في السياسة لا توجد مواقف ثابتة بقدر ما توجد مصالح متحركة، ولا شيء يكشف حقيقة التحولات الإقليمية أكثر من حركة الوسطاء ورسائل العواصم. ومن هذا المنطلق تكتسب زيارة مبعوث السلام ومدير المخابرات الخارجية الأوغندية جوزيف أكووت إلى الخرطوم أهمية استثنائية، ليس بسبب طبيعة الزيارة فحسب، وإنما بسبب الجهة التي يمثلها والتوقيت الذي جاءت فيه.
فـأوغندا لم تكن خلال سنوات الأزمة السودانية لاعباً محايداً في نظر كثير من المراقبين، بل ارتبط اسمها بمواقف وُصفت بأنها أقرب إلى دعم قوات الدعم السريع، كما عُرفت داخل بعض الأوساط الإفريقية بانتقاداتها المتكررة للسلطات في الخرطوم. لذلك فإن وصول مسؤول أمني رفيع من كمبالا إلى العاصمة السودانية يطرح سؤالاً جوهرياً: هل نشهد تحولاً حقيقياً في الموقف الأوغندي، أم أننا أمام إعادة تموضع تفرضها معطيات الميدان؟
القراءة الأولى تشير إلى أن الزيارة قد تعكس إدراكاً متزايداً لدى القوى الإقليمية بأن ميزان القوة على الأرض شهد تغيرات مهمة خلال الأشهر الماضية. فالتطورات العسكرية التي عززت من حضور الجيش في عدد من المناطق الاستراتيجية دفعت العديد من الأطراف إلى مراجعة حساباتها، خاصة تلك التي بنت تقديراتها السابقة على فرضيات مختلفة. وفي عالم السياسة، غالباً ما تسير العواصم نحو الجهة التي ترى أنها ستكون صاحبة الكلمة الأعلى في نهاية المطاف.
أما القراءة الثانية فتذهب إلى أن الأمر لا يتعلق بتبدل المواقف بقدر ما يتعلق بتبدل الأدوات. فالدول لا تتخلى بسهولة عن شبكات نفوذها ومصالحها، لكنها قد تستبدل لغة الاصطفاف المباشر بلغة الوساطة والدبلوماسية الناعمة. ومن هنا يمكن النظر إلى الزيارة باعتبارها محاولة لفهم المشهد الجديد من الداخل السوداني، وبناء قنوات اتصال مع جميع الأطراف تحسباً لأي تسوية سياسية قادمة.
وفي الحالتين، فإن الرسالة الأهم تكمن في أن الإقليم بدأ يدرك أن الحرب السودانية تجاوزت حدود كونها صراعاً داخلياً، وأصبحت عاملاً مؤثراً في معادلات الأمن والاستقرار بمنطقة القرن الإفريقي وشرق إفريقيا بأكملها. ولذلك لم يعد ممكناً الاكتفاء بمراقبة المعركة من بعيد، بل أصبح الانخراط في البحث عن مخارج سياسية ضرورة تمليها المصالح قبل المبادئ.
اللافت أيضاً أن هذه الزيارة تأتي في وقت تتكاثر فيه المبادرات وتزداد فيه التحركات الدبلوماسية، وهو ما يعكس قناعة متنامية بأن صوت الرصاص، مهما ارتفع، لا يستطيع وحده أن يكتب الفصل الأخير من الأزمات المعقدة. فالحروب تبدأ بالبندقية، لكنها غالباً ما تنتهي حول موائد التفاوض.
ويبقى السؤال الأهم: هل جاءت كمبالا إلى الخرطوم لأنها أدركت أن الواقع تغيّر، أم لأنها تريد أن تكون جزءاً من صناعة الواقع الجديد؟
الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة، لكن المؤكد أن زيارة جوزيف أكووت ليست حدثاً بروتوكولياً عابراً، بل مؤشر سياسي يستحق التوقف عنده، لأنه يكشف أن خرائط التحالفات في الإقليم بدأت تتحرك، وأن كثيراً من اللاعبين الإقليميين يعيدون قراءة المشهد السوداني بعين مختلفة وحسابات جديدة.
وفي السياسة، حين يطرق الوسطاء الأبواب، فذلك يعني غالباً أن مرحلة الرسائل قد بدأت، وأن مرحلة المفاجآت ربما لم تنتهِ بعد.
Adam0128855131@gmail.com
