أعاد قرار بنك السودان المركزي بإلغاء التصديق الممنوح لشركة العسجد للحلول الرقمية والذكية للعمل في مجال خدمات نظم الدفع الإلكترونية فتح باب النقاش حول قضية تتجاوز حدود شركة بعينها، لتلامس أحد أهم الملفات المرتبطة بمؤسسية اتخاذ القرار داخل البنك المركزي، باعتباره الجهة المسؤولة عن حماية الاستقرار النقدي والمالي في البلاد.
فالقرار جاء بعد فترة وجيزة من الإعلان عن منح التصديق للشركة، وبعد تدشين أعمالها رسمياً في مدينة بورتسودان، ثم أعلن البنك المركزي لاحقاً أن لجنة فنية وقانونية أوصت بإلغاء التصديق بعد مراجعة أوضاع الشركة وفق المعايير الفنية والمالية والرقابية المنظمة لهذا القطاع.
ولا شك أن ممارسة البنك المركزي لسلطاته الرقابية تمثل مؤشراً إيجابياً على أن التراخيص تخضع للمراجعة المستمرة، وأن التصديق لا يمنح أي جهة حقاً مطلقاً في مزاولة النشاط. غير أن تسلسل الأحداث يثير سؤالاً مؤسسياً مهماً: هل مرت جميع مراحل التقييم المؤسسي وإدارة المخاطر قبل إصدار القرار الأول؟
القضية ليست شركة… بل مؤسسية القرار
لا ينبغي أن ينحصر النقاش في شركة العسجد، فالشركات تأتي وتذهب، بينما تبقى المؤسسات هي الضامن الحقيقي لاستقرار الدولة.
المحول المالي ليس تطبيقاً تجارياً أو مشروعاً استثمارياً عادياً، بل يمثل إحدى ركائز البنية التحتية الوطنية للقطاع المالي، ويترتب على تشغيله آثار مباشرة على المصارف، وأنظمة الدفع، والثقة في الاقتصاد.
ولهذا، فإن أي قرار يتعلق بهذا النوع من الأنظمة يجب أن يمر عبر منظومة مؤسسية متكاملة تشمل الدراسات الفنية، والتقييم القانوني، وإدارة المخاطر، والأمن السيبراني، واستمرارية الأعمال، والجاهزية التشغيلية، قبل الوصول إلى مرحلة الإعلان أو التدشين.
السودان يمتلك تجربة مؤسسية
لم يبدأ السودان اليوم في بناء أنظمة المدفوعات الإلكترونية.
فمنذ تأسيس شركة EBS عام 1999 بمبادرة من بنك السودان المركزي والمصارف السودانية، شهد القطاع المصرفي تطوراً كبيراً في مجال البنية التحتية للمدفوعات، حيث تولت الشركة إنشاء وتشغيل أنظمة الربط بين المصارف، والمقاصة الإلكترونية، وشبكات الصراف الآلي، وأسهمت في تطوير عدد من الأنظمة المصرفية، من بينها مشروع Pentabank، فضلاً عن دورها في الربط مع الخدمات المالية الدولية.
وهذا التاريخ المؤسسي يجعل من الطبيعي أن يتساءل المختصون عن الأسس التي بُني عليها قرار منح التصديق لمشغل جديد، وكيف يتكامل هذا القرار مع البنية المؤسسية القائمة.
ماذا تقول التجارب الدولية؟
التجارب الدولية لا تعارض مشاركة القطاع الخاص في تشغيل أنظمة المدفوعات، لكنها في الوقت ذاته تؤكد أن تشغيل البنية التحتية الوطنية يتم عادةً من خلال مؤسسات تتمتع بحوكمة قوية، وتكون في الغالب مملوكة للبنوك أو بالشراكة مع البنك المركزي، كما هو الحال في الهند ونيجيريا وجنوب أفريقيا.
ولا تكمن أهمية هذه النماذج في طبيعة الملكية فحسب، وإنما في قوة المؤسسة التي تقف خلف القرار، ووضوح إجراءات التقييم، وشفافية معايير منح التراخيص، واستقلالية اللجان الفنية التي تتخذ التوصيات.
أين تبدأ المؤسسية؟
المؤسسية لا تُقاس بقدرة المؤسسة على إصدار القرارات فقط، وإنما بقدرتها على ضمان أن كل قرار يمر بمراحل واضحة ومكتملة قبل إعلانه.
فإذا كانت اللجنة الفنية والقانونية قد انتهت لاحقاً إلى وجود أسباب تستوجب إلغاء التصديق، فإن السؤال المشروع هو:
• هل كانت هذه الأسباب قائمة قبل منح التصديق؟
• وإذا كانت موجودة، فلماذا لم تُكتشف أثناء مرحلة التقييم؟
• وإذا كانت قد ظهرت لاحقاً، فما هي المتغيرات التي استدعت تغيير القرار؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من الدور الرقابي للبنك المركزي، بل على العكس، فإن الإجابة عنها تعزز الثقة في مؤسساته، وتوضح للرأي العام أن القرارات تُبنى على إجراءات واضحة وليست على اجتهادات فردية.
إدارة المخاطر قبل اتخاذ القرار
في البنوك المركزية حول العالم، لا يقتصر تقييم مشغلي البنية التحتية المالية على الجوانب الفنية، بل يعتمد على منظومة متكاملة لإدارة المخاطر تشمل:
• المخاطر التشغيلية.
• الأمن السيبراني.
• حماية البيانات.
• استمرارية الأعمال.
• التعافي من الكوارث.
• الحوكمة المؤسسية.
• الملاءة المالية.
• إدارة مخاطر الطرف الثالث.
ولهذا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل اكتملت جميع هذه المراحل قبل الإعلان عن منح التصديق؟
وماذا عن الاستثمارات التي أُبرمت؟
ومن الجوانب التي تستحق التوضيح أيضاً ما إذا كانت الشركة قد شرعت، استناداً إلى التصديق الذي مُنح لها، في التعاقد على شراء أو استيراد البنية التحتية اللازمة للمشروع، أو إبرام عقود مع شركات تقنية، أو استقطاب كوادر متخصصة.
فإذا كانت هذه الالتزامات قد تمت، فما هو مصيرها بعد قرار الإلغاء؟ وهل أُخذت آثارها الاقتصادية والقانونية في الاعتبار؟ أما إذا لم تكن قد بدأت، فما مدى جاهزية المشروع عند الإعلان عن تدشينه؟
الثقة تُبنى بالشفافية
إن قوة البنوك المركزية لا تُقاس فقط بصحة قراراتها، وإنما كذلك بوضوح الإجراءات التي تقود إلى تلك القرارات.
وفي القضايا التي تمس البنية التحتية الوطنية، فإن الشفافية ليست خياراً، بل ضرورة لحماية الثقة في النظام المالي، وتعزيز بيئة الاستثمار، وترسيخ مبدأ سيادة المؤسسات.
ولذلك، فإن المطلوب اليوم ليس البحث عن طرف رابح أو خاسر، بل ترسيخ ثقافة مؤسسية تقوم على الإفصاح، وتوضيح مراحل اتخاذ القرار، ونشر المعايير التي استندت إليها اللجان الفنية، حتى تظل القرارات المرتبطة بالأمن المالي للدولة محصنة بالشفافية، ومدعومة بالحوكمة، وقائمة على إدارة رشيدة للمخاطر.
فالأسئلة المطروحة اليوم ليست عن شركة العسجد، وإنما عن كيفية اتخاذ القرار داخل واحدة من أهم مؤسسات الدولة. وكلما كانت الإجابات أكثر وضوحاً، ازدادت الثقة في بنك السودان المركزي، وتعززت مكانته كحارس للاستقرار النقدي والمالي في السودان.
saeed.abuobida5@gmail.com
