الخميس, يوليو 23, 2026
الرئيسيةمقالاتموظفو اتحاد الصحفيين السودانيين… من ينصف الجنود المجهولين؟

موظفو اتحاد الصحفيين السودانيين… من ينصف الجنود المجهولين؟

اسماعيل شريف

هناك قضايا لا تحظى بما تستحقه من اهتمام، ليس لأنها قليلة الأهمية، وإنما لأنها تقع في المنطقة الصامتة بين القرارات السياسية والواقع الإداري. ومن بين هذه القضايا، تبرز قضية موظفي اتحاد الصحفيين السودانيين، الذين وجدوا أنفسهم، منذ سنوات، يدفعون ثمن أحداث لم يكونوا طرفًا فيها.

فمنذ صدور القرار الذي قضى بحل الاتحاد ومكتبه التنفيذي عقب ثورة ديسمبر، انصرف الجدل إلى مشروعية القرار وآثاره على العمل النقابي، بينما غابت عن المشهد فئة لم تكن جزءًا من ذلك الخلاف أصلًا، وهم الموظفون العاملون بالاتحاد.

فهؤلاء لم يأتوا عبر انتخابات، ولم يشغلوا مواقع قيادية أو تنفيذية بحكم الانتماء السياسي، وإنما التحقوا بالعمل بموجب عقود ووظائف إدارية ومهنية لخدمة المؤسسة، أيًّا كان من يتولى رئاستها أو عضوية مكتبها التنفيذي. وعلاقة الموظف بالمؤسسة علاقة قانونية وإدارية مستقلة، لا تنتهي بتغير مجالس الإدارات أو المكاتب التنفيذية، ولا ينبغي أن تتأثر بالتحولات السياسية.

ثم جاءت الحرب لتضاعف حجم المعاناة. فقد تعرض مقر الاتحاد، شأنه شأن مؤسسات عديدة في الخرطوم، للتخريب والتدمير، وتوقفت أعمال المؤسسة، وتوقفت معها مصادر دخلها، بينما ظل الموظفون يواجهون ظروفًا معيشية قاسية، بعد انقطاع رواتبهم لسنوات، دون أن يجدوا معالجة عادلة أو حلولًا تحفظ لهم الحد الأدنى من الاستقرار.

واليوم، وبعد تحرير الخرطوم، وعودة الاتحاد العام للصحفيين السودانيين إلى ممارسة نشاطه، وبدء المكتب التنفيذي في إعادة تأهيل المقر وترتيب أوضاع المؤسسة، يبرز سؤال لا يمكن تجاوزه:

أين موقع الموظفين في هذه العودة؟

إن نجاح أي مؤسسة لا يتحقق بالمباني وحدها، ولا بالمجالس المنتخبة أو المكاتب التنفيذية فحسب، وإنما يقوم أيضًا على كوادرها الإدارية التي تحفظ الذاكرة المؤسسية، وتدير العمل اليومي، وتقدم الخدمات للأعضاء. فالموظف ليس عنصرًا هامشيًا، بل هو أحد أعمدة استمرارية المؤسسة.

ومن هنا، فإن المسؤولية الأخلاقية والإدارية تقع أولًا على عاتق رئيس الاتحاد، ونائبه، والأمين العام، وأمين المال، وبقية أعضاء المكتب التنفيذي، باعتبارهم المسؤولين عن إدارة شؤون الاتحاد ورعاية العاملين فيه. وهذه المسؤولية لا تقتصر على تسيير العمل الإداري، بل تمتد إلى معالجة أوضاع الموظفين، والبحث عن حلول عملية وعادلة لقضيتهم، بما يحفظ كرامتهم ويعيد لهم حقوقهم.

كما أن القضية لا تقف عند حدود الاتحاد وحده، بل تمتد إلى الجهات المختصة في الدولة، التي يقع على عاتقها واجب رفع الضرر وجبره وتعويض المتضررين، خاصة أولئك الذين فقدوا مصدر دخلهم لسنوات بسبب ظروف استثنائية فرضتها قرارات سياسية ثم حرب مدمرة لم يكن لهم فيها يد.

وفي الوقت ذاته، فإن هذه القضية تستحق أن تجد مكانها في أقلام الصحفيين السودانيين. فمن يعرف قيمة موظفي الاتحاد، ويعايش أدوارهم اليومية، يدرك أنهم كانوا ولا يزالون جزءًا أصيلًا من العمل النقابي والإداري، وأن الوفاء للمؤسسة يبدأ بالوفاء لمن خدموها في صمت وإخلاص.

إن تناول هذه القضية في المقالات والتحقيقات والبرامج الإعلامية ليس دفاعًا عن أفراد بقدر ما هو دفاع عن مبدأ أصيل، مفاده أن الموظف لا ينبغي أن يتحمل تبعات الصراعات السياسية، ولا أن يصبح ضحية للقرارات الإدارية أو الظروف الاستثنائية التي تتجاوز إرادته.

إن إنصاف موظفي اتحاد الصحفيين السودانيين اليوم ليس منحة، وليس تفضلًا من أحد، بل هو استحقاق إداري وقانوني وإنساني. فحقوق العاملين لا تسقط بتغير الإدارات، ولا تنقضي بتعطل المؤسسات، ولا تلغيها الحروب.

ولعل عودة الاتحاد إلى ممارسة نشاطه تمثل فرصة حقيقية لفتح هذا الملف بروح المسؤولية والإنصاف، حتى تكون بداية مرحلة جديدة لا تقتصر على إعادة تأهيل المباني، وإنما تمتد إلى إعادة الاعتبار للإنسان الذي ظل، رغم كل ما مر به، وفيًا لمؤسسته، منتظرًا أن ترد إليه المؤسسة بعضًا من ذلك الوفاء.

فالمؤسسات تُبنى بالحجر، لكنها تستمر بالإنسان. والإنسان، قبل كل شيء، يستحق العدالة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات