الثلاثاء, يوليو 7, 2026
الرئيسيةمقالاتبين الاسم والرسالة… هل تبدأ مفوضية مكافحة الفساد من حيث ينبغي؟ ...

بين الاسم والرسالة… هل تبدأ مفوضية مكافحة الفساد من حيث ينبغي؟ بقلم/ اسماعيل الحكيم


ليست الأسماء في عالم المؤسسات مجرد عناوين إدارية، وإنما هي رسائل تُرسل إلى المجتمع قبل أن تبدأ المؤسسة عملها. فالاسم يصنع الانطباع الأول، ويعكس الفلسفة التي قامت عليها المؤسسة، ويحدد زاوية النظر إليها. ولذلك، فإن حسن اختيار الاسم ليس فرعاً لغويًا، وإنما جزء من صناعة الثقة وبناء الوعي العام.
ومع إعلان انطلاق مفوضية مكافحة الفساد في السودان الأسبوع المقبل، يبرز سؤال يستحق أن يُطرح بعيدًا عن التهويل أو التشكيك، وقريبًا من روح المسؤولية الوطنية: هل كان اختيار هذا الاسم هو البداية الأنسب لمؤسسة يُراد لها أن تقود معركة استعادة النزاهة وترسيخ قيم الأمانة في الدولة وتضع قواعد الإصلاح ؟
إن من القواعد الفقهية الكبرى التي أجمع عليها العلماء قولهم: “دفع الضرر مقدم على جلب المنفعة.” وإذا كان للضرر صور متعددة، فإن من صوره أيضًا ما تتركه المصطلحات من آثار في الوعي الجمعي. فالاسم الذي يتكرر على الألسنة وفي وسائل الإعلام يصبح جزءًا من الصورة الذهنية التي تتكون عن الدولة ومؤسساتها.
ومن هذه الزاوية، قد يتساءل كثيرون: ألم يكن الأولى اختيار اسم يحمل دلالات البناء والإصلاح، مثل مفوضية النزاهة، أو مفوضية الشفافية، أو مفوضية حماية المال العام، بدلاً من اسم يجعل مفردة “الفساد” هي العنوان الأبرز؟ فالرسالات العظيمة لم تُبنَ على استحضار الرذيلة، وإنما على ترسيخ الفضيلة، ولم يكن مشروع الإسلام محاربة الفساد لذاته، وإنما إقامة العدل، وإحياء الأمانة، وإصلاح الإنسان والعمران.
ولا يخفى على أحد أن الحديث عن الفساد في السودان قد ارتفع صوته في السنوات الأخيرة، حتى أصبحت الكلمة تتردد في المجالس، وتتداولها وسائل الإعلام، وتتناقلها منصات التواصل الاجتماعي، واختلطت فيها الوقائع بالشائعات، والحقائق بالانطباعات، حتى كاد الاتهام يصبح أسهل من الإثبات، والظن يسبق الدليل.
وفي مثل هذا المناخ، تصبح المسؤولية الملقاة على عاتق المفوضية مسؤولية مضاعفة. فليس المطلوب أن تُضيف مؤسسة جديدة إلى المشهد الإداري، وإنما أن تُعيد بناء الثقة بين المواطن والدولة، وأن تجعل من الشفافية منهجًا لا شعارًا، ومن سيادة القانون ممارسةً لا إعلانًا.
ولذلك، فإن أول ما ينتظره السودانيون من هذه المفوضية ليس المؤتمرات الصحفية، ولا البيانات العامة، وإنما الوضوح الكامل في تعريف رسالتها واختصاصاتها وحدود صلاحياتها. فمن حق الرأي العام أن يعلم: ما طبيعة العلاقة التي ستربطها بالنيابة العامة، والقضاء، والأجهزة العدلية، والشرطة، والجهات الأمنية؟ وكيف ستتكامل أدوارها دون تضارب في الاختصاص أو ازدواج في الإجراءات؟
ومن حق الناس كذلك أن يعرفوا: من هو الفاسد وفقًا للمعيار الذي ستتبناه المفوضية؟ وهل تستند في توصيف جرائم الفساد إلى أحكام الشريعة الإسلامية، باعتبارها المرجعية التشريعية في السودان، أم إلى القوانين الجنائية والإدارية النافذة، أم إلى قانون خاص ينظم عملها ويحدد اختصاصاتها وإجراءاتها؟ فالمصطلحات القانونية لا تُبنى على الانطباعات، وإنما على نصوص واضحة وضوابط دقيقة، لأن العدالة لا تعرف العبارات الفضفاضة، ولا تحتمل التفسيرات المتباينة.
كما أن الرأي العام لا ينتظر من المفوضية أن تُطلق الوعود، وإنما أن تُمكّن المواطنين من الوقائع، وأن تعلن للرأي العام ما تنجزه وفق ما يسمح به القانون، وأن ترسم سياسة إعلامية قائمة على الإفصاح المسؤول، لأن الفراغ المعلوماتي هو البيئة الخصبة للشائعات، وكلما غابت المعلومة الصحيحة حضرت الرواية غير الموثقة.
ومن الحكمة أن تجعل المفوضية من أولى خطواتها عقد لقاء جامع مع أهل الإعلام والصحافة، تُعرض فيه رؤيتها، ويُشرح فيه قانونها، وتُبيَّن فيه صلاحياتها، وتُجاب فيه على الأسئلة التي لا تحتمل التأجيل، فالإعلام ليس خصمًا للمؤسسات، وإنما شريك في بناء الوعي، وجسر بين الدولة والمجتمع، وحارس للرأي العام حين تُحسن المؤسسات مخاطبته بالحقائق.
إن السودان يقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة، تتطلع فيها النفوس إلى بناء دولة المؤسسات وسيادة القانون، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا إذا قامت مؤسسات العدالة والرقابة على الوضوح والاستقلال والشفافية. فمكافحة الفساد ليست حملة إعلامية، ولا شعارًا سياسيًا، وإنما مشروع وطني تتكامل فيه التشريعات، والأجهزة العدلية، والرقابية، والإعلام، والمجتمع.
ويبقى أن نجاح المفوضية لن يُقاس بعدد الملفات التي تعلن عنها، ولا بحجم الأسماء التي تتداولها المجالس، وإنما بقدرتها على ترسيخ الثقة في أن القانون يُطبق على الجميع دون استثناء، وأن الإجراءات تُبنى على الأدلة لا على الانطباعات، وأن الحقوق تُصان قبل العقوبات، وأن المواطن يرى في هذه المؤسسة عنوانًا للنزاهة قبل أن يراها عنوانًا لمكافحة الفساد.
ولعل أول رسالة يمكن أن تبعثها المفوضية إلى السودانيين، وهي تستعد لانطلاقتها، أن تدعو إلى لقاء إعلامي مفتوح، تُجيب فيه عن الأسئلة المشروعة قبل أن يطرحها الناس في فضاءات التأويل، فالمؤسسات القوية لا تخشى السؤال، والشفافية لا تؤجل البيان، والثقة لا تُفرض بسلطة القانون، وإنما تُبنى بصدق الخطاب، ووضوح المنهج، واحترام حق المجتمع في المعرفة .

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات