لا تكذب الأنهار، ولا تعرف المجاملة. فهي لا تعلن مواقفها في البيانات، ولا تدخل في السجالات السياسية، وإنما تروي قصتها بلغة واحدة هي حركة المياه. ومن يتابع نهر النيل عامًا بعد عام يدرك أن شيئًا ما قد تغير في سلوكه خلال السنوات الأخيرة، وأن هذا التغير يستحق أن يُقرأ بعين العلم قبل أن يُقرأ بعين السياسة.
لقد ظل النيل الأزرق، الذي يمد النهر بأغلب مياهه في موسم الأمطار، يخضع عبر قرون طويلة لإيقاع طبيعي واضح؛ ترتفع مناسيبه مع أمطار الهضبة الإثيوبية، وتبلغ ذروة الفيضان في توقيت يكاد يكون معروفًا، ثم تبدأ المياه في الانحسار تدريجيًا حتى يحل موسم الجفاف. وعلى هذا النظام بُنيت السدود، وتحددت مواسم الزراعة، وتشكلت حياة الناس على ضفاف النهر.
لكن اكتمال سد النهضة، وبدء تشغيله وتخزين مياهه، أدخلا عنصرًا جديدًا إلى هذه المعادلة. فلم يعد النهر يستجيب للطبيعة وحدها، بل أصبح جزء من سلوكه مرتبطًا أيضًا بآليات تشغيل السد، وبالكميات التي تُحجز أو تُطلق في أوقات مختلفة من العام.
وهنا لا نتحدث عن موقف مؤيد أو معارض للسد، وإنما عن واقع هيدرولوجي جديد أصبح قائمًا بالفعل، ومن الواجب فهمه بعيدًا عن الانفعال.
وأول ما يلفت الانتباه هو تغير إيقاع الجريان. فقد اعتاد السودانيون أن يرتفع النيل بصورة متواصلة خلال موسم الأمطار حتى يبلغ ذروة الفيضان، ثم يبدأ انحساره تدريجيًا. أما في السنوات الأخيرة، فقد سجلت محطات الرصد، كما لاحظ المواطنون، فترات ارتفعت فيها المناسيب أو انخفضت بصورة لا تتوافق دائمًا مع النمط التقليدي الذي عرفوه لعقود طويلة.
وقد تبدو هذه التغيرات محدودة في نظر البعض، لكنها بالنسبة لمهندس الري، والمزارع، وسكان القرى النهرية، تحمل دلالات كبيرة، لأن استقرار الجريان لا يقل أهمية عن كمية المياه نفسها.
أما الملاحظة الثانية فتتعلق بالفيضانات. فمن المعروف أن سد النهضة، بحكم سعته التخزينية الكبيرة، يستطيع احتجاز جزء من مياه الفيضان وإعادة تصريفها لاحقًا. وهذا يعني أن بعض موجات الفيضان التي كانت تصل إلى السودان بقوة قد تصبح أقل حدة إذا جرى تشغيل السد بهذا الاتجاه. وفي المقابل، فإن أي زيادة كبيرة في التصريف خلال موسم الأمطار، إذا لم تكن منسقة مع السودان، قد تؤدي إلى ارتفاعات مفاجئة في المناسيب، وهو ما يجعل تبادل المعلومات بين الدول ضرورة فنية قبل أن يكون قضية سياسية.
أما الطمي، فهو من أكثر الملفات التي تستحق الدراسة. فقد كان النيل الأزرق يحمل سنويًا كميات ضخمة من الرواسب التي تترسب في الأراضي الزراعية، فتجدد خصوبتها، بينما تتسبب في الوقت نفسه في تراكم الإطماء داخل الخزانات والقنوات. ومع احتجاز نسبة كبيرة من هذه الرواسب خلف السد، بدأت تظهر تساؤلات مشروعة حول مستقبل خصوبة بعض الأراضي، وحول الآثار البيئية بعيدة المدى لهذا التغير.
وتبرز كذلك قضية توقيت وصول المياه. فالمزارع لا تعنيه الكمية السنوية وحدها، بل يهمه أن تصل المياه عندما يحتاج إليها محصوله. وكذلك الحال بالنسبة لمحطات مياه الشرب، ومشروعات الري، ومحطات توليد الكهرباء. ومن هنا أصبح انتظام التصريف عنصرًا بالغ الأهمية في إدارة الموارد المائية.
وفي السودان تزداد حساسية هذه القضية بسبب قرب سد الروصيرص من سد النهضة، إذ لا تفصل بينهما سوى مسافة محدودة على مجرى النيل الأزرق. وهذا يجعل أي تعديل في تشغيل السد الإثيوبي ينعكس بسرعة على السودان، الأمر الذي يفرض وجود تنسيق فني مستمر، وتبادل فوري للبيانات، حتى تتمكن السدود السودانية من إدارة المياه بكفاءة وأمان.
ولا ينبغي في هذا السياق أن نعزو كل تغير إلى سد النهضة وحده. فالتغيرات المناخية، وتذبذب معدلات الأمطار، وارتفاع درجات الحرارة، كلها عوامل تؤثر في سلوك الأنهار. لكن وجود سد بهذا الحجم أضاف متغيرًا جديدًا لا يمكن تجاهله عند تفسير ما يحدث.
وربما تكون الملاحظة الأهم أن النيل دخل مرحلة مختلفة من تاريخه. فقد كان الإنسان، عبر آلاف السنين، يتكيف مع النهر كما تصنعه الطبيعة. أما اليوم، فقد أصبح مطالبًا أيضًا بالتكيف مع قرارات التشغيل والإدارة، وهو تحول كبير في فلسفة التعامل مع الموارد المائية في حوض النيل.
إن مستقبل النهر لن تحدده الأمطار وحدها، ولن تحدده السدود وحدها، وإنما ستحدده قدرة دول الحوض على بناء منظومة تعاون تقوم على تبادل المعلومات، واحترام المصالح المشتركة، والإدارة الرشيدة للمياه. فالنيل لا يعرف الحدود السياسية، لكنه يعرف جيدًا أن أي قرار يُتخذ عند منابعه ستصل آثاره، عاجلًا أو آجلًا، إلى كل من يعيش على ضفافه.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يشغل الجميع اليوم ليس: هل تغير النيل؟ فالإجابة تشير إلى أن سلوكه يشهد بالفعل تحولات تستحق المتابعة. وإنما السؤال الأهم هو: هل نمتلك من المعرفة والتعاون ما يكفي لفهم هذه التحولات وإدارتها؟ لأن مستقبل وادي النيل لن تصنعه المياه وحدها، بل ستصنعه أيضًا الحكمة في إدارة هذه المياه.
ماذا يقول النهر؟
سبع ملاحظات على مجرى النيل بعد اكتمال سد النهضة
بعيدًا عن المواقف السياسية المتباينة، وبعيدًا عن الخطابات التي صاحبت سنوات التفاوض، يبقى النهر نفسه هو الشاهد الأصدق على ما جرى. فالمياه لا تعرف لغة البيانات الرسمية، لكنها تكشف، مع مرور الوقت، عن التحولات التي تطرأ على سلوكها. ومن خلال متابعة ما حدث خلال السنوات الأخيرة، يمكن تسجيل عدد من الملاحظات التي تستحق الدراسة، دون أن يعني ذلك أن جميعها نتجت عن سبب واحد، أو أن تأثيرها قد استقر بصورة نهائية.
أولًا: تغير إيقاع الجريان
من أكثر الملاحظات تداولًا بين المختصين والعاملين في قطاع الري أن النيل الأزرق لم يعد يحتفظ بالإيقاع الموسمي نفسه الذي عُرف لعقود طويلة. ففي السابق كانت الزيادة في المناسيب تأتي بصورة متدرجة مع تقدم موسم الأمطار، أما اليوم فقد أصبح الجريان أكثر ارتباطًا بطريقة تشغيل السد، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع أو انخفاض التصريف في توقيتات تختلف عما اعتاده سكان ضفاف النهر.
ولا يعني ذلك أن الفيضان اختفى، وإنما يعني أن منحنى الجريان أصبح أكثر قابلية للتأثر بقرارات التشغيل، إلى جانب تأثير الأمطار نفسها.
ثانيًا: انخفاض حدة الفيضانات… ولكن ليس اختفاء خطرها
من الناحية النظرية، تستطيع السدود الكبيرة احتجاز جزء من موجات الفيضان ثم إطلاقها لاحقًا بصورة أكثر انتظامًا، وهو ما قد يقلل من حدة الفيضانات في بعض السنوات.
لكن هذه الميزة تظل مرتبطة بطريقة تشغيل السد. فإذا اضطرت إدارة السد إلى تمرير كميات كبيرة من المياه خلال فترة قصيرة بسبب امتلاء الخزان أو هطول أمطار استثنائية، فقد تعود مخاطر الفيضانات بصورة مختلفة. ولذلك فإن غياب التنسيق الفني قد يحول ميزة تنظيم الجريان إلى مصدر قلق للدول الواقعة أسفل السد.
ثالثًا: تراجع الطمي… مكاسب وخسائر في آن واحد
ظل الطمي القادم من الهضبة الإثيوبية يمثل أحد أهم مكونات دورة النيل الطبيعية. فمن جهة، كان يجدد خصوبة الأراضي الزراعية، ومن جهة أخرى كان يتسبب في تراكم الرواسب داخل الخزانات وقنوات الري.
ومع احتجاز جزء كبير من هذه الرواسب خلف سد النهضة، يتوقع أن تنخفض كميات الطمي الواصلة إلى السودان. وقد يعني ذلك إطالة العمر التشغيلي لبعض السدود وتقليل الإطماء، لكنه قد يعني أيضًا اعتمادًا أكبر على الأسمدة الزراعية لتعويض ما كانت تمنحه الطبيعة للتربة مجانًا.
رابعًا: أهمية التوقيت أصبحت تضاهي أهمية الكمية
في إدارة الأنهار، لا تكفي معرفة كمية المياه المتدفقة خلال العام، بل يصبح توقيت وصولها عاملًا حاسمًا. فالمزارع يحتاج المياه في مرحلة معينة من نمو المحصول، ومحطات الكهرباء تحتاج إلى تصريف مستقر، كما تحتاج محطات مياه الشرب إلى مناسيب آمنة.
ومن هنا أصبحت إدارة التوقيت جزءًا أساسيًا من معادلة الأمن المائي، وربما أهم من إجمالي الكميات في بعض السنوات.
خامسًا: السودان… الحلقة الأكثر حساسية
بحكم الجغرافيا، يعد السودان أول من يتأثر بأي تغيير في تشغيل سد النهضة. فالفاصل الزمني القصير بين السد الإثيوبي وسد الروصيرص يجعل أي تعديل في التصريف يصل بسرعة إلى الأراضي السودانية.
وهذا يفسر مطالبة الخبراء السودانيين منذ سنوات بوجود آلية دائمة لتبادل البيانات اليومية، حتى تتمكن السلطات المختصة من إدارة الخزانات، وتحذير السكان عند الحاجة، وضمان تشغيل آمن لمنشآت الري والكهرباء.
سادسًا: تغير المناخ شريك لا يمكن تجاهله
قد يكون من السهل إرجاع كل الظواهر إلى سد النهضة، لكن ذلك لا يعكس الصورة الكاملة. فحوض النيل، شأنه شأن كثير من أحواض العالم، يواجه تغيرات مناخية واضحة، تتمثل في تذبذب الأمطار، وارتفاع درجات الحرارة، وزيادة الظواهر الجوية المتطرفة.
ولذلك فإن القراءة العلمية الرصينة تقتضي النظر إلى السد باعتباره عاملًا مؤثرًا ضمن منظومة أوسع، لا العامل الوحيد الذي يفسر كل ما يحدث.
سابعًا: من إدارة المياه إلى إدارة الثقة
ربما تكون هذه هي الملاحظة الأهم. فالسدود يمكن تشغيلها وفق قواعد علمية تحقق مصالح الجميع، لكن ذلك يتطلب تبادلًا مستمرًا للمعلومات، وشفافية في البيانات، وثقة متبادلة بين الدول.
فإذا غابت المعلومات، أصبحت كل تغيرات النهر مصدرًا للقلق والتأويل. أما إذا حضرت الشفافية، فإن كثيرًا من المخاوف يمكن احتواؤها بالتخطيط والتنسيق.
ولهذا، فإن مستقبل النيل لن يتوقف فقط على كمية الأمطار التي تهطل فوق الهضبة الإثيوبية، بل سيتوقف أيضًا على قدرة دول الحوض على بناء منظومة مشتركة لإدارة هذا النهر العظيم، باعتباره موردًا للحياة، لا ساحةً للصراع.
هل دخل النيل عصر التحكم البشري؟
منذ أن بدأ الإنسان في تشييد السدود على الأنهار، لم يعد الماء يتحرك وفق قوانين الطبيعة وحدها. غير أن ما يشهده النيل الأزرق اليوم يمثل تحولًا نوعيًا، لأن السد المقام على مجراه لا يقتصر دوره على توليد الكهرباء، بل يمتلك قدرة كبيرة على إعادة تشكيل إيقاع الجريان الذي اعتادت عليه دول المصب لعقود طويلة.
ولا يعني ذلك أن الإنسان أصبح قادرًا على التحكم الكامل في النهر، فالأمطار ما زالت تهطل أو تشح وفق قوانين الطبيعة، والتغيرات المناخية ما زالت تلقي بظلالها على حوض النيل بأكمله. لكن الجديد هو أن رحلة المياه لم تعد تبدأ وتنتهي وفق الطبيعة وحدها، بل أصبحت تمر بمحطة تتحكم في توقيت عبورها، وفي الكميات التي تُطلق، وفي سرعة تدفقها.
وهنا يكمن الفارق بين التحكم في المورد والتحكم في توقيت المورد.
فقد تظل الكمية السنوية للمياه التي تعبر الحدود قريبة من معدلاتها الطبيعية في كثير من السنوات، لكن إعادة توزيعها على أيام وأسابيع وشهور مختلفة قد تُحدث آثارًا كبيرة على الزراعة، وإدارة السدود، ومياه الشرب، والبيئة النهرية.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس: هل ستصل المياه؟ وإنما: متى ستصل؟ وبأي معدل؟ وهل سيكون وصولها متوافقًا مع احتياجات الدول الواقعة على مجرى النهر؟
هذه الأسئلة لم تكن تحتل المساحة نفسها من الاهتمام قبل إنشاء سد النهضة، لأن الطبيعة كانت تؤدي هذا الدور بصورة تلقائية. أما اليوم، فقد أصبحت جزءًا من منظومة تشغيل تعتمد على قرارات فنية يومية، وعلى مستوى التنسيق بين الدول الثلاث.
ومن هنا، فإن الحديث عن الأمن المائي لم يعد يقتصر على كميات المياه المخزنة في السدود، بل أصبح يشمل أيضًا أمن المعلومات. فالمعلومة الدقيقة عن حجم التصريف، ومواعيد إطلاق المياه، والتغيرات المتوقعة في التشغيل، أصبحت لا تقل أهمية عن المياه نفسها، لأنها تمنح الدول الواقعة أسفل النهر فرصة للتخطيط والاستعداد.
وفي السودان تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحًا من غيرها، بحكم الموقع الجغرافي الذي يجعل البلاد أول المتأثرين بأي تغيير في تشغيل سد النهضة. ولذلك، فإن نجاح إدارة المياه في السودان سيعتمد بصورة متزايدة على دقة التنبؤ، وسرعة تبادل البيانات، وكفاءة تشغيل السدود الوطنية بما يتناسب مع المتغيرات الجديدة.
إن الأنهار الكبرى عبر التاريخ كانت دائمًا عنصرًا يجمع بين الشعوب، لكن إدارة هذه الأنهار في القرن الحادي والعشرين أصبحت أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى. فالتقدم الهندسي منح الإنسان قدرة كبيرة على تنظيم المياه، لكنه في الوقت نفسه حمّله مسؤولية أكبر، لأن أي قرار في المنبع قد ينعكس مباشرة على حياة ملايين البشر في المصب.
ولذلك، فإن مستقبل النيل لن يكون رهينًا بارتفاع السدود أو انخفاضها، ولا بسنوات الوفرة أو الجفاف وحدها، بل سيكون رهينًا بقدرة دول الحوض على الانتقال من مرحلة إدارة كل دولة لمياهها بصورة منفردة، إلى مرحلة إدارة النهر باعتباره منظومة واحدة، تتشارك فيها المصالح كما تتشارك فيها المياه.
لقد علّم النيل شعوبه، عبر آلاف السنين، أن الماء لا يعرف الحدود. وربما تكون هذه الحقيقة اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأن التحدي لم يعد في كيفية بناء السدود، وإنما في كيفية بناء الثقة التي تجعل هذه السدود وسيلة للتنمية المشتركة، لا مصدرًا دائمًا للقلق والخلاف.
ما الذي ينبغي مراقبته خلال السنوات المقبلة؟
إذا كان من المبكر إصدار أحكام نهائية على التأثيرات طويلة المدى لسد النهضة، فإن ذلك لا يعني أن الصورة ما زالت غامضة بالكامل. فهناك مؤشرات علمية واضحة يمكن من خلالها، عامًا بعد آخر، تقييم ما إذا كان النيل قد دخل بالفعل مرحلة هيدرولوجية جديدة، أم أن ما نشهده اليوم لا يعدو كونه آثارًا انتقالية صاحبت سنوات الملء الأولى.
وأولى هذه المؤشرات تتمثل في استقرار نظام الجريان. فهل ستستقر مناسيب النهر على نمط يمكن التنبؤ به، أم سيظل التذبذب المفاجئ سمة متكررة؟ إن انتظام حركة المياه لا يقل أهمية عن حجمها، لأنه يمثل الأساس الذي تبنى عليه خطط الزراعة وإدارة السدود وتوفير مياه الشرب.
أما المؤشر الثاني فيتعلق بالرواسب والطمي. فالتغير في كمية الرواسب التي تصل إلى السودان لن ينعكس فقط على خصوبة الأراضي الزراعية، بل سيؤثر أيضًا في شكل المجرى نفسه. فالأنهار ليست مجرد مياه جارية، وإنما هي منظومات تنقل ملايين الأطنان من الرواسب سنويًا، وهذه الرواسب هي التي تحدد، مع الزمن، طبيعة الضفاف، واستقرار الجزر النيلية، وعمق المجرى، واتساعه.
ومن هنا تبرز أهمية متابعة ظاهرتين متلازمتين؛ الإطماء في بعض المواقع، والنحر في مواقع أخرى. فإذا قلت الرواسب التي يحملها النهر، فقد تزداد قدرة المياه على نحت القاع والضفاف في بعض القطاعات، بينما تتغير أنماط الترسيب في قطاعات أخرى. وهذه تغيرات لا تظهر خلال موسم واحد، بل تتكشف آثارها تدريجيًا عبر سنوات.
ويأتي بعد ذلك تأثير تغير الجريان على المياه الجوفية. فكثير من الآبار القريبة من النهر تعتمد في تغذيتها على استقرار مناسيب المياه السطحية. وأي تغير طويل الأمد في معدلات الجريان أو في توقيتاته قد ينعكس على مستويات المياه الجوفية، خاصة في المناطق الزراعية التي تعتمد على الضخ من الآبار إلى جانب الري من النهر.
ولا يقل عن ذلك أهمية النظام البيئي للنهر. فالأسماك والكائنات المائية والنباتات المرتبطة بالبيئة النهرية تكيفت عبر قرون مع دورة الفيضان والجفاف. وإذا تغيرت هذه الدورة بصورة دائمة، فقد تظهر تغيرات في مواسم التكاثر، أو في توزيع بعض الأنواع، أو في طبيعة البيئات الرطبة المرتبطة بالنهر.
أما على المستوى الاقتصادي، فإن المعيار الحقيقي سيظل هو قدرة القطاع الزراعي على التكيف. فإذا نجحت نظم الري وإدارة المياه في الاستفادة من انتظام التصريف، فقد تتحقق مكاسب ملموسة في بعض المناطق. أما إذا غابت المعلومات الدقيقة أو حدثت تغيرات مفاجئة في التشغيل، فإن تكلفة التكيف قد تكون مرتفعة، خاصة بالنسبة لصغار المزارعين.
ويبقى المؤشر الأهم هو مستوى التعاون بين دول الحوض. فكل المؤشرات السابقة يمكن التعامل معها إذا توفرت البيانات في الوقت المناسب، وإذا أصبحت إدارة المياه عملاً مشتركًا يقوم على تبادل المعلومات والإنذار المبكر والتخطيط العلمي. أما إذا بقيت كل دولة تعمل بمعزل عن الأخرى، فإن حتى الظواهر الطبيعية العادية قد تتحول إلى أزمات بسبب غياب التنسيق.
ولذلك، فإن السنوات المقبلة لن تكون اختبارًا لسد النهضة وحده، بل ستكون اختبارًا لقدرة دول حوض النيل على إدارة مرحلة جديدة من تاريخ هذا النهر. فالسدود يمكن أن تغير طريقة جريان المياه، لكنها لا تستطيع وحدها أن تحدد مستقبل العلاقات بين الشعوب. ذلك المستقبل سيظل مرهونًا بالعلم، والشفافية، والإرادة المشتركة في حماية نهر ظل، عبر آلاف السنين، مصدرًا للحياة أكثر منه سببًا للخلاف.
وربما لهذا كله، فإن مراقبة النيل في السنوات القادمة لن تكون مهمة مهندسي الري وحدهم، بل ستكون مسؤولية مشتركة للباحثين، وصناع القرار، والجامعات، ومراكز الدراسات، لأن ما يحدث اليوم ليس تغيرًا في مجرى نهر فحسب، بل تحول في واحدة من أهم المنظومات المائية في العالم.
في تاريخ الأنهار، لا تُقاس التحولات بالأيام ولا بالسنوات، وإنما بالعقود والأجيال. ولذلك، فإن إصدار أحكام نهائية على ما أحدثه سد النهضة في سلوك النيل لا يزال أمرًا يحتاج إلى المزيد من الرصد والدراسة. لكن المؤكد أن النهر الذي عرفته أجيال السودانيين والمصريين قد دخل مرحلة مختلفة، تتداخل فيها قوانين الطبيعة مع قرارات التشغيل والهندسة وإدارة الموارد المائية.
وليس المقصود من ذلك إثارة المخاوف، كما أنه ليس دعوة إلى التقليل من أهمية المتغيرات التي يشهدها النهر. فالقراءة العلمية الرصينة تقتضي الاعتراف بأن هناك واقعًا جديدًا تشكل بالفعل، وأن التعامل معه لا يكون بالشعارات، وإنما بالمعرفة، وبناء القدرات، وتعزيز التعاون بين الدول التي يجمعها هذا المورد المشترك.
لقد أثبتت تجارب الأنهار الدولية حول العالم أن السدود ليست، في ذاتها، مصدرًا للأزمات أو للحلول، وإنما تتحدد آثارها بطرق إدارتها، وبمستوى الشفافية في تشغيلها، وبقدرة الدول المتشاطئة على تحويل المصالح المتبادلة إلى قواعد عمل مستقرة. وهذه الحقيقة تنطبق على حوض النيل أكثر من غيره، لأنه ليس مجرد حوض مائي، بل فضاء حضاري تشكلت على ضفافه واحدة من أقدم الحضارات الإنسانية.
أما السودان، فيقف اليوم في موقع بالغ الحساسية، ليس لأنه الأقرب جغرافيًا إلى سد النهضة فحسب، بل لأنه سيكون أول من يلمس، عامًا بعد آخر، أي تغير دائم في نظام الجريان. وهذا يفرض على مؤسساته المختصة أن تجعل من الرصد العلمي، وتحديث شبكات القياس، والاستثمار في علوم الهيدرولوجيا، وتطوير نظم الإنذار المبكر، أولوية وطنية لا تقل أهمية عن أي مشروع تنموي آخر.
لقد علمنا النيل عبر آلاف السنين أن الماء لا يهب الحياة فحسب، بل يمنح الإنسان درسًا في الصبر والتوازن. فهو لا يجري بالسرعة نفسها كل يوم، ولا يحمل الكمية ذاتها كل عام، لكنه يظل وفيًا لرسالته الكبرى: أن يصل إلى البحر بعد رحلة طويلة، جامعًا بين شعوب وأراضٍ وثقافات مختلفة.
واليوم، بينما يكتب النيل فصلًا جديدًا من تاريخه، تبقى المسؤولية مشتركة بين العلماء وصناع القرار والإعلام والمجتمع. فالمطلوب ليس أن ننحاز إلى رواية دون أخرى، بل أن ننحاز إلى الحقيقة، وأن نقرأ ما يقوله النهر بلغة العلم، وأن نستعد لمستقبل قد يختلف عن الماضي، لكنه ليس بالضرورة أسوأ منه إذا أُحسن فهمه وإدارته.
فالنيل لم يتوقف عن الجريان… لكنه ربما بدأ يجري بطريقة مختلفة.
وهنا تكمن القضية.
