بين الخرطوم ونيودلهي إرث دبلوماسي صلب لم تخدشه تقلبات السياسة؛ فالطبيب الهندي، والجامعة الهندية، والتبادل التجاري، كلها مفردات شكلت وعي السودانيين تجاه شبه القارة الآسيوية كشريك تاريخي موثوق. غير أن ما تكشفه منصات الرصد الرقمي والاستقصائي مؤخراً (وفي مقدمتها التحقيقات الموثقة لمنصة “إيكاد”) حول التدفق المنظم لمصابي وجرحى ميليشيا الدعم السريع نحو مستشفيات مدينة “حيدر آباد” الهندية، يضع هذه العلاقة تحت مجهر المساءلة الوطنية الصارمة.
بالوثائق والأرقام: “ترانزيت” إعادة تأهيل الميليشيا
الرصد المعلوماتي يتجاوز فرضية “السياحة العلاجية الفردية”؛ فنحن أمام خطوط إخلاء طبي منسقة، تبدأ من مطارات دول الجوار الإقليمي وتمر عبر خطوط طيران تجارية لتستقر في رعاية طبية متكاملة في الهند. هذا المشهد يفرض على العقل السياسي سؤاله الجوهري: هل تبني نيودلهي استدارة غير معلنة نحو “حلفاء الدم”؟ أم أن شبكات المال والشركات الأمنية العابرة للحدود نجحت في اختراق المنظومة الطبية الهندية مستغلةً غياب المتابعة الصارمة؟
مسار حيدر آباد.. أين عين المخابرات العامة؟
هنا، ينتقل عبء الإجابة مباشرة إلى طاولة الدولة السودانية ومؤسساتها السيادية:
وزارة الخارجية: مطالبة بتجاوز لغة الصمت الدبلوماسي، والتقدم باستيضاح رسمي وحاسم لنظيرتها الهندية حول هذه التسهيلات الممنوحة لعناصر ميليشيا مصنفة ككيان متمرد يهدد كيان الدولة والأعيان المدنية.
جهاز المخابرات العامة: معنيٌّ تماماً بتقديم إجابات ملموسة حول اختراق هذه الشبكات للمنافذ، وتحديد الجهات الإقليمية التي تتولى التمويل والتنسيق اللوجستي لهذه الرحلات المكلفة. فالأمن القومي لا يحتمل رمادية الموقف حين يتعلق الأمر بإعادة تأهيل القوة البشرية للمتمردين.
إن الوعي بطبيعة المؤامرة التي تحاك لتفتيت السودان يتطلب تسمية الأشياء بمسمياتها؛ فـ “حلفاء الدم” ليسوا فقط من يمسكون بالزناد، بل كل من يوفر للميليشيا شريان حياة لوجستي، أو طبي، أو مالي لإطالة أمد الحرب.
في آخر الكلام..
إن الحفاظ على دفء العلاقات التاريخية مع الهند مصلحة سودانية، لكنه مشروط باحترام السيادة الوطنية ودماء الضحايا. إن تمدد هذه التسهيلات الطبية دون رد فعل رسمي قوي ومحاصرة استخباراتية لشبكات السفر، يعكس تراخياً في إدارة ملفات الحرب الخارجية. دماء السودانيين ليست رخيصة، وقطع شرايين الإمداد بجميع أشكاله هو الخطوة الأولى نحو حسم معركة البقاء.
