بعض القرارات لا تُقاس بسلطة من أصدرها ، وإنما بالأثر الذي تتركه في نفوس الناس ، فمنع فعالية لإحياء ذكرى شهداء أم صميمة واحد من تلك القرارات التي يصعب فهمها أو تبريرها أو قل بلغة اليوم يصعب بلعها.
شهداء أم صميمة لم يكونوا يومًا مجرد أسماء في قوائم الشهداء ، ولم يسقطوا في حانات الخمر والدعارة ، هم رجال خرجوا من أجل عزة الوطن والدفاع عنه ، ويعلمون أن الطريق قد ينتهي بالإصابة أخف قدرًا أو بالأسر أو الشهادة ، لكنهم مضوا حتى لا تنتهي البلاد إلى مدارك الهلاك ، منهم من قضى نحبه ، ومنهم من بقي يحمل آثار الرصاص وفقد الرفاق ، ينتظر أن يرى وطنًا يفي لمن ضحوا من أجله.
والي الخرطوم الأستاذ أحمد عثمان حمزة ، الذي يُحسب له صموده في أم درمان في أصعب أيام الحرب وأحلكها ، يعلم قبل غيره أن الخرطوم لم تعد آمنة بقرارات المكاتب التي يمررها باستشارة من حوله ، وإنما بدماء سالت في أم درمان ، وفي بحري ، وفي الخرطوم ، وعلى امتداد جبهات القتال ، ويعلم أن كل خطوة يخطوها اليوم في العاصمة إنما مهدت لها تضحيات رجال واجهوا الموت بصدور عارية ، لا يملكون إلا إيمانهم بقضيتهم ، لهذا كان قرار منع فعالية إحياء ذكرى شهداء أم صميمة صادمًا… صادمًا لأسر الشهداء ، ولرفاق الخنادق ، ولكل من يرى أن الوفاء للشهيد ليس منحة من أحد أيًا كان موقعه رئيس مجلس سيادة أو والٍ ، بل حق مستحق سالت فيه الدماء ونُصبت لأجله سرادق العزاء.
سؤال لوالي الخرطوم… كيف تتحول فعالية لتخليد ذكرى الشهداء إلى أمر يستوجب المنع؟ وكيف يصبح تجمع أسر الشهداء ورفاقهم مصدر قلق ، بينما هم أكثر الناس حرصًا على أمن هذه الولاية؟ هؤلاء يعرفون الخرطوم شارعًا بشارع ، وزقاقًا بزقاق ، لأن لكل شارع فيها حكاية ، ولكل حي فيها شهيدًا ، ولكل مؤسسة فيها رفيقًا سقط وهو يدافع عنها.
ولو كانت الفعالية حفلاً غنائيًا لفنانة مثل هدى عربي أو عشة الجبل ، لما رأينا هذا التشدد في المنع ، ولما ثار الحديث عن المخاوف الأمنية ، بل لوجدت من يهيئ لها المكان وينظم لها الإجراءات اللازمة ، أما حين يتعلق الأمر بوقفة وفاء لشهداء قدموا أرواحهم حتى تستعيد الخرطوم عافيتها ، يصبح المنع هو القرار ، إنها مفارقة موجعة تطرح سؤالًا مشروعًا: لماذا يضيق الفضاء العام بذكرى الشهداء ، بينما يتسع لغيرها من الفعاليات؟
إن تكريم الشهداء لا يكون بالأحاديث خلف القاعات المغلقة ، ولا باللافتات على الطرقات ومداخل المدن ، وإنما باحترام حق أسرهم ورفاقهم في أن يقفوا ساعة وفاء ، يخلدون ذكراهم ، ويستحضرون أسماء من دفعوا أرواحهم ثمنًا لهذا الأمن ، فالخرطوم التي تحررت بدماء شهداء أم صميمة ورفاقهم لا يليق بها أن تمنع ذكرهم ، فالقرارات الإدارية قد تمنع إقامة فعالية ، لكنها لن تمنع الناس من تذكر شهدائهم ، ولن تمحو أسماءهم من الذاكرة.
فالتاريخ لا يكتبه من يمنح التصاديق أو يمنعها ، وإنما يكتبه أولئك الذين خطوه بدمائهم ، وإذا كنا نبني دولة تُكرم من ضحوا من أجلها ، فإن أول درجات التكريم ألا يُمنع الشهداء من موعد الوفاء بهم ، لأن الأوطان التي تنسى شهداءها ، أو تضيق حتى بذكراهم ، تفتح بابًا واسعًا للجحود ، والجحود لا يبني وطنًا. يا أحمد عثمان حمزة… هل تسمعني؟ لنا عودة.
