى توظيف الورقة الاقتصادية والضغط العسكري وفرض القيود البحرية لإجبار طهران على تقديم تنازلات جوهرية تتعلق بالملف النووي، وتقييد شبكة التحالفات الإقليمية، وتأمين الملاحة الدولية. إذا نجحت واشنطن في فرض هذه الشروط عبر صيغة ملزمة، ستسجل انتصاراً استراتيجياً يعيد صياغة أمن المنطقة وفق الرؤية الغربية.
- أوراق القوة الإيرانية:
في المقابل، تراهن طهران على صمود بنيتها السياسية والعسكرية، وقدرتها على استنزاف الخيارات الأمريكية وحلفائها عبر التحكم في نبض التصعيد الإقليمي وأمن الطاقة. كسب طهران للجولة يعني كسر الحصار، وانتزاع الاعتراف بمصالحها الحيوية، وإفشال مساعي عزلها الإقليمي.
خلاصة المشهد:
إن الجولة المقبلة من المحادثات ليست سوى انعكاس “دبلوماسية حافة الهاوية” فمن يربح فيها ليس بالضرورة من يفرض شروطه كاملة، بل من يملك القدرة الأكبر على إدارة التناقضات، ومسك العصا من الوسط بين خيار الحرب المكلفة وتكلفة التسوية المريرة، في منطقة باتت أبعد ما يكون عن الاستقرار الدائم وأقرب إلى إعادة رسم خرائط نفوذها بالقوة والنار.
بقلم / عميد شرطة (حقوقي) م. محمد علي عبدالله عبد الدائم
