الثلاثاء, يوليو 14, 2026
الرئيسيةمقالاتمسارات... ...

مسارات… د. نجلاء حسين المكابرابي السياسات الاقتصادية المستقبلية السودانية. نحو اقتصاد منتج ومستدام


يمثل الاقتصاد السوداني اليوم أحد أكبر التحديات التي ستواجه مرحلة ما بعد الحرب، لكنه في الوقت ذاته يحمل فرصًا كبيرة لإعادة البناء على أسس أكثر كفاءة وعدالة واستدامة. فقد أثبتت التجارب أن الاقتصادات التي تنهض بعد الأزمات لا تعتمد على إعادة إعمار ما دُمِّر، وإنما على تبني سياسات اقتصادية جديدة تعالج الاختلالات الهيكلية وتؤسس لاقتصاد منتج قادر على خلق فرص العمل وتحقيق الاستقرار.
وتبدأ أولويات المرحلة المقبلة باستعادة الاستقرار الاقتصادي عبر ضبط المالية العامة، وتعزيز الشفافية في إدارة الموارد، وتطوير النظام المصرفي بما يمكنه من تمويل النشاط الإنتاجي بدلاً من الاقتصار على الأنشطة قصيرة الأجل. كما أن استقرار سعر الصرف وخفض معدلات التضخم يمثلان ركيزة أساسية لاستعادة الثقة في الاقتصاد الوطني.
ويظل القطاع الزراعي هو القاعدة الطبيعية لانطلاقة الاقتصاد السوداني. فالسودان يمتلك ملايين الأفدنة الصالحة للزراعة، وموارد مائية متنوعة، وثروة حيوانية ضخمة، وهي مقومات تؤهله للتحول إلى مركز إقليمي لإنتاج الغذاء إذا ما اقترنت بسياسات تشجع الاستثمار، وتوفر التقانات الحديثة، وتحسن البنية التحتية، وتدعم الصناعات الزراعية التي تضيف قيمة للمنتجات المحلية.
ولا تقل أهمية قطاع التعدين، وعلى رأسه الذهب، الذي يحتاج إلى سياسات تحقق الاستفادة القصوى من عائداته من خلال تنظيم الإنتاج، وتشجيع التصنيع المرتبط بالمعادن، والحد من التهريب، بما يسهم في زيادة الإيرادات العامة ودعم احتياطيات النقد الأجنبي.
كما ينبغي أن تتجه السياسات الاقتصادية المستقبلية نحو تشجيع القطاع الخاص الوطني، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتسهيل إجراءات الاستثمار، وإزالة التعقيدات الإدارية، مع توفير بيئة قانونية مستقرة تجذب رؤوس الأموال المحلية والخارجية.
وتعد تنمية رأس المال البشري عنصرًا لا غنى عنه في أي رؤية اقتصادية ناجحة. فالاستثمار في التعليم، والتدريب المهني، والبحث العلمي، والتحول الرقمي، سيعزز الإنتاجية ويرفع قدرة الاقتصاد على المنافسة، خاصة في ظل التغيرات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي.
ومن المهم أيضًا أن تراعي السياسات المستقبلية تحقيق تنمية متوازنة بين الولايات، من خلال توزيع عادل للمشروعات والخدمات، بما يسهم في تقليص الفوارق التنموية، ويعزز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
إن نجاح السودان في بناء اقتصاد قوي لن يتحقق بوفرة الموارد وحدها، بل بحسن إدارتها، ووضوح الرؤية، واستمرار الإصلاحات، وترسيخ مبادئ الحوكمة وسيادة القانون. فالمستقبل الاقتصادي للبلاد يتطلب الانتقال من اقتصاد يعتمد على تصدير المواد الخام إلى اقتصاد يقوم على الإنتاج، والتصنيع، والابتكار، وزيادة القيمة المضافة.
ويمتلك السودان من الموارد الطبيعية، والموقع الجغرافي، والطاقات البشرية ما يؤهله لأن يكون من الاقتصادات الواعدة في المنطقة، إذا اقترنت هذه المقومات بإرادة سياسية، وسياسات اقتصادية مستقرة، وشراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع. وعندها لن تكون مرحلة ما بعد الحرب مجرد تعافٍ اقتصادي، بل بداية لنهضة تنموية شاملة تضع السودان على مسار النمو المستدام والازدهار.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات