أصدر اتحاد الدراميات السودانيات، الاثنين بيانًا حذر فيه من منح صفة “ممثل” أو “ممثلة” عبر منصات التواصل الاجتماعي دون سند مهني، مؤكدًا أن التمثيل مهنة تقوم على الموهبة والتأهيل والاعتراف، ومعلنًا اتخاذ إجراءات قانونية لحماية المهنة. ويكشف البيان عن أزمة أكبر تتجاوز الشأن النقابي إلى مستقبل المعمار الثقافي السوداني، ودور مؤسسات إنتاج الوعي في مرحلة إعادة بناء الدولة بعد الحرب.
في تقديري لا تقف دلالة هذا التحذير عند حدود الوسط الدرامي، بل تعكس تحولًا أصاب المجال الثقافي والفني خلال السنوات الأخيرة. فالحرب لم تُضعف البنية التحتية للدولة فحسب، وإنما أضعفت أيضًا المؤسسات المبدعة التي كانت تنتج الثقافة، وتمنح الاعتراف، وتصنع النخب، من المدرسة والجامعة إلى المسرح والصحافة والاتحادات المهنية. وفي ظل هذا الفراغ، تمددت المنصات الرقمية لتصبح الفضاء الأكثر تأثيرًا في تشكيل الذوق العام وصناعة الشهرة وانتزاع الاعتراف الاجتماعي.
وقد سبق أن تناولنا في “وجه الحقيقة” هذه الظاهرة في مقال “التفاهة الرقمية… ومأزق القيم”، حيث أشرنا إلى أن أخطر ما أنتجه الاقتصاد الرقمي لم يكن اتساع فضاء التعبير، وإنما إعادة تشكيل منظومة القيم نفسها، إذ انتقل معيار التقدير من الكفاءة إلى الانتشار، ومن المعرفة إلى الإثارة، ومن الإنجاز إلى صناعة الإنتباه. واليوم، يبدو أن هذه الأزمة قد بلغت الحقل الدرامي، فلم تعد القضية مرتبطة بأشخاص يقدمون أنفسهم ممثلين، بل بمنظومة جديدة تعيد تعريف “الممثل” ومعايير الاعتراف.
فالدراما في أصلها ليست نشاطًا ترفيهيًا، ولا صناعة للنجومية، وإنما مؤسسة اجتماعية لإنتاج الأفكار، إنها الفن الذي يحول التجربة الإنسانية إلى سردية، ويعيد تقديم المجتمع إلى نفسه عبر الشخصية والحكاية والصورة. ولذلك لم تكن الدراما السودانية، في مراحلها، مجرد أعمال تُعرض على الشاشة أو خشبة المسرح، بل كانت إحدى أدوات تشكيل الوعي الوطني، وترسيخ القيم، وتعزيز الهوية، وإنتاج الذاكرة الجمعية.
لذلك فإن الدفاع عن مهنة “التمثيل” لا ينبغي أن يُفهم بوصفه دفاعًا عن امتياز ، وإنما دفاع عن حقل الدراما، وعن القواعد التي يقوم عليها. فالفن كغيره من الحقول المعرفية، لا يستقيم إلا بمعايير الاحتراف والتكوين والتراكم والنقد. وعندما تصبح الشهرة الرقمية بديلًا عن هذه المعايير، فإن الأزمة لا تصيب المهنة وحدها، بل تصيب قدرة المجتمع على التمييز بين القيمة والضجيج، وبين الإبداع الحقيقي والادعاء.
لكن تحميل المنصات الرقمية وحدها مسؤولية هذا التحول سيكون تبسيطًا للمشهد. فالمنصة لا تصنع الفراغ، وإنما تستثمر فيه. والأزمة الحقيقية تكمن في تراجع البنية المؤسسية للدراما السودانية، ضعف الإنتاج، وغياب المواسم المسرحية، وتراجع دور المعاهد الفنية، وانحسار النقد، وغياب الفعل الحكومي عن ابداع سياسة ثقافية جادة، تنظر إلى الدراما باعتبارها صناعة وطنية لا نشاطًا هامشيًا.
ولعل العودة إلى النقاشات التي شهدها الوسط الدرامي خلال السنوات الماضية حول إصلاح الاتحادات المهنية، وعقد مؤتمر جامع يعيد قراءة تاريخ الأزمة ويؤسس لقيادات جديدة ورؤية مهنية حديثة، تكشف أن سؤال الإصلاح ليس وليد اللحظة، بل هو سؤال مؤجل ظل يبحث عن إرادة تتبناه. ومن هذه الزاوية، فإن بيان اتحاد الدراميات، يمكن قراءته بوصفه محاولة لاستعادة هيبة المؤسسة المهنية، لا في مواجهة أفراد بعينهم، وإنما في مواجهة انهيار المعايير التي يقوم عليها الحقل الفني.
ومن منظور سياسي، تتجاوز القضية الوسط الثقافي إلى سؤال الدولة. فالدول الخارجة من الحروب لا تعيد بناء مؤسساتها المادية فقط، بل تستعيد أيضًا سرديتها الوطنية. فالبندقية قد توقف الحرب، لكنها لا تبني وحدها الثقة أو الوجدان الجمعي. وهنا تبرز الدراما كأداة للقوة الناعمة، قادرة على تحويل الألم إلى ذاكرة، والتجربة إلى قصة، والاختلاف إلى حوار.
ولهذا، فإن معركة اليوم ليست إعادة إعمار فقط، بل استعادة للمعايير والقدرة على إنتاج المعنى. فالدولة التي تستعيد حدودها الجغرافية وتترك فضاءها الثقافي للخوارزميات، تظل عاجزة عن استكمال مشروعها الوطني، لأن السرديات التي لا يصنعها المجتمع ومؤسساته ستصنعها قوى أخرى.
ومن هنا يصبح إعادة تأسيس الدراما جزءًا من مشروع إعادة تأسيس الدولة، فالقضية لا تتعلق بحماية لقب “ممثل” بل ببناء البيئة التي تصنع الفنان عبر التعليم والإنتاج والتمويل والنقد والإعلام، وبناء مؤسسات مهنية قادرة على حماية المهنة وتطويرها. كما أن الإعلام شريك في صناعة الوعي، وحين يستبدل النقد بالترويج ويقدم المشاهدات على حساب الجودة، فإنه يسهم في إضعاف الذائقة العامة وتعميق الأزمة.
وبحسب #وجه_الحقيقة ، فإن بيان اتحاد الدراميات السودانيات يتجاوز حماية مهنة التمثيل إلى الدفاع عن مستقبل القوة الناعمة السودانية. فإعادة بناء السودان لا تكتمل بإعمار المكان وحده، بل باستعادة المؤسسات التي تنتج الوعي وتحمي القيم. وفي هذه اللحظة التاريخية، لا تحتاج الدراما السودانية إلى حماية ماضيها فقط، وإنما إلى إعادة تأسيس مستقبلها بوصفها أداة لصناعة الهوية وبناء السلام.
دمتم بخير وعافية.
الأربعاء 8 يوليو 2026 م Shglawi55@gmail.com
