الأحد, يوليو 5, 2026
الرئيسيةمقالاتسنار تصنع ملحمة العفو المحال ، وتلقن السياسة والمجتمع الدولي دروس السيادة...

سنار تصنع ملحمة العفو المحال ، وتلقن السياسة والمجتمع الدولي دروس السيادة الوجدانية

كتب/ د. اسماعيل الحكيم
حين تتداعى أركان الحروب، وتنزف الأوطان من ويدانها، تسقط الأقنعة السياسية وتصمت النظريات المستوردة، لتشرق من عمق الرماد إرادة الشعوب الحرة. هنا، ومن قلب العاصمة الصامدة ولاية الخرطوم ، وفي لحظةٍ تاريخية مهيبة تخطت حدود الزمان والمكان، انطلقت صرخة السلم المجتمعي المدمرة لعرش الشقاق؛ حيث احتضنت الخرطوم في كبريائها أهل سنار الأوفياء ، لا في لقاء بروتوكولي باهت، ولكن في زلزالٍ وجداني عاصف تصافحت فيه القلوب بصفاءٍ قبل أن تتلامس الأيدي، ليعلن هذا الجمع المبارك تسامياً أسطورياً فوق الجراح، متجاوزاً مرارات الماضي صعوداً نحو قمم التصالح والتصافح النبيل.
لقد فجّر المجلس الأعلى للسلم المجتمعي يوم أمس بعد عام ونصف من النحت الدؤوب في صخر العناد والخصومة، ينبوع التسامح الكامن في الوجدان السوداني. وبأيدٍ متوضئة بدموع الشوق للوطن ونقاء الضمائر، صاغ المجتمع السناري بمختلف مكوناته وثيقةً تاريخية خطت حروفها بصفاء النفوس، لتكون أعظم ميثاقٍ مجتمعي يشهده عصرنا الحديث، تحت رايةٍ قاهرة لكل مروجي الفتن: والصلح خير .
إن هذا اللقاء المعجز في مبانيه ومعانيه حمل بعداً استراتيجياً بعيد المدى، وأرسل برقيات حادة كحد السيف، واضحة كقرص الشمس، إلى ثلاثة محاور:

  • إلى الساسة المحترفين: كفاكم متاجرة بآلام الأبرياء في سوق المحاصصات والخطب الجوفاء! ها هم أهل سنار يلقنونكم درساً قاسيًا، ويثبتون أن السلام الحقيقي يُصنع في وجدان الشعوب وميادين التآخي، لا في صالونات الفنادق الفاخرة وعبر الإملاءات الخارجية.
  • ⁠إلى الإعلام المأجور ومنصات الفتنة: كفى عزفاً على أوتار التشرذم والقبيلة، وتوقفوا عن نفث سموم الفرقة. إن ما حدث بالخرطوم بالأمس هو الحقيقة العارية والملحمة الوطنية التي يجب أن تنحني لها شاشاتكم إجلالاً وتتواضع لها أقلامكم تعظيماً ، لتكفوا عن صب الزيت على نيران الحروب.
  • ⁠إلى المجتمع الدولي والمنظمات العابرة للقارات: خذوا حقائبكم ونظرياتكم وارحلوا، فإنسان السودان لا يحتاج وصايةً أو صكوكاً مستوردة ليتعلم كيف يتعايش! نحن أسياد الرتق والفتق، ونحن من يملك شيفرة التسامح المستمدة من إرث الأرض لا من دهاليز أروقتكم.
    إن هذا الاحتشاد الفريد الذي صهر رجال الطرق الصوفية بروحانياتهم الطاهرة، ورجالات الإدارة الأهلية بحكمتهم الضاربة في جذور التاريخ، والحكومة التنفيذية بمسؤوليتها، يمثل البُعد الاستراتيجي الحقيقي لإعادة الإعمار والبناء النفسي لما بعد الحرب . إنها الهندسة الوجدانية التي تسبق بناء الحجر؛ فلا تنمية بلا استقرار، ولا عمران بلا نفوس راضية متجاوزة للأغراض والضغائن، معتصمة بكلمة سواء.
    وفي التفاتةٍ ذكية ومسؤولة، جاءت حكومة الأمل بغضها وغضيضها لتعلن احتضانها الكامل ورعايتها الشاملة لهذه المبادرة، متوجةً هذا السبق الاجتماعي بحزمة من الخدمات التنموية الكبرى لإنسان ولاية سنار . إنه اعترافٌ رسمي بليغ بأن الدولة لا تبني إلا حيث يضع المواطن لبنات السلم، وأن الاستقرار هو العملة الوحيدة القابلة للصرف في سوق البناء والنهضة.
    بالأمس، تلاشت الفوارق، وانتفت التمايزات، ودُفنت النعرات في مهدها ليولد السودان من جديد. إن ملحمة الخرطوم وسنار هي المرجع السوداني الخالص، والأنموذج التاريخي الذي يجب أن يقتفى أثره في كل شبر من أرض الوطن ، مرجعٌ يثبت للعالم أجمع أن الاعتصام المشفوع بالعفو والتجاوز هو سلاحنا الأقوى. فلتخرس قوى الردة، وليصمت المشككون، فقد أثبت إنسان هذا الوطن أنه حين يقرر العفو، يزلزل الأرض طهراً، وحين يقرر النهوض، لا تقف في وجهه عواصف الكون. عاش سودان الإخاء، والمجد لمن تعالت نفوسهم فصنعوا بدمائهم وعفوهم فجر الوطن الجديد.
مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات