الجمعة, يوليو 17, 2026
الرئيسيةمقالاتالمخطط الهيكلي السادس… لماذا الآن؟ ...

المخطط الهيكلي السادس… لماذا الآن؟ بقلم: م. الصادق عباس نجّار

بقلم: م. الصادق عباس نجّار

عادةً ما يُطرح الحديث عن إعداد مخطط هيكلي جديد عندما يقترب المخطط القائم من نهايته الزمنية. لكن التخطيط العمراني الاستراتيجي لا يعمل بهذه الطريقة. فالمخططات الكبرى لا تبدأ عندما تنتهي صلاحيتها، بل عندما يبدأ الواقع في تجاوز الفرضيات التي قامت عليها.

من هنا يبرز سؤال قد يراه البعض مبكرًا، بينما أراه سؤالًا في وقته تمامًا:

هل آن الأوان للبدء في إعداد المخطط الهيكلي السادس لولاية الخرطوم؟

أعتقد أن الإجابة نعم.

ليس لأن المخطط الهيكلي الخامس انتهى، فهو يمتد حتى عام 2033، وإنما لأن إعداد أي مخطط بهذا الحجم يحتاج إلى سنوات من الدراسات، وجمع البيانات، وتحليل البدائل، والنقاشات الفنية والمجتمعية قبل أن يرى النور. فالمخطط الذي بدأ تطبيقه عام 2008 لم يولد في ذلك العام، بل سبقته سنوات طويلة من العمل.

ولذلك، فإن السنوات المتبقية من عمر المخطط الحالي ينبغي ألا تُفهم باعتبارها فترة انتظار، وإنما فرصة للاستعداد. فهذه هي المرحلة المناسبة لتقييم التجربة، وتحديث قواعد البيانات، وقراءة التحولات التي مرت بها الولاية، حتى يأتي المخطط القادم معبرًا عن الخرطوم التي نعيشها اليوم، لا الخرطوم التي عرفناها قبل عشرين عامًا.

فالمدينة تغيرت كثيرًا.

الحرب وحدها كانت كافية لإعادة تشكيل أجزاء واسعة من الواقع العمراني. تغير توزيع السكان، وتعرضت البنية الأساسية لأضرار كبيرة، وبرزت قضايا لم تكن تحتل هذه المكانة عند إعداد المخطط السابق، مثل التعافي الحضري، وإعادة الإعمار، ومرونة المدن، وإدارة المخاطر، والتحول الرقمي، والتغيرات المناخية.

لذلك، لم يعد السؤال الأهم هو: كيف نواصل تنفيذ المخطط الحالي؟

السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو: إلى أي مدى ما زالت الافتراضات التي بُني عليها هذا المخطط تعكس واقع الخرطوم اليوم؟

طرح هذا السؤال لا يقلل من قيمة المخطط الهيكلي الخامس، بل يعبر عن جوهر التخطيط العمراني الاستراتيجي نفسه. فالمخططات العمرانية ليست نصوصًا جامدة، وإنما أدوات تتطور كلما تغير الواقع. ولهذا تراجع المدن الكبرى مخططاتها بصورة دورية، ليس لأنها أخفقت، وإنما لأنها تدرك أن المدينة كائن حي يتغير باستمرار.

ومن هنا، فإن أول خطوة نحو المخطط السادس لا تبدأ برسم خرائط جديدة، وإنما بتقييم علمي للمخطط الخامس. تقييم يوضح ما تحقق، وما تعثر، وأسباب ذلك، وما الذي تغير في الواقع العمراني والاقتصادي والاجتماعي خلال السنوات الماضية.

مثل هذا التقييم لا يخدم المخطط القادم فحسب، بل يحفظ أيضًا الذاكرة المؤسسية، ويحول الخبرات المتراكمة إلى معرفة يمكن البناء عليها.

وفي تقديري، فإن المخطط الهيكلي السادس ينبغي أن ينطلق من واقع ما بعد الحرب، وأن ينظر إلى المدينة بمنظور أشمل من مجرد استخدامات الأراضي. فالخرطوم اليوم تحتاج إلى رؤية تربط التخطيط بالتعافي، والتنمية بالاقتصاد الحضري، والخدمات بالتحول الرقمي، والحوكمة بقدرة المدينة على مواجهة الأزمات.

كما أن مرحلة التعافي الحالية تمنحنا فرصة ربما لا تتكرر لبناء قاعدة بيانات جديدة تعكس الواقع كما هو، بدل الاعتماد على بيانات أُنتجت في ظروف مختلفة تمامًا. وهذه ميزة ينبغي استثمارها منذ الآن.

فالمدينة الخارجة من الحرب لا تحتاج فقط إلى إعادة إعمار المباني، وإنما إلى إعادة التفكير في طريقة نموها وإدارتها.

كيف تستعيد وظائفها الاقتصادية؟

كيف توزع فرص التنمية بصورة أكثر توازنًا؟

كيف تصبح أكثر قدرة على مواجهة الأزمات المستقبلية؟

وكيف نحول التعافي من استجابة مؤقتة إلى مسار تنموي طويل الأمد؟

هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تشكل نقطة الانطلاق للمخطط القادم.

وفي المقابل، فإن نجاح هذا العمل لن يتحقق بالجهد الفني وحده. فالمخطط الهيكلي ليس مشروعًا يخص جهة حكومية بعينها، بل هو رؤية لمستقبل العاصمة. ولذلك يحتاج إلى حوار واسع تشارك فيه مؤسسات الدولة، والجامعات، ومراكز البحوث، والقطاع الخاص، والنقابات المهنية، ومنظمات المجتمع المدني، حتى يصبح تعبيرًا عن رؤية وطنية مشتركة، لا وثيقة فنية معزولة.

فالمدن الكبرى لا تُدار بردود الأفعال، وإنما برؤية تستبق المستقبل، وتترجمها مؤسسات تمتلك القدرة على التنفيذ والمتابعة والتطوير.

لهذا، فإن المخطط الهيكلي السادس يبدأ قبل اعتماده بسنوات. يبدأ من اللحظة التي نقرر فيها أن مستقبل الخرطوم يستحق أن نخطط له مبكرًا.

وإذا كانت العاصمة تدخل اليوم مرحلة التعافي، فإن أفضل ما يمكن أن نستثمره في هذه المرحلة هو أن نجعلها نقطة انطلاق لرؤية عمرانية جديدة، تستفيد من دروس الماضي، وتستجيب لتحولات الحاضر، وتفتح الطريق أمام مدينة أكثر مرونة واستدامة خلال العقود المقبلة.

م. الصادق عباس نجّار
مهندس معماري ومخطط عمراني

https://www.facebook.com/share/p/1BUAFtfVE8
مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات