الإثنين, يوليو 13, 2026
الرئيسيةمقالاتالحظر الأوروبي على الزئبق والسيانيد: هل يدفع السودان إلى موجة جديدة من...

الحظر الأوروبي على الزئبق والسيانيد: هل يدفع السودان إلى موجة جديدة من تهريب الذهب؟ كتب : أبوعبيده أحمد سعيد محمد


كتب : أبوعبيده أحمد سعيد محمد
saeed.abuobida5@gmail.com
لم يكن قرار الاتحاد الأوروبي بحظر تصدير الزئبق والسيانيد إلى السودان مجرد إجراء فني يتعلق بالمواد الكيميائية، بل يمثل تحولاً قد تكون له تداعيات مباشرة على تكلفة إنتاج الذهب، وحجم التهريب، وعجز الحساب الجاري، وبالتالي على استقرار الاقتصاد السوداني بأكمله.
فالزئبق والسيانيد يشكلان الركيزة الأساسية لعمليات استخلاص الذهب في التعدين التقليدي والمنظم. وعندما تُقيَّد إمداداتهما، فإن أول ما يرتفع هو تكلفة الاستخلاص، وليس فقط تكلفة الاستيراد.
خلال السنوات الأخيرة أصبح الذهب المصدر الأكبر للنقد الأجنبي في السودان. ففي عام 2024 بلغت صادرات الذهب غير النقدي نحو 1.57 مليار دولار، وهو ما مثل قرابة نصف الصادرات الرسمية للبلاد.
وفي المقابل، ظل الحساب الجاري يعاني عجزاً مرتفعاً؛ فقد بلغ نحو 3.92 مليارات دولار في 2022، ثم 2.35 مليار دولار في 2023، قبل أن يرتفع مجدداً إلى 3.93 مليارات دولار في 2024، مع توقعات بأن يقترب من 5.09 مليارات دولار في 2025.
فجوة الإنتاج والصادرات
وتكشف مقارنة الإنتاج الفعلي بالصادرات الرسمية حجم الاختلال في السوق بصورة أوضح. فالإنتاج التقديري للذهب بلغ نحو 41 طناً في 2022، و53 طناً في 2023، و64 طناً في 2024، بينما تشير بيانات الأشهر التسعة الأولى من 2025 إلى إنتاج يقارب 53 طناً، ما يرجح وصول الإنتاج السنوي إلى نحو 71 طناً.
أما الصادرات الرسمية فقد بلغت نحو 17 طناً في 2022، و26 طناً في 2023، و31 طناً في 2024، وحوالي 14.7 طن فقط خلال الأشهر التسعة الأولى من 2025.
وبذلك فإن نسبة الذهب الذي دخل القنوات الرسمية تراوحت بين 41% و49% خلال الفترة 2022–2024، قبل أن تنخفض إلى نحو 28% في 2025، ما يعني أن ما بين ثلث ونصف الإنتاج تقريباً لم يظهر ضمن الصادرات الرسمية، بينما اتسعت الفجوة في 2025 بصورة أكبر.
وعند حساب الفرق بين الإنتاج والصادرات الرسمية يتضح أن الكميات غير المسجلة ارتفعت من 24 طناً في 2022 إلى 27 طناً في 2023، ثم 33 طناً في 2024، قبل أن تتجاوز 38 طناً خلال الأشهر التسعة الأولى من 2025 وحدها.
كيف يزيد الحظر جاذبية التهريب؟
الحظر الأوروبي لا يمنع استخراج الذهب من المناجم، لكنه يرفع تكلفة الوصول إلى المواد المستخدمة في الاستخلاص. ومع اعتماد آلاف المعدنين على الزئبق والسيانيد، فإن السوق ستتجه إلى مسارات بديلة تشمل الاستيراد غير المباشر أو التهريب عبر الحدود.
وهنا تبدأ سلسلة التأثير الاقتصادي: ارتفاع أسعار الزئبق والسيانيد، ثم ارتفاع تكلفة استخلاص الذهب، ثم تراجع هامش الربح الرسمي، وأخيراً ازدياد جاذبية التهريب.
المشكلة لا تتوقف عند تكلفة المواد الكيميائية. فمنتجو الذهب في السودان يواجهون أيضاً رسوماً وعوائد جليلة وضرائب تُقدَّر في كثير من الحالات بين 22% و25% من قيمة الذهب، بينما لا تتجاوز في دول الجوار مثل تنزانيا وتشاد وزامبيا حدود 6% إلى 9%.
وبذلك يصبح المنتج السوداني أمام معادلة صعبة: تكلفة استخلاص أعلى بسبب ندرة الزئبق والسيانيد، ورسوم وضرائب مرتفعة عند البيع الرسمي، وأسعار أكثر جاذبية في الأسواق المجاورة. وهذه المعادلة تمثل بيئة مثالية لاتساع التهريب.
تهريب مزدوج وخسارتان للدولة
إذا استمر الوضع الحالي، فقد يواجه السودان نوعين من التهريب في الوقت نفسه: تهريب الزئبق والسيانيد إلى الداخل لتوفير المواد اللازمة للاستخلاص، وتهريب الذهب إلى الخارج لتجنب الرسوم وتحقيق هامش ربح أعلى.
وهذا يعني أن الدولة ستخسر مرتين: مرة في الرقابة على المواد الخطرة، ومرة في حصيلة الصادرات الرسمية.
ومع توقف الإمدادات الأوروبية، ستتجه السوق السودانية بصورة أكبر نحو الصين كمورد رئيسي للزئبق والسيانيد. غير أن الاعتماد على مسارات استيراد أطول وأكثر تعقيداً سيرفع تكاليف النقل والتأمين والتمويل، ما يعني أن تكلفة إنتاج الجرام الواحد من الذهب ستزداد حتى قبل احتساب الضرائب المحلية.
التعدين الأخضر ضرورة اقتصادية
أمام هذه التطورات، لم يعد التعدين الأخضر خياراً بيئياً فقط، بل أصبح ضرورة اقتصادية. فالتقنيات التي تقلل الاعتماد على الزئبق والسيانيد يمكن أن تخفض تكلفة الاستخلاص على المدى المتوسط، وتقلل الحاجة إلى استيراد المواد المحظورة، وتحد من نشاط شبكات تهريب المواد الكيميائية، وتحسن فرص تسويق الذهب السوداني في الأسواق العالمية.
ومع استمرار عجز الحساب الجاري عند مستويات مرتفعة تقترب من 5 مليارات دولار، فإن أي زيادة إضافية في تهريب الذهب تعني مزيداً من الضغط على الجنيه السوداني وعلى موارد النقد الأجنبي للدولة.
ولهذا فإن المعالجة الأكثر فاعلية لا تكمن في تشديد الرقابة وحدها، بل في خفض الرسوم والعوائد الجليلة، وتسهيل الاستيراد المنظم للمواد اللازمة للتعدين، وتسريع التحول إلى التعدين الأخضر، وربط الإنتاج والتداول بنظام تتبع إلكتروني شامل.
فكلما انخفضت تكلفة الإنتاج الرسمي، تراجعت جاذبية التهريب وازدادت الحصيلة التي تدخل خزينة الدولة، وتحولت الفجوة بين الإنتاج والصادرات الرسمية من مصدر استنزاف للاقتصاد إلى مورد حقيقي لدعم الاستقرار النقدي والمالي في السودان.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات